مناسبة هذا الباب لما قبله: أن المؤلف رحمه الله تعالى لما ذكر الحدث الأصغر وكيفية رفعه؛ ذكر الحدث الأكبر ومُوجِبَه وكيفية رفعه.
والغسل، بضم الغين: الاغتسال، وبالفتح: الماء أو الفعل، وبالكسر: ما يُغسل به الرأس.
[ ١ / ٩٠ ]
والغُسل في الاصطلاح: التعبد لله باستعمال الماء في جميع البدن على وجه مخصوص.
- مسألة: (مُوجِبَاتُ الغُسْلِ) أي: الأشياء التي توجبه (سَبْعَةٌ):
الأول: (خُرُوجُ المَنِيِّ مِنْ مَخْرَجِهِ)، ولا يخلو من حالين:
١ - أن يكون من نائم ونحوه؛ كسكرانَ ومغمًى عليه: فيجب الغسل بالاتفاق، ولو بدون لذة؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: جاءت أم سُليم تسأل النبي ﷺ: هل على المَرْأَةِ من غُسْلٍ إذا هي احْتَلَمَتْ؟ فقال رسول الله ﷺ: «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ المَاءَ» [البخاري: ٢٨٢، ومسلم: ٣١٣]، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ» [مسلم: ٣٤٣]، فعلَّق النبي ﷺ الأمر برؤية الماء.
٢ - أن يكون من يقظانَ: فيجب الغسل إن خرج (بِلَذَّةٍ)، لا بدونها؛ لحديث علي ﵁ مرفوعًا: «إِذَا فَضَخْتَ المَاءَ فَاغْتَسِلْ» [أحمد: ٨٦٨، وأبو داود: ٢٠٦، والنسائي: ١٩٣]، والفضخ: هو خروجه بالغلبة، يعني: باللذة والدفع، فدل على أنه إذا خرج بدون لذة وإنما بسبب برد أو مرض؛ لم يجب الغسل.
(وَ) الثاني: (انْتِقَالُهُ) أي: انتقال المني من مكانه دون خروجه، فيجب له الغسل؛ لأن الماء قد باعد محله، فصدق عليه اسم الجنب، وهو من المفردات.
[ ١ / ٩١ ]
وعنه، واختاره ابن قدامة وفاقًا للثلاثة: لا يجب الغسل حتى يخرج؛ لحديث أم سليم السابق: «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ المَاءَ»، ولحديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ» [مسلم: ٣٤٣]، فعلَّق الغسل بوجود الماء.
(وَ) الثالث: (تَغْيِيبُ) جميع الـ (حَشَفَةِ) وهي رأس الذَّكَر، (فِي فَرْجٍ) وإن لم ينزل؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ»، وفي رواية لمسلم: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» [البخاري: ٢٩١، ومسلم: ٣٤٩]، (أَوْ) كان تغييب الحشفة في (دُبُرٍ)؛ لأنه فرج.
ولا غسل إذا مس الختانُ الختانَ من غير إيلاج، ولا بإيلاج بعض الحشفة.
- فرع: يجب الغسل بتغييب الحشفة (وَلَوْ) كان الفرج (لِبَهِيمَةٍ)؛ لأنه إيلاج في فرج أصلي، أشبه فرج الآدمية.
وقيل: لا يجب الغسل بوطء البهيمة؛ لأن هذا الفرج غير منصوص عليه.
- فرع: يجب الغسل بتغييب الحشفة، سواء كان الفرج لحي (أَوْ) كان الفرج لـ (مَيِّتٍ)؛ لعموم حديث أبي هريرة السابق: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا؛ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ».
- فرع: يشترط لوجوب الغسل أن يكون التغييب (بِلَا حَائِلٍ)، فإن وُجِد
[ ١ / ٩٢ ]
حائل كما لو لف عليه خرقة، لم يجب الغسل؛ لانتفاء التقاء الختانين مع الحائل، لأنه هو الملاقي للختان إذن.
(وَ) الرابع: (إِسْلَامُ كَافِرٍ)، أصليًّا كان أو مرتدًّا، ولو مميزًا أو لم يوجد في كفره ما يوجبه، وهو من المفردات واختاره ابن القيم؛ لما روى قيس بن عاصم ﵁: «أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [أحمد: ٢٠٦١١، وأبو داود: ٣٥٥، والترمذي: ٦٠٥، والنسائي: ١٨٨]، وأمرُه للواحد أمرٌ لجميع الأمة.
واختار شيخ الإسلام: لو اغتسل الكافر حال كفره بسبب يوجب الغسل، ثم أسلم، لا يلزمه إعادته إن اعتقد وجوبه؛ بناء على أنه يثاب على طاعته في الكفر إذا أسلم.
