أي: أقسامها، وقدر ما يجب، والمستحق لأخذها.
الفدية لغة: مصدر فدى يفدي فداءً، وهي: ما يعطى في افتكاك الأسير، أو إنقاذ من هلكة.
واصطلاحًا: دم أو صوم أو طعام، يجب بسبب نسك، أو بسبب حرم مكي.
والحكمة منها: تعظيم أمر الإحرام، وأن محظوراته من المهلكات؛ لعظم شأنه، وتأكد حرمته.
- مسألة: الفدية على قسمين:
القسم الأول: أن تكون على التخيير، وهي على نوعين:
النوع الأول: ما فيه فدية أذىً، وذكره بقوله: (يُخَيَّرُ بِفِدْيَةِ حَلْقِ) ثلاثِ شعراتٍ فأكثر، (وتَقْلِيمِ) ثلاثةِ أظفار فأكثر، (وَتَغْطِيَةِ رَأْسِ رَجُلٍ، وَوَجْهِ امْرَأَةٍ، وَطِيبٍ)، ولُبْس مخيط، والوطء والإنزال بمباشرة بعد التحلل الأول وقبل الثاني، والوطء في العمرة مطلقًا، والمباشرة بشهوة دون إنزال: (بَيْنَ) ثلاثة أمور:
[ ٢ / ٧٢ ]
١ - (صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ).
٢ - (أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ)، لـ (كُلِّ مِسْكِينٍ: مُدَّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ) من غيره، واختاره شيخ الإسلام؛ قياسًا على كفارة اليمين.
وعنه: يجب نصف صاع في الفدية، سواء كان من البر أم من بقية الأصناف، وسبقت المسألة في زكاة الفطر.
- فرع: جنس الطعام في فدية الأذى كجنس الطعام في الفطرة، فيجب بُرٌّ، أو (تَمْرٌ، أَوْ زَبِيبٌ، أَوْ شَعِيرٌ) أو أقط؛ لحديث كعب ﵁ الآتي، وفيه: «لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ»، وفي رواية: «أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ» [مسلم ١٢٠١]، وفي رواية: «فَرْقًا مِنْ زَبِيبٍ» [أبو داود ١٨٦٠]، وقيس عليهما البر والشعير والأقط؛ كزكاة الفطر والكفارة، على ما سبق بيانه في زكاة الفطر.
واختار شيخ الإسلام: أنه يرجع فيه إلى العرف، كالفطرة والكفارة، لظاهر قوله تعالى: (من أوسط ما تطعمون به أهليكم)، وذكر التمر في قصة كعب؛ لأنهم كانوا يقتاتون التمر، فأمره أن يطعم منه.
- ضابط المذهب: (مدُّ البر يساوي نصف صاع من غيره مطلقًا، إلا في زكاة الفطر).
[ ٢ / ٧٣ ]
وعند شيخ الإسلام: مُد البر يساوي نصف صاع من غيره مطلقًا، حتى في الفطرة.
وعند ابن عثيمين: مد البر يساوي مد من غيره مطلقًا.
٣ - (أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ)؛ لحديث كعب بن عجرة ﵁: حُملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «مَا كُنْتُ أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟» فقلت: لا، فقال: «فَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ» [البخاري ١٨١٦، ومسلم ١٢٠١].
- فرع: إن حلق بعض شعره لحاجة فلا تسقط الفدية؛ لحديث كعب بن عجره السابق.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا تجب الفدية مع العذر؛ لحديث عبد الله ابن بُحينه ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَسَطَ رَأْسِهِ» [البخاري ١٨٣٦، ومسلم ١٢٠٣]، وهذا لا يكون إلا مع حلق بعض الرأس، وأما حديث كعب ﵁ فهو في حلق جميع الرأس.
(وَ) النوع الثاني من أنواع الفدية على التخيير: (فِي جَزَاءِ صَيْدٍ)، ولا يخلو ذلك من أمرين:
الأول: أن يكون الصيد له مِثْلٌ من النَّعَم: فيخير (بَيْنَ) ثلاثة أشياء:
[ ٢ / ٧٤ ]
١ - ذبحِ (مِثْلِ مِثْلِيٍّ) من النَّعم، يتصدق به على فقراء الحرم.
٢ - (أَوْ تَقْوِيمِهِ) أي: تقويم المثل، لا تقويم الصيد؛ لقوله تعالى: (أو عدل ذلك صيامًا)، والإشارة راجعة إلى المثل في قوله: (فجزاء مثل ما قتل من النعم)، ولقول ابن عباس ﵄ الآتي.
