- مسألة: (وَيُحْجَرُ عَلَى الصَّغِيرِ، وَالمَجْنُونِ، وَالسَّفِيهِ لِحَظِّهِمْ)؛ لأن فائدة الحجر عائدة عليهم، فلا يصح تصرفهم في أموالهم ولا ذممهم قبل الإذن؛ لأن تصحيح تصرفهم يفضي إلى ضياع مالهم، وفيه ضرر عليهم.
[ ٢ / ٣٣١ ]
- مسألة: (وَمَنْ دَفَعَ إِلَيْهِمْ مَالَهُ بِعَقْدٍ)؛ كبيع وإجارة، (أَوْ لَا) أي: بغير عقد كوديعة وعاريَّة؛ (رَجَعَ فِيمَا بَقِيَ) من ماله؛ لبقاء ملكه عليه، (لَا مَا تَلِفَ) منه بنفسه كموت حيوان، سواء كان بتعد منهم أو تفريط أو لا، ولا ما تلف بفعل محجور عليه كقتله له، فلا يرجع بشيء، ولم يضمنوا؛ لأنه سلطهم عليه برضاه، سواء علم بالحجر أو لم يعلم؛ لتفريطه.
- فرع: (وَيَضْمَنُونَ) أي: الصغير والمجنون والسفيه:
١ - (جِنَايَةً) على نفس أو طرف أو جرح؛ لأنه لا تفريط من المجني عليه، والإتلاف يستوي فيه الأهل وغيره.
٢ - (وَإِتْلَافَ مَا لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِمْ) من المال؛ لأنه لا تفريط من المالك، والإتلاف يستوي فيه الأهل للحفظ وغيره.
- مسألة: (وَمَنْ بَلَغَ) من ذكر أو أنثى (رَشِيدًا) انفك الحجر عنه؛ لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم﴾ [النساء: ٦]، (أَوْ) بلغ (مَجْنُونًا ثُمَّ عَقَلَ وَرَشَدَ؛ انْفَكَّ الحَجْرُ عَنْهُ)؛ لزوال علَّته.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
- فرع: متى عقل المجنون وبلغ الصبي، ورشدا؛ انفك الحجر (بِلَا حُكْمِ) حاكم؛ لقوله تعالى: (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) [النساء: ٦]، واشتراط الحكم زيادة تمنع الدفع عند وجود ذلك، وهو خلاف النص، ولأنه ثبت بغير حكمه، فزال لزوال موجبه بغير حكمه.
- فرع: (وَ) من انفك عنه الحجر منهم (أُعْطِيَ مَالَهُ)؛ للآية السابقة، و(لَا) يعطى ماله (قَبْلَ ذَلِكَ) أي: قبل البلوغ أو العقل مع الرشد، (بِحَالٍ) ولو صار شيخًا؛ لظاهر الآية.
- مسألة: (وَ) يحصل (بُلُوغُ ذَكَرٍ) بواحد من ثلاثة أشياء:
الأول: (بِإِمْنَاءٍ)، باحتلام أو غيره، إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩].
الثاني: (أَوْ) بـ (تَمَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً)؛ لقول ابن عمر ﵄: «عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي» [البخاري ٢٦٦٤، ومسلم ١٨٦٨]، وفي رواية [ابن حبان ٤٧٢٨]: «فَلَمْ يُجِزْنِي، وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ»، قال عمر بن عبد العزيز: «إن هذا لَحَدٌّ بين الصغير والكبير».
الثالث: (أَوْ) بـ (نَبَاتِ شَعَرٍ خَشِنٍ حَوْلَ قُبُلِهِ)؛ لقول عطية القرظي ﵁:
[ ٢ / ٣٣٣ ]
«عُرِضْنَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخُلِّيَ سَبِيلي» [أبوداود ٤٤٠٤، والترمذي ١٥٨٤، والنسائي ٣٤٢٩، وابن ماجه ٢٥٤١]، دون نبات الزغب الضعيف؛ لأنه ينبت للصغير.
- مسألة: (وَ) يحصل بلوغ (أُنْثَى بِذَلِكَ) الذي به بلوغ الذكر، (وَ) تزيد عليه (بِحَيْضٍ) إجماعًا؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» [أحمد ٢٥١٦٧، والترمذي ٣٧٧، وأبو داود ٦٤١، وابن ماجه ٦٥٥].
- فرع: (وَحَمْلُهَا) أي: الجارية (دَلِيلُ إِمْنَاءٍ)؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بخلق الولد من مائهما؛ لقوله تعالى: (فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب) [الطارق: ٥ - ٧] فإذا ولدت حكم ببلوغها من ستة أشهر إن كانت توطأ؛ لأنه اليقين.