(وَ) الخامس: (مَوْتٌ)، فإذا مات المسلم وجب تغسيله؛ لحديث أم عطية ﵂ في تغسيل بنت النبي ﷺ أنه قال لهن: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ» [البخاري: ١٢٥٣، ومسلم: ٩٣٩]، ولحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته ناقته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦].
- فرع: يستثنى من تغسيل الميت:
١ - شهيد المعركة: وهو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فيحرم تغسيله؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ في شهداء أحد: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ
[ ١ / ٩٣ ]
بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ» [البخاري: ١٣٤٧].
٢ - المقتول ظلمًا: يحرم تغسيله، وهو من المفردات؛ لحديث سعيد بن زيد ﵁ مرفوعًا: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» [أحمد: ١٦٥٢، وأبو داود: ٤٧٧٢، والترمذي: ١٤٢١، والنسائي: ٤٠٩٥]، فسمى النبي - ﷺ - هؤلاء شهداءَ، والشهيد لا يغسَّل.
وعنه، واختاره الموفق وفاقًا للثلاثة: يغسَّل المقتول ظلمًا؛ لأن عمر وعثمان وعلي - ﵃ - قُتلوا ظلمًا، وقد اتفق الصحابة - ﵃ - على تغسيلهم.
(وَ) السادس: (حَيْضٌ)؛ لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبيشٍ ﵂: «وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» [البخاري: ٣٢٠، ومسلم: ٣٣٣].
(وَ) السابع: (نِفَاسٌ)؛ لأن النبي ﷺ سمى الحيض نفاسًا، فقال لعائشة - ﵂ - لما حاضت: «لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟» [البخاري: ٣٠٥، ومسلم: ١٢١١]، ولا خلاف في وجوب الغسل عليهما، قاله في المغني.
- مسألة: (وَسُنَّ) الغسل في ستةَ عشَرَ موطنًا:
الأول: وهو آكدها: الغسل (لِـ) صلاة (جُمُعَةٍ)، وهو مستحب (بغير خلاف) قاله في الشرح؛ لحديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: «الغُسْلُ يَوْمَ
[ ١ / ٩٤ ]
الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» [البخاري: ٨٥٨، ومسلم: ٨٤٦]، والخلاف إنما هو في وجوبه، ويدل لعدم وجوبه حديث أبي هريرة مرفوعًا: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الحَصَى فَقَدْ لَغَا» [مسلم: ٨٥٧]، فاقتصر على الوضوء ولم يوجب الغسل.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: غسل الجمعة واجب؛ لظاهر حديث أبي سعيد السابق.
واختار شيخ الإسلام: وجوبه على من كانت له رائحة يتأذى بها الناس؛ لقول عائشة ﵂: «كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الجُمُعَةِ، رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ» [البخاري: ٩٠٣].
(وَ) الثاني: الغسل لصلاة (عِيدٍ)؛ لحديث ابن عباس ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى» [ابن ماجه: ١٣١٥]، ونحوه عن الفاكه بن سعد [أحمد: ١٦٧٢٠، وابن ماجه: ١٣١٦]، وفيهما ضعف، ولكن صح ذلك عن ابن عمر ﵄ [مصنف عبد الرزاق: ٥٧٥٣].
(وَ) الثالث: الغسل لصلاة (كُسُوفٍ، وَ) الرابع: لصلاة (اسْتِسْقَاءٍ)؛ قياسًا على الجمعة والعيد، بجامع الاجتماع لهما.
وقيل: لا يستحب الغسل لهما؛ لعدم الدليل، وما ورد سببه في عهد النبي صلى الله عليه سلم ولم يفعله فتركه هو السنة.
[ ١ / ٩٥ ]
(وَ) الخامس: الغسل لـ (جُنُونٍ، وَ) السادس: الغسل لـ (إِغْمَاءٍ)؛ لأن النبي ﷺ اغتسل من الإغماء في مرض موته كما في حديث عائشة ﵂ [البخاري: ٦٨٧، ومسلم: ٤١٨]، والجنون في معناه بل أبلغ، ولا يجب الغسل لذلك، حكاه ابن المنذر إجماعًا، (لَا احْتِلَامَ فِيهِمَا) أي: في الجنون والإغماء، فإن أنزل حال الجنون أو الإغماء وجب الغسل حينئذ؛ لأنه من جملة موجبات الغسل.
(وَ) السابع: الغسل لـ (اسْتِحَاضَةٍ)، فيسن للمستحاضة أن تغتسل (لِكُلِّ صَلَاةٍ)؛ لحديث عائشة ﵂: «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَقَالَ: هَذَا عِرْقٌ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاةٍ» [البخاري: ٣٢٧، ومسلم: ٣٣٤].