فيقوَّم المثل في الموضع الذي أتلف الصيد فيه أو بقربه (بِدَرَاهِم يَشْتَرِي بِها طَعَامًا يُجْزِئُ) إخراجه (فِي فِطْرَةٍ) على ما تقدم في زكاة الفطر، (فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ)؛ كالواجب في فدية أذى وكفارة.
٣ - (أَوْ يَصُومُ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا).
والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ المائدة: ٩٥، قال ابن عباس ﵄: «إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ جَزَاؤُهُ ذَبَحَهُ وتصدَّق بِلَحْمه، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ جَزَاؤُهُ قُوِّم جَزَاؤُهُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ قُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا، فَصَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا» [التفسير لسعيد بن منصور ٨٣٢].
[ ٢ / ٧٥ ]
(وَ) الثاني: أن يكون الصيد لا مثل له من النعم: فيخير بعد أن يقوَّم الصيد بدراهم؛ لتعذر المثل، (بَيْنَ إِطْعَامٍ أَوْ صِيَامٍ) على ما سبق، وأشار إلى هذا القسم بقوله: (فِي غَيْرِ مِثْلِيٍّ).
القسم الثاني من أقسام الفدية: أن تكون على الترتيب، وهي خمسة أنواع:
النوع الأول: دم المتعة والقران: وأشار إليه بقوله: (وَإِنْ عَدِمَ مُتَمَتِّعٌ أَوْ قَارِنٌ الهَدْيَ)، أو عدم ثمنَه، ولو وجد من يقرضه؛ لما في القرض من المنَّة، (صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ)، وسبعةً إذا رجع لأهله؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، وقيس عليه القارن، وتقدم.
- فرع: وقت صيام الأيام الثلاثة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وقت الوجوب: وهو من طلوع الفجر يوم النحر؛ لأن الصيام بدل عن الهدي، وهو إنما يجب ذلك الوقت.
واختار شيخ الإسلام: أنه يجب صومها قبل يوم النحر؛ لأن الله أمر بصيامها في الحج، ويوم النحر لا يجوز صومه، فتعين أن يصام قبله؛ لأن ما بعده ليس بحج، إلا أيام التشريق على إحدى الروايتين.
[ ٢ / ٧٦ ]
القسم الثاني: وقت الجواز: فيبدأ من بعد الإحرام بالعمرة، ولا يصح قبله؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعًا: «دَخَلَتِ العُمْرَةُ فِي الحَجِّ» [مسلم ١٢١٨]، فإذا أحرم بالعمرة فقد شرع في الحج، فجاز صيامها، ولأن الإحرام بالعمرة سبب التمتع، فمتى وجد السبب جاز تقديمه على وقت الوجوب، كتعجيل الزكاة بعد وجود النصاب.
وينتهي وقت صيامها: بآخر أيام التشريق، فإن أخرها عنها صامها بعده؛ استدراكًا للواجب، وعليه دم مطلقًا، سواء كان التأخير لعذر أم لا؛ لتأخيره واجبًا من مناسك الحج بعده.
وعنه: إن أخرها لعذر صامها ولا دم عليه، كما لو أخر الهدي عن وقته لم يلزمه دم آخر إن كان معذورًا بالتأخير، وإلا لزمه.
القسم الثالث: وقت الاستحباب: وأشار إليه بقوله: (وَالأَفْضَلُ جَعْلُ آخِرِهَا) أي: آخر الأيام الثلاثة صومًا (يَوْمَ عَرَفَةَ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول علي ﵁: «قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ يَوْمًا، وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ» [تفسير الطبري ٣/ ٤٢٢، وفيه انقطاع]، ولأنه يستحب تأخيره لعله يقدر على الهدي قبل الشروع في الصيام فإنه أفضل، وليتحقق عجزه عن الهدي، وهذا يقتضي التأخير إلى آخر وقت الإمكان، وصوم يوم عرفة ممكن؛ لأنه لم ينه عن الصوم فيه.
وعنه: الأفضل كون آخرها يوم التروية؛ لقول ابن عمر وعائشة ﵃: «الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، لِمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا: مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ
[ ٢ / ٧٧ ]
بِالحَجِّ، إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى» [البخاري ١٨٩٥، والموطأ ١/ ٤٢٦]، ولأن الفطر يوم عرفة أنشط له على الدعاء والذكر.
