بفتح القاف، وحكي كسرها، ومعناها لغة: القطع.
واصطلاحًا: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
وهو جائز بالإجماع، مندوب في حق المقرض؛ لقوله تعالى: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)، ولحديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَةِ مَرَّةٍ» [ابن ماجه ٢٤٣٠]، ولما فيه من دفع حاجة الغير.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
ومباح للمقترض، وليس من المسألة المكروهة؛ لحديث أبي رافع ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا» [مسلم ١٦٠٠]، ولو كان مكروهًا كان أبعد الناس منه.
- مسألة: (وَكُلُّ مَا صَحَّ بَيْعُهُ) من نقد أو عرض (صَحَّ قَرْضُهُ)، سواء كان مكيلًا أو موزونًا إجماعًا، قاله في الشرح، أو كان غير مكيل ولا موزون؛ لحديث أبي رافع السابق، والحيوان ليس بمكيل ولا موزن، (إِلَّا):
١ - (بَنِي آدَمَ) فلا يصح قرضهم، ولا يخلو ذلك:
أأن تكون جارية: فلا يصح قرضها باتفاق الأئمة؛ لأنه يفضي إلى أن يقترض جارية يطأها ثم يردها.
ب أن يكون ذكرًا: فلا يصح قرضه كذلك، لأنه لم ينقل، ولا هو من المرافق.
٢ - المنافعَ، فلا يصح قرضها؛ لأنه غير معهود في العادة والعرف.
واختار شيخ الإسلام: يجوز قرض المنافع، مثل أن يحصد معه يومًا، ويحصد معه الآخر يومًا، أو يسكنه دارًا ليسكنه الآخر بدلها؛ لأن الأصل في المعاملات الإباحة، وقياسًا على العارية بشرط العوض.
- مسألة: (وَيَجِبُ) على المقترض (رَدُّ مِثْلِ فُلُوسٍ) اقترضها ولم تحرم المعاملة بها، غلت أو رخصت أو كسدت؛ لأنها مثلية.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
فإن حرَّمها السلطان ومنع التعامل بها فللمقرض قيمتها وقت القرض؛ لأنه كالعيب.
واختار ابن عثيمين: للمقرض قيمتها وقت المنع؛ لأنه يوم الانتقال من المثل إلى القيمة.
- مسألة: (وَ) يجب على المقترض رد مثل (مَكِيْلٍ، وَ) مثل (مَوْزُونٍ)، إجماعًا؛ لأنها مثليات، والمثل أقرب شبهًا من القيمة، ويرد القيمة في غير المتقومات.
- ضابط: المثلي: هو كل مكيلٍ، وكل موزونٍ، لا صناعة فيه مباحة، يصح السلم فيه، والقيمي ما عدا ذلك.
وعلى هذا فيخرج من المثلي:
- غير المكيل والموزون؛ كالمذروع والمعدود ونحوهما كالحيوان والثياب، فليس بمثلي؛ لأن أجزاءه وصفاته تختلف، فالقيمة فيها أعدل وأقرب إليها، فكانت أولى.
- ما فيه صناعة مباحة؛ كصوف مغزول، وبرٍّ مطبوخ، ونحوهما، فليس بمثلي؛ لأن الصناعة تؤثر في قيمته وهي مختلفة، فالقيمة فيه أقرب.
- ما لا يصح السلم فيه، لعدم إمكان ضبطه بالصفة؛ كالجواهر؛ لما تقدم في المعدود والمذروع.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
واختار ابن عثيمين: المثلي ما يوجد مثله في الأسواق بدون تفاوت يعتد به، والقيمي: ما عدا ذلك؛ لحديث أنس ﵁ قال: أهدت بعض أزواج النبي ﷺ إلى النبي ﷺ طعامًا في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها، فألقت ما فيها، فقال النبي ﷺ: «طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ» [الترمذي ١٣٥٩]، والإناء ليس بمكيل ولا بموزون.
- فرع: (فَإِنْ فُقِدَ) المِثْل (فَـ) يلزم المقترضَ (قِيمَتُهُ) أي: قيمة المثل؛ لأنه إذا تعذر الأصل رجعنا إلى البدل، ولا يخلو زمن اعتبار القيمة من أمرين:
١ - أن يكون مثليًّا: فإذا تعذر وجبت قيمته (يَوْمَ فَقْدِهِ)؛ لأنها حينئذ تثبت في الذمة.
وقال شيخ الإسلام: ويتوجه في المتقوم أن يجوز رد المثل بتراضيهما؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما.
٢ - أن يكون غير مثلي: وأشار إليه بقوله: (وَ) يلزمه (قِيمَةُ غَيْرِهَا) أي: قيمة غير المثليات، ولا تخلو من أمرين:
أ) ما لا يصح السلم فيه مما لا ينضبط بالصفة؛ كجوهر ونحوه: فتعتبر قيمته (يَوْمَ قَبْضِهِ)؛ لأنها تختلف قيمتها في الزمن اليسير باعتبار قلة الراغب وكثرته، فتنقص فيتضرر المقترض، وتزيد زيادة كثيرة فيتضرر المقرض.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
ب) ما يصح السلم فيه؛ كمذروع ومعدود: تعتبر قيمته يوم قرضه، ولو لم يقبضه حين القرض؛ لأنها تثبت في ذمته يوم القرض (١).
- مسألة: المنفعة في القرض تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن تكون المنفعة مشروطة: وأشار إليها بقوله: (وَيَحْرُمُ) اشتراط (كُلِّ شَرْطٍ يَجُرُّ نَفْعًا)؛ كأن يسكنه داره أو يقضيه خيرًا منه؛ لورود ذلك عن ابن مسعود وفَضَالة بن عُبيد ﵄ [البيهقي ٥/ ٥٧٣]؛ ولأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، وصار عقد معاوضة، فيكون قد اشتمل على ربا الفضل وربا النسيئة، قال ابن المنذر: (أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربًا).