(وَ) الثامن: الغسل لـ (إِحْرَامٍ) بحج أو عمرة؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلالِهِ وَاغْتَسَلَ» [الترمذي: ٨٣٠]، ولو مع حيض ونفاس؛ لقول عائشة ﵂: «نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ أَبَا بَكْرٍ يَأْمُرُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» [مسلم: ١٢٠٩].
(وَ) التاسع: الغسل لـ (دُخُولِ مَكَّةَ)؛ لما جاء عن ابن عمر ﵄: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طوى، حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ
[ ١ / ٩٦ ]
نَهَارًا، وَيَذْكُرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ» [البخاري: ١٥٥٣، ومسلم: ١٢٥٩].
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يسن الغسل عند دخول مكة؛ لأن التنظف الذي هو المقصود من الغسل قد حصل عند الإحرام، وإنما اغتسل النبي ﷺ مرة أخرى عند دخول مكة؛ لأن ميقات المدينة بعيد عن مكة، فاحتاج إلى أن يغتسل مرة أخرى ليحصل التنظيف.
(وَ) العاشر: الغسل لدخول (حَرَمِهَا) أي: حرم مكة، نص عليه أحمد.
ولم يَعُدَّه الموفق والشارح من الأغسال المستحبة.
(وَ) الحادي عشَرَ: الغسل لـ (وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ)؛ لما صح عن عمر وابن عمر ﵄ من الغسل يوم عرفة [ابن أبي شيبة: ١٥٥٥٨، ١٥٥٦٠].
واختار شيخ الإسلام: عدم استحبابه؛ لعدم نقله عن النبي ﷺ (١).
(وَ) الثاني عشَرَ: الغسل لـ (طَوَافِ زِيَارَةٍ) وهو طواف الإفاضة، (وَ) الثالث عشَرَ: الغسل لطواف (وَدَاعٍ، وَ) الرابع عشَرَ: الغسل لـ (مَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ، وَ) الخامس عشَرَ: الغسل لـ (رَمْيِ جمارٍ)؛ لأن هذه كلها أنساك
_________________
(١) نقله المرداوي في الإنصاف والبعلي في الاختيارات، ولكن قال في مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٢): (ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال: غسل الإحرام، والغسل عند دخول مكة، والغسل يوم عرفة).
[ ١ / ٩٧ ]
يجتمع لها الناس، فاستحب لها الغسل؛ كالإحرام ودخول مكة.
قال شيخ الإسلام: (الغسل لرمي الجمار وللطواف والمبيت بمزدلفة لا أصل له، لا عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، بل هو بدعة، إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب، مثل أن يكون عليه رائحة يؤذي الناس بها، فيغتسل لإزالتها).
والسادس عشَرَ: الغسل عند غَسل الميت، كبيرًا كان الميت أم صغيرًا، ذكرًا أم أنثى، حرًّا أم عبدًا، مسلمًا أم كافرًا؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» [أحمد: ٧٧٧٠، وأبو داود: ٣١٦١، والترمذي: ٩٩٣، وابن ماجه: ١٤٦٣]، وحُمِلَ الأمر على الاستحباب؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غَسْلِ مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، فَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجَسٍ، فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» [الحاكم: ١٤٢٦، وحسن إسناده شيخ الإسلام وابن حجر].
- مسألة: (وَ) يجب أن (تَنْقُضَ المَرْأَةُ شَعْرَهَا لِـ) غسل (حَيْضٍ وَنِفَاسٍ)، وهو من المفردات؛ لقول النبي ﷺ لعائشة لما حاضت في الحج: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي» [البخاري: ٣١٦، ومسلم: ١٢١١]، ولا يكون المشط إلا في شعرٍ غير مضفور.
وحكى ابن الزاغوني رواية، واختارها ابن قدامة وفاقًا للثلاثة (١): لا
_________________
(١) ونسبه ابن قاسم في حاشيته على الروض لشيخ الإسلام. (١/ ٢٨٧).
[ ١ / ٩٨ ]
يجب النقض؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أشد ضَفْرَ رأسي، فأنقُضُه لغسل الجنابة؟ قال: «لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ المَاءَ فَتَطْهُرِينَ» [مسلم: ٣٣٠]، وفي رواية: فأنْقُضُه للحيضةِ والجنابة، فقال: «لَا»، وأما حديث عائشة ﵂ فهو في غسل الإحرام، لا في الغسل من الحيض.
- مسألة: و(لَا) يجب النقض لغسل (جَنَابَةٍ إِذَا رَوَّتْ أُصُولَهُ) أي: أصول شعرها، اتفاقًا؛ لحديث أم سلمة ﵂ السابق، والفرق بين الجنابة وبين الحيض والنفاس: أن الجنابة تكثر فيشق ذلك فيها، بخلاف الحيض والنفاس.