- فرع: (وَ) وقت صيام الأيام الـ (سَبْعَةِ) ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: وقت الجواز: يبدأ بعد أيام منى وفراغه من أفعال الحج، واختاره شيخ الإسلام؛ لأن الصوم وُجِد من أهله بعد وجود سببه، والحجاج إذا صدروا من منى فقد شرعوا في الرجوع إلى أهليهم، فأجزأ، كصوم المسافر والمريض، ولأن الصيام لا يختص بمكان، فغير معهود من الشرع تحديد الصوم ببعض الأمكنة، فلا يصح الصوم قبل فراغه من أفعال الحج.
وأما قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، وحديث ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ: «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ» [البخاري ١٦٩١، ومسلم ١٢٢٧]، فإن الله تعالى جوز له تأخير الصيام الواجب، فلا يمنع ذلك الإجزاء قبله، كتأخير صوم رمضان في السفر والمرض.
القسم الثاني: وقت الاستحباب: (إِذَا رَجَعَ لِأَهْلِهِ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، ولحديث ابن عمر السابق، وفيه: «وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ»، ولما فيه من الرخصة، وخروجًا من الخلاف.
[ ٢ / ٧٨ ]
(وَ) النوع الثاني من أنواع الفدية على الترتيب: (المُحْصَرُ) فيلزمه هدي إن لم يكن اشترط؛ لقوله تعالى: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي)، فـ (إِذَا لَمْ يَجِدْهُ) أي: الهدي (صَامَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ) بنية التحلل؛ لأنه دم واجب للإحرام، فكان له بدل، كدم التمتع، وقياسًا على الفوات، (ثُمَّ حَلَّ)، وليس له التحلل قبل صيام العشرة الأيام، واختاره ابن باز؛ لأن هذا الصيام قائم مقام تمام الحج والعمرة، فلا بد من فعله قبل الحل كالهدي، بخلاف الفوات فلا يتوقف تحلله على الصيام، بل يحصل التحلل بإتمام النسك، وهو العمرة، ويأتي في الفوات.
واختار ابن عثيمين: أن المحصر إذا لم يجد الهدي لم يجب عليه شيء؛ لأن الله تعالى قال: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي)، ولم يذكر بدلًا كما ذكره في دم التمتع، ولأن الظاهر من حال كثير من الصحابة ﵃ لما أُحصروا بالحديبية أنهم فقراء، ولم ينقل أن النبي ﷺ أمرهم بالصيام، والأصل براءة الذمة، وأما قياسه على المتمتع فقياس مع الفارق؛ لأن هدي التمتع هدي شكران، وهدي الإحصار هدي جبران، فافترقا.
والنوع الثالث: ما أوجب بدنة، وهو الوطء في الحج قبل التحلل الأول، والإنزال بمباشرة لشهوة في الحج قبل التحلل الأول؛ فيجب فيه بدنة؛ لما سبق في محظورات الإحرام، فإن لم يجد بدنة صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، واختاره ابن باز؛ كدم المتعة، روي عن ابن
[ ٢ / ٧٩ ]
عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو ﵃، قال ابن قدامة: (رواه عنهم الأثرم (١)، ولم يظهر لهم مخالف في الصحابة، فيكون إجماعًا).
وعند الحنفية: تبقى البدنة في ذمته حتى يقدر عليها؛ لأنه لا بدل عن الواجب هنا.
- فرع: الوطء في العمرة يجب فيه فدية أذىً مطلقًا، وتقدم.
والنوع الرابع: الفوات، فمن طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة فاته الحج، ويأتي في الفوات، ويلزمه هدي إن لم يكن اشترط، فإن عدمه صام ثلاثة أيام في حج القضاء، وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ لقول عمر لهبَّار بن الأسود ومن معه حين فاتهم الوقوف بعرفة: «اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ، فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، وَانْحَرُوا هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ، ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا وَارْجِعُوا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا وَأَهْدُوا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ» [الموطأ ١/ ٣٨٣].
_________________
(١) قال ابن قدامة في المغني (٣/ ٣٠٨): (والأصل في ذلك ما روي عن ابن عمر، أن رجلًا سأله، فقال: إني وقعت بامرأتي، ونحن محرمان، فقال: أفسدت حجك، انطلق أنت وأهلك مع الناس، فاقضوا ما يقضون، وحِلَّ إذا حَلَّوا، فإذا كان في العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك، وأهْدِيا هديًا، فإن لم تجدا، فصوما ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم، وكذلك قال ابن عباس، وعبد الله بن عمرو - ﵃ -، لم نعلم لهم في عصرهم مخالفًا)، وذكره ابن حزم عنهم معلقًا (٥/ ٢٠١).