القسم الثاني: أن تكون المنفعة غير مشروطة، وتكون عند الوفاء أو بعده: وأشار إليه بقوله: (وَإِنْ وَفَّاهُ أَجْوَدَ) مما أخذ في الصفة؛ فجائز؛
_________________
(١) كذا في التنقيح والإنصاف وقال: جزم به في المغني والشرح والكافي والفروع وغيرهم، وصرح به في المنتهى، خلافًا لما في الإقناع حيث اعتبر القيمة يوم القبض مطلقًا، صح السلم فيه أو لم يصح. ينظر: كشاف القناع (٨/ ١٣٨).
[ ٢ / ٢٨٦ ]
كما لو استقرض بُرًّا جيدًا فوفَّاه أجود منه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: كان لرجل على رسول الله ﷺ حق، فأغلظ له، فَهَمَّ به أصحاب النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا»، فقال لهم: «اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ»، فقالوا: إنا لا نجد إلا سنًّا هو خير من سِنِّه، قال: «فَاشْتَرُوهُ، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ، أَوْ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» [البخاري ٢٣٠٦، ومسلم ١٦٠١]، ولأنه لم يجعله عوضًا في القرض، ولا وسيلة إليه ولا إلى استيفاء دينه، أشبه ما لو لم يكن قرض.
وأما إن وفاه أكثر منه في القدر، كما لو استقرض ألف دينار ثم ردها ألفًا ومائة، فلا يجوز؛ لأنه قرض جر نفعًا، فكان ربًا، إلا إن كانت أرجح يسيرًا في قضاء ذهب أو فضة (١)، فيجوز؛ لحديث سُوَيد بن قيس ﵁ قال: جلبت أنا ومخرفة العبدي، بَزًّا من هَجَرٍ، فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله ﷺ
_________________
(١) هذا هو مفهوم ما في التنقيح والمنتهى والغاية من جواز الزيادة في الصفة فقط دون الزيادة في القدر، قال في المنتهى: (أو قضى مقترض خيرًا منه)، وقال البهوتي بعده: (أي مما أخذه جاز كصحاح عن مكسرة أو أجود نقدًا أو سكة مما اقترض، وكذا رد نوع خيرٌ مما أخذه أو أرجح يسيرًا في قضاء ذهب أو فضة). وصرح في الإقناع بجواز الزيادة في القدر أيضًا، قال في الكشاف: «أو قضى) المقترض (أكثر) مما اقترضه جاز، قال في الفصول: وأما الذهب والفضة فيعفى فيهما عن الرجحان في القضاء إذا كان يسيرًا. انتهى، وقال في المبدع: وإن كان زيادة في القضاء بأن يقرضه درهمًا فيعطيه أكثر منه لم يجز؛ لأنه ربًا، وصرح في المغني والكافي: بأن الزيادة في القدر والصفة جائزة؛ للخبر).
[ ٢ / ٢٨٧ ]
يمشي، فساوَمَنا بسراويلَ، فبعناه، وَثَمَّ رجل يَزِنُ بالأجر، فقال له رسول الله ﷺ: «زِنْ وَأَرْجِحْ» [أحمد ١٩٠٩٩، وأبوداود ٣٣٣٦، والترمذي ١٣٠٥، والنسائي ٤٦٠٦]، وهذا يحمل على الزيادة اليسيرة.
واختار ابن قدامة، وصرح في الإقناع: جواز الزيادة في القدر والصفة؛ لإطلاق حديث أبي هريرة وسويد بن قيس ﵄ السابقين، ولأنه إذا جاءت الزيادة في الصفة جازت في العدد، إذ لا فرق.
القسم الثالث: أن تكون هدية بلا شرط، فلا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون ذلك عند الوفاء أو بعده: فجائز؛ لما سبق في القسم الثاني، وأشار إليه: بقوله: (أَوْ أَهْدَى إِلَيْهِ هَدِيَّةً بَعْدَ وَفَاءٍ بِلَا شَرْطٍ: فَلَا بَأْسَ).
الثاني: أن يكون ذلك قبل الوفاء، فلا يجوز إلا في ثلاث حالات:
أإذا نوى احتساب ذلك من الدين؛ لما روى سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إنه كان جارَ سَمَّاكٍ، فأقرضتُه خمسين درهمًا، وكان يبعث إليَّ من سمكه، فقال ابن عباس: «حَاسِبْهُ، فَإِنْ كَانَ فَضْلًا فَرُدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ كَفَافًا، فَقَاصِصْهُ» [عبد الرزاق ١٤٦٥١].
ب- إذا نوى مكافأته عليها؛ للأثر السابق.
ت- إذا كانت العادة جارية بين المقرض والمقترض بالإهداء؛ لحديث
[ ٢ / ٢٨٨ ]
أنس ﵁ مرفوعًا: «إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا، فَأَهْدَى لَهُ، أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَرْكَبْهَا وَلَا يَقْبَلْهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ» [ابن ماجه ٢٤٣٢، وحسنه شيخ الإسلام].
القسم الرابع: في الضيافة: فلا تخلو من أمرين:
الأول: أن تكون عند الوفاء أو بعده: فجائز؛ لما سبق.
الثاني: أن تكون قبل الوفاء، كالدعوة إلى طعام ونحوه، فلا تخلو من أمرين:
أأن تكون الدعوة عامة لا يُقصد بها المقرِض: كوليمة العرس أو طعام العقيقة، فيجوز له الأكل منها كغيره.
ب أن تكون الدعوة خاصة للمقرِض: فحكمها حكم الهدية قبل الوفاء على ما سبق.