- مسألة: (وَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ) أي: من بلغ رشيدًا (مَالُهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ) أي: يمتحن (بِمَا يَلِيقُ بِهِ)، فأولاد التجار يكون اختبارهم بالبيع والشراء، وابن المزارع بما يتعلق بالزراعة، وهكذا، (وَيُؤْنَسَ) أي: يُعلم (رُشْدُهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ
[ ٢ / ٣٣٤ ]
أَمْوَالَهُم﴾ [النساء: ٦]، (وَمَحَلُّهُ) أي: الاختبار (قَبْلَ بُلُوغٍ) إذا راهق وصار يعرف المصلحة؛ لقوله تعالى: (وابتلوا اليتامى) [النساء: ٦]، فظاهرها: أن ابتلاءهم قبل البلوغ؛ لأنه سماهم يتامى، وإنما يكون ذلك قبل البلوغ، ولأن تأخيره إلى البلوغ يفضي إلى الحجر على البالغ الرشيد لكونه ممتدًّا حتى يختبر ويعلم رشده.
وأما غير المراهق فلا يختبر؛ لأنه يؤدي إلى ضياع ماله.
- مسألة: (وَالرُّشْدُ هُنَا) أي: في باب الحجر: (إِصْلَاحُ المَالِ)؛ لقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدً﴾ [النساء: ٦] أي: صلاحًا في أموالهم، فعلى هذا يدفع إليه ماله، وإن كان مفسدًا لدينه، فإصلاح المال (بِأَنْ):
١ - (يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ فَلَا يُغْبَنَ) غبنًا فاحشًا؛ لأن غير الفاحش كلٌّ يغبن به (غَالِبًا)، فإن كان يغبن غالبًا فلا يعدُّ رشيدًا.
٢ - (وَلَا يَبْذُلَ مَالَهُ فِي حَرَامٍ)؛ كخمر وآلات لهو؛ لأنه من إضاعة المال، وقد نهي عنه في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الله كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» [البخاري ١٤٧٧، ومسلم ١٧١٥]، فإن كان يبذل ماله في حرام فلا يعدُّ رشيدًا.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
واختار ابن عثيمين: لا يؤثر ذلك في رشده؛ لأن الناس يعتبرونه رشيدًا في المال، ويحسن التصرف فيه، ولكنه ضلَّ في دِينه.
٣ - (وَ) لا يبذل ماله في (غَيْرِ فَائِدَةٍ)؛ كغناء؛ لأن من صرف ماله في ذلك عد سفيهًا، فإن كان يبذل ماله في غير فائدة فلا يعدُّ رشيدًا.
- مسألة: (وَوَلِيُّهُمْ) أي: ولي السفيه الذي بلغ سفيهًا واستمر (١)، والصغير والمجنون (حَالَ الحَجْرِ: الأَبُ)؛ لأنها ولاية فقدم فيها الأب كولاية النكاح، ولكمال شفقته، ويشترط أن يكون: رشيدًا، بالغًا، عاقلًا، حرًّا، عدلًا ولو ظاهرًا؛ لأن تفويض الولاية إلى غير من هذه صفاته تضييع للمال، (ثُمَّ) وليهم بعد الأب (وَصِيُّهُ) أي: وصي الأب؛ لأنه نائبه، بالصفات السابقة في الأب، (ثُمَّ) وليهم بعد الأب وبعد وصيه (الحَاكِمُ)، بالصفات السابقة في الأب؛ لأن الولاية انقطعت من جهة الأب فتكون للحاكم؛ لأنه ولي من لا ولي له.
وليس للجد ولا الأم وسائر العصبات ولاية؛ لأن الجد لا يدلي بنفسه وإنما يدلي بالأب الأدنى، فلم يَلِ مال الصغير كالأخ، وأما من سوى الأب فلا تثبت لهم ولاية؛ لأن المال محل الخيانة، ومن سواهم قاصر الشفقة، غير مأمون على المال، فلم يله كالأجنبي.
_________________
(١) بخلاف من رشد ثم عاوده السفه، فلا ينظر في ماله إلا الحاكم، كمن جن بعد بلوغ ورشد.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
واختار شيخ الإسلام: أن الولاية تثبت لسائر العصبة بشرط العدالة؛ قياسًا على ولاية النكاح؛ ولأن المقصود حماية المحجور عليه، فإذا وُجد أحد من أقاربه فهو أولى من غيره.
- مسألة: (وَ) يجب على الولي أن (لَا يَتَصَرَّفَ لَهُمْ) أي: للمحجور عليهم (إِلَّا بِالأَحَظِّ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام ١٢٥]، وللقاعدة الشرعية: أن من تصرف لغيره فتصرفه تصرف مصلحة، ومن تصرف لنفسه فتصرفه تصرف تشهٍّ.