[ ٢ / ٨٠ ]
والنوع الخامس: من ترك واجبًا من الواجبات فعليه دم؛ لقول ابن عباس ﵄: «مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا» [البيهقي ٨٩٢٥]، فإن عدمه فيصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ كصوم المتعة؛ لأن المتمتع ترك الإحرام من الميقات بالحج، وكان إحرامه من الميقات يقتضي أن يكون واجبًا عليه، فوجب عليه الهدي لذلك، فيُقاس عليه ترك الواجب.
واختار ابن عثيمين: أنه إن عدم الهدي فلا شيء عليه؛ لأن الأصل براءة الذمة، والقياس على دم المتعة قياس مع الفارق؛ لأن دم المتعة دم شكران، والدم الواجب لترك واجب دم جبران.
- مسألة: من فعل محظورًا من محظورات الإحرام لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن يفعل المحظور عالمًا ذاكرًا مختارًا بلا عذر، فيأثم؛ لمخالفته النهي، وتجب عليه الفدية؛ لحديث كعب بن عجرة - ﵁ -، فإذا كان هذا في المعذور، فغيره من باب أولى.
الثانية: أن يفعل المحظور عالمًا ذاكرًا مختارًا معذورًا، كأن يحتاج للبس قميص لبرد يخاف ضرره، أو يحلق رأسه لمرض ونحو ذلك، فلا إثم عليه؛ لإذن النبي ﷺ لكعب بن عجرة بحلق رأسه وهو محرم لما آذته هوامُّ رأسه، وتجب عليه الفدية؛ لحديث كعب بن عجرة ﵁.
[ ٢ / ٨١ ]
الثالثة: أن يفعل المحظور جاهلًا أو ناسيًا أو مكرهًا، فلا إثم عليه؛ للعذر، وأما الفدية: فلا تخلو من أمرين:
١ - ما كان من قبيل الإتلاف: وهي خمسة محظورات: الوطء، والمباشرة، والصيد، والتقليم، والحلق، فتجب فيها الفدية ولا تسقط بالعذر؛ لأنه إتلاف، فاستوى عمدها وسهوها وجهلها؛ كإتلاف مال الآدمي، ولأنه تعالى أوجب الفدية على من حلق رأسه لأذى به وهو معذور، فكان ذلك دليلًا على وجوبها على المعذور بنوع آخر.
٢ - ما لم يكن من قبيل الإتلاف، وهي ثلاث محظورات، وأشار إليه بقوله: (وَتَسْقُطُ) أي: الفدية (بِنِسْيَانٍ فِي: لُبْسِ) مخيط، (وَطِيبٍ، وَتَغْطِيَةِ رَأْسٍ)؛ لحديث ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [ابن ماجه ٢٠٤٥]، ولحديث يعلى بن أمية ﵁ لما أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بالطيب، قال له النبي ﷺ: «اخْلَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الخَلُوقِ عَنْكَ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ» [البخاري: ١٧٨٩، ومسلم: ١١٨٠]، ولم يأمره بالفدية، ولأنها محظورات يمكن تداركها، بخلاف السابقة فلا يمكن تداركها.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: أنه لا فدية على الجاهل والناسي والمكره مطلقًا؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، والصيد إتلاف، وقد قيد جزاء
[ ٢ / ٨٢ ]
الصيد بالمتعمد، فدل أن المخطئ لا جزاء عليه، ولقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، ولحديث ابن عباس السابق، والقاعدة: (أن باب النواهي يعذر فيه بالجهل والإكراه والنسيان).
واختار شيخ الإسلام: أنه لا فدية على الجاهل والناسي والمكره مطلقًا؛ لحديث ابن عباس السابق، إلا جزاء الصيد؛ لأنه بمنزلة دية المقتول خطأ، والكفارة فيه ثابتة بالإجماع.
- مسألة: مَصْرِف الفدية ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: يجب أن يُذْبَح ويُطْعَم لمساكين الحرم: وأشار إليه بقوله: (وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطَعَامٍ) يتعلق بحرم أو إحرام (فَلِمَسَاكِينِ الحَرَمِ)، فشمل:
١ - هديَ التمتع والقران؛ لقوله تعالى: (ثم محلها إلى البيت العتيق)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، والمتمتع والقارن يحلّان في الحرم، فكان موضع حلهما هو موضع نحرهما.