- مسألة: (وَسُنَّ تَوَضُّؤٌ بِمُدٍّ، وَاغْتِسَالٌ بِصَاعٍ) وهو أربعة أمداد؛ لحديث أنس ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» [البخاري: ٢٠١، ومسلم: ٣٢٥]، فإن أسبغ بأقلَّ أجزأه ولم يكره.
- فرع: المد = رطل وثُلُث عراقي، والرطل العراقي = ٩٠ مثقالًا، فرطل وثلث = ١٢٠ مثقالًا، والمثقال بالغرامات = ٤.٢٥، وعلى هذا فالمد: ١٢٠× ٤.٢٥ = ٥١٠ غرامات، والصاع: ٥١٠ × ٤ = ٢٠٤٠ غرامًا.
- فرع: بيان قدر المد والصاع بالوزن يفيد في خمسة مواطن:
١ - مقدار الوضوء والغسل.
[ ١ / ٩٩ ]
٢ - مقدار زكاة الفطر.
٣ - مقدار فدية الطعام لمرتكب المحظور في الحج وفي العمرة.
٤ - الكفارات، مثل كفارة ظهار ويمين ونحوهما.
٥ - النذر، كمن نذر الصدقة بمد أو صاع.
- مسألة: (وَكُرِهَ إِسْرَافٌ) في وضوء وغسل؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: «مَا هَذَا السَّرَفُ؟»، فقال: أفي الوضوء إسراف؟، قال: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ» [ابن ماجه: ٤٢٥].
- مسألة: النية في الغسل على أقسام:
الأول: أن يغتسل بنية رفع الحدث الأكبر، ويتوضأ بنية رفع الحدث الأصغر: فيرتفع الحدثان.
(وَ) الثاني: (إنْ نَوَى بالغُسْلِ رَفْعَ الحَدَثَيْنِ) الأكبرِ والأصغرِ ولم يتوضأ: أجزأ عنهما؛ لأن الله أمر الجنب بالغسل، ولم يأمره معه بالوضوء.
والثالث: (أَوْ) نوى بغسله رفع (الحَدَثِ، وَأَطْلَقَ)، فلم يقيده بالأكبر ولا بالأصغر: (ارْتَفَعَا)؛ لشمول الحدث لهما.
والرابع: أن يغتسلَ وينويَ رفع الحدث الأكبر، ولا ينويَ رفع الحدث
[ ١ / ١٠٠ ]
الأصغر: فلا يرتفع الأصغر؛ لقوله ﷺ: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧].
واختار شيخ الإسلام: أنه يرتفع الأصغر أيضًا؛ لقوله تعالى: (وإن كنتم جنبًا فاطهروا) [المائدة: ٦]، فدل على أن الإنسان إذا طهر بدنه حصلت له الطهارة، وفي حديث عمرانَ - ﵁ - في قصة الرجل الذي كان معتزلًا لم يصل في القوم، فقال ﷺ: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» [البخاري: ٣٤٤]، ولم يأمره بالوضوء.
- مسألة: (وَسُنَّ) لحائض ونفساء انقطع دمهما، و(لِجُنُبٍ: غَسْلُ فَرْجِهِـ) ـم (وَالوُضُوءُ) في ثلاثة مواطن:
الأول: (لَأَكْلٍ وَشُرْبٍ)؛ لحديث عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ» تعني: وهو جنب [أبو داود: ٢٢٤]، والحائض والنفساء بعد انقطاع دمهما في معناه.
(وَ) الثاني: لـ (نَوْمٍ)؛ لما جاء عن عمر ﵁: أنه سأل رسول الله ﷺ: أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ» [البخاري: ٢٨٧، ومسلم: ٣٠٦]، ولم يجب؛ لأنه جواب سؤال، والأمر إذا ورد جواب سؤال لم يدل على الوجوب اتفاقًا.
(وَ) الثالث: لـ (مُعَاوَدَةِ وَطْءٍ)؛ لحديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» [مسلم: ٣٠٨]، وزاد الحاكم: «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ» [المستدرك: ٥٤٢].
[ ١ / ١٠١ ]
(وَالغُسْلُ لَهَا) أي: لمعاودة الوطء (أَفْضَلُ) من الوضوء؛ لحديث أبي رافع ﵁: أن النبي ﷺ طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه، فقلت له: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا واحدًا، قال: «هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ» [أحمد: ٢٣٨٦٢، وأبو داود: ٢١٩، وابن ماجه: ٥٩٠].
- فرع: (وَكُرِهَ نَومٌ) فقط لـ (جُنُبٍ بِلَا وُضُوءٍ)؛ لظاهر حديث عمر - ﵁ - السابق، ولا يكره للجنب أكل وشرب ومعاودة وطء بلا وضوء.