ومفهومه: أن ما لا حظ له فيه ليس له التصرف به كالتبرعات من هبة، أو عتق، أو محاباة ونحو ذلك، فإن فعل شيئًا من ذلك ضمن؛ لأنه مفرط، كتصرفه في مال غيرهم، قال في المبدع: (ومراده - والله أعلم - أنه يضمن القدر الزائد على الواجب لا مطلقًا).
- مسألة: (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أي: الولي بيمينه؛ لاحتمال قول اليتيم، ويقبل قول الحاكم بغير يمين؛ لعدم التُّهَمَة، (بَعْدَ فَكِّ حَجْرٍ) عن محجور عليه (فِي):
١ - وجود (مَنْفَعَةٍ) أي: غبطة، (وَ) في وجود (ضَرُورَةٍ) إذا باع عقاره وادعى وجود الضرورة أو الغبطة المقتضية لبيع العقار ثم أنكره الصبي؛ لأن الولي أمين.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
٢ - (وَ) في (تَلَفِ) المال أو بعضه وعدم التفريط؛ لأنه أمين، والأصل براءته، ولا معنى للأمانة إلا انتفاء الضمان.
إلا أن يدعي تلفًا بأمر ظاهر؛ كالحريق والنهب ونحوهما، فعليه إقامة البينة على وجود ذلك الأمر الظاهر، ثم يكون القول قوله في تلفها به؛ لعدم خفائه فلا تتعذر البينة عليه.
٣ - وأما قوله في دفع المال إلى المحجور عليه بعد رشده، فلا يخلو الولي من أمرين:
الأول: أن يكون وليًّا بأجرة: فقال ﵀: (لَا) يقبل قوله (فِي دَفْعِ مَالٍ بَعْدَ رُشْدٍ) وعقل، بل يقبل قول اليتيم؛ لأن الولي قبض المال لحظه، فلم تقبل دعواه الرد؛ كالمرتهن والمستعير.
الثاني: أن يكون متبرعًا فيُقبل قوله، وأشار إليه بقوله: (إِلَّا مِنْ مُتَبَرِّعٍ)؛ لأنه أمين أشبه المودَع.
وقيل: يقبل قوله مطلقًا، وهو ظاهر كلام ابن قدامة في المقنع.
- فائدة: الأمين هو: كل من قبض المال بإذن الشارع، أو بإذن المالك، وقبول قوله في الرد على ثلاثة أقسام:
الأول: من قبض المال لمنفعة مالكه وحده: فيقبل قوله في الرد، كالمودَع، والوكيل المتبرع، والولي المتبرع؛ لأنه أمين.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
الثاني: من قبض المال لمنفعة نفسه، فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة؛ كالمرتهن، والمستأجر، والمستعير؛ لأنه قبض العين لحظ نفسه.
الثالث: من قبض المال لمنفعة مشتركة بينه وبين مالكه: فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة (١)؛ كالمضارب، والشريك، والوكيل بجعل، والولي بأجرة؛ لأن في قبضه نفعًا لنفسه.
وفي وجه: أن الأمين يقبل قوله في الرد مطلقًا؛ لأنه أمين، وإذا قبل قوله في التلف فالرد من باب أولى.
- مسألة: (وَ) أما ما (يَتَعَلَّقُ) بـ (دَيْنِ) العبد، فلا يخلو من أمرين:
الأول: دين العبد الـ (مَأْذُونِ لَهُ) في الاستدانة ببيع أو قرض، فيتعلق ذلك الدَّين (بِذِمَّةِ سَيِّدٍ)، فيلزمه أداؤه؛ لأنه متصرف لسيده، وقد غرَّ الناس بمعاملته.
(وَ) الثاني: (دَينُ غَيْرِهِ) وهو العبد غير المأذون له في الاستدانة، (وَ) كذا (أَرْشُ جِنَايَةِ قِنٍّ، وَقِيَمُ مَتْلَفَاتِهِ) فيتعلق ذلك كله (بِرَقَبَتِهِ)، أي: رقبة
_________________
(١) كذا في التنقيح المشبع والمنتهى والإقناع وشرحهما، وأما في الإنصاف (١٣/ ٥٤١) فجعل في الوكيل بجعل وجهين، والمذهب: يقبل قوله مع يمينه، ثم قال: (قال في «الفائق»: والوجهان في الأجير والمرتهن. انتهى. وكذا المستأجر، والشريك، والمضارب، والمودع، ونحوهم. قاله في «الرعاية» وغيرها).
[ ٢ / ٣٣٩ ]
العبد، لا بذمة سيده، فيخير السيد بين أن يفديه بالأقل من الدين أو قيمته، أو يبيعه ويعطيه، أو يسلمه لرب الدين؛ لفساد تصرفه فأشبه أرش جنايته.