٢ - الهدي المنذور؛ قياسًا على هدي التمتع والقران.
٣ - جزاءَ صيد؛ لقوله تعالى: (هديا بالغ الكعبة).
٤ - ما وجب لترك واجب؛ لأنه هدي وجب لترك نسك، أشبه دم القران.
[ ٢ / ٨٣ ]
٥ - ما وجب لفوات الحج؛ للتعليل السابق.
٦ - ما وجب بفعل محظور في الحرم؛ قياسًا على جزاء الصيد.
وأما الإطعام؛ فلأنه في معنى الهدي، ولقول ابن عباس ﵄: «الهَدي وَالإِطْعامُ بِمَكة، وَالصَّومُ حَيثُ شَاء» [ذكره ابن قدامة في المغني ٥/ ٤٥١].
- فرع: كل هدي قلنا: إنه لمساكين الحرم، فإنه يلزمه:
١ - ذبحه في الحرم؛ لقوله تعالى: (هديا بالغ الكعبة)، ويجزئه الذبح في جميع الحرم؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعًا: «مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ، وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ» [أحمد ١٤٤٩٨، وأبو داود ١٩٣٧، وابن ماجه ٣٠٤٨]، وأما قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ المائدة: ٩٥، فلا يمنع الذبح في غيرها من الحرم، كما لم يمنعه بمنى.
٢ - تفريق لحمه في الحرم؛ لأن المقصود من ذبحه بالحرم التوسعة على مساكينه، ولا يحصل ذلك بإعطاء غيرهم.
- فرع: مساكين الحرم: هم من كان مقيمًا فيه أو واردًا إليه، من حاج وغيره، ممن له أخذ زكاة لحاجة، كالفقير والمسكين والمكاتَب والغارم لنفسه.
[ ٢ / ٨٤ ]
القسم الثاني: يذبح ويطعم حيث وجد سببه: وأشار إليه بقوله: (إِلَّا):
١ - ما وجب بسبب فعل محظور: كـ (فِدْيَةِ أَذًى وَلُبْسِ) مخيط (وَنَحْوِهما)، كطيب، (فَـ) له تفرقتها، دمًا كانت أو طعامًا، (حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهَا)، ولو خارج الحرم؛ لحديث كعب بن عجرة ﵁: «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَه بِالفِدْيَةِ بِالحُدَيْبِيَةِ» [البخاري ١٨١٦، ومسلم ١٢٠١]، وهي من الحِلَّ، وله تفرقتها بالحرم؛ كسائر الهدايا.
٢ - دم الإحصار: فيخرجه حيث أُحصر، من حِلِّ أو حرم؛ لما ورد: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ هَدْيَهُ فِي مَوْضِعِهِ بِالحُدَيْبِيَةِ» [البخاري ٢٧٠١، ومسلم ١٧٨٦] وهي من الحلِّ، ولأنه موضع حِلِّه، فكان موضع نحره كالحرم، ويجزئ بالحرم أيضًا؛ كسائر الهدايا.
- مسألة: (وَيُجْزِئُ) الحلق و(الصَّوْمُ بِكُلِّ مَكَانٍ)، قال في المبدع: (لا نعلم فيه خلافًا)؛ لقول ابن عباس ﵄ السابق: «الهَدي وَالإِطْعامُ بِمَكة، وَالصَّومُ حَيثُ شَاء»، ولأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، فلا معنى لتخصيصه بمكان، بخلاف الهدي والإطعام، ولعدم الدليل على التخصيص.
[ ٢ / ٨٥ ]
- مسألة: (وَالدَّمُ) المطلق:
١ - (شَاةٌ): جذع ضأن، أو ثَنِيُّ معز، ويأتي في باب الأضحية والهدي.
٢ - (أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ، أَوْ) سُبُع (بَقَرَةٍ).
لقوله تعالى في التمتع: (فما استيسر من الهدي)، قال ابن عباس ﵄: «جَزُورٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ» [البخاري ١٦٨٨]، ولقول جابر - ﵁ -: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» [مسلم ١٣١٨].
وقيل، واختاره ابن عثيمين: إلا في جزاء صيد، فلا تجزئ بدنة عن بقرة، ولا عن سَبْعِ شياه؛ لأن جزاء الصيد يشترط فيه المماثلة، قال تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم).