المساقاة: من السقي؛ لأنه أهم أمرها.
وهي: دَفْع شجرٍ له ثمرٌ مأكولٌ - ولو غير مغروسٍ - إلى آخَرَ؛ ليقومَ بسَقْيِه وما يحتاج إليه، بجزءٍ معلومٍ له من ثمره.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
- مسألة: المساقاة جائزة؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» [البخاري: ٢٧٣٠، ومسلم: ١٥٥١]، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ لأن كثيرًا من الناس لا شجر لهم ويحتاجون إلى الثمر؛ وأهل الشجر يحتاجون إلى العمل، ففي تجويزها دفعٌ للحاجتين، وتحصيلٌ لمنفعةِ كلٍّ منهما، فجازت؛ كالمضاربة.
- مسألة: (وَتَصِحُّ المُسَاقَاةُ) في ثلاث صور:
الأولى: المساقاة (عَلَى شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ يُؤْكَلُ)، من نخلٍ وغيره، فيدفعها إلى آخر ليقوم بالعمل عليه بجزء مشاع معلوم من الثمرة؛ لما تقدم من حديث ابن عمر ﵄.
(وَ) الثانية: المساقاة على (ثَمَرَةٍ مَوْجُودَةٍ) لم تَكمُلْ، على أن تُنَمَّى بالعملِ، فيدفعها إلى آخر ليقوم بالعمل عليه (بِجُزْءٍ) مشاع معلوم (مِنْهَا) أي: من الثمرة؛ لأنها إذا جازت في المعدومِ مع كثرة الغرر؛ ففي الموجود وقلَّة الغررِ أَوْلى.
(وَ) الثالثة: المساقاة (عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ) العامل (وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى يُثْمِرَ) ذلك الشجر، وتسمى المغارسة، فيدفعها مالكها إلى آخر ليقوم بالعمل عليها (بِجُزْءٍ) مشاع معلوم (مِنَ الثَّمَرَةِ، أَوْ) بجزء مشاع معلوم من (الشَّجَرِ،
[ ٢ / ٣٦١ ]
أَوْ) بجزء مشاع معلوم (مِنْهُمَا) أي: الثمرة والشجر معًا؛ لأنَّ العِوَض والعمل معلومان؛ فصحَّت؛ كالمساقاة على شجرٍ مغروسٍ.
- فرع: علم مما تقدم أنه يشترط في المساقاة شروط، منها:
١ - أن تكون المساقاة على شجر له ثمر يؤكل، فإن كانت على شجر لا ثمر له، أو له ثمرٌ غيرُ مأكولٍ؛ كالصَّنَوْبَر؛ لم تصح؛ لأنه ليس منصوصًا عليه، ولا في معنى المنصوص، ولأن المساقاة إنما تكون بجزء من الثمرة، وهذا لا ثمرة له.
واختار ابن قدامة وغيره: تصح المساقاة على ما له ورق يُقصد، كتوت، أو له زهر يُقصد كورد وياسمين ونحوه؛ لأن الأصل الصحة، وإجراءً للورق والزهر مجرى الثمرة.
٢ - أن تكون المساقاة على جزء مشاع معلوم من الثمرة أو الشجر لكلٍّ من العاقدين، وعلى هذا:
أ) لو شرطَا لأحدهما ثمرةَ شجرةٍ معينةٍ؛ لم يصح؛ لحديث رافع بن خَدِيج ﵁ قال: «إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى المَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلِكُ هَذَا، فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ» [مسلم: ١٥٤٧]، ولأنه قد لا يحمل غيره، أو لا يحمل بالكلية فيحصل الضرر والغرر.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
ب) لو شرطَا لأحدهما جزءًا مشاعًا مجهولًا؛ لم يصح، كما لو قال: لك بعض الثمرة ولي الباقي؛ لأنها عقد معاوضة؛ فلم تصح مع الجهالة؛ كالبيع.
- مسألة: المساقاة عقد جائز من الطرفين، لكلٍّ منهما فسخها متى شاء؛ لحديث ابن عمر ﵄ السابق في قصة خيبر، وفيه قوله ﷺ: «نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا»، ولو كان لازمًا لم يَجُز بغير توقيت مدة، وقياسًا على المضاربة؛ لأنها عقدٌ على جزءٍ من النماء في المال، فلا تفتقر إلى ذكر مدَّةٍ.
واختار شيخ الإسلام: أن عقد المساقاة لازم؛ لأنه عقد معاوضة، فكان لازمًا؛ كالإجارة، ولأنه لو كان جائزًا، جاز لرب المال فسخه إذا أدركت الثمرة، فيسقط حق العامل، فيتضرر.
- فرع: (فَإِنْ فَسَخَ مَالِكُ) المالِ المساقاةَ، أو فسخ العامل المساقاة، لم يخل من حالين:
١ - أن يكون الفسخ (قَبْلَ ظُهُورِ) الـ (ـثَمَرَةِ) وبعد شروع العامل في العمل، فلا يخلو:
أ) إن كان الفسخ من مالك المال: (فَلِعَامِلٍ أُجْرَتُهُ) أي: أجرة مثله؛ لأن المالك منعه من إتمام عملِه الذي يستحِقُّ به العِوض.
وقال ابن عثيمين: لو قال قائل: إنه يُعطى بالقسط من سهم المثل لكان
[ ٢ / ٣٦٣ ]
له وجه؛ لأن العامل لم يعمل على أنه أجير، بل عمل على أنه شريك، فإذا عمل العامل رُبُع المدة ثم فسخت، فله رُبُع سهم المثل.
وقريب من هذا قول شيخ الإسلام: (الفقهاء متنازعون فيما فسد من المشاركة، والمضاربة، والمساقاة، والمزارعة، إذا عمل فيها العامل هل يستحق أجرة المثل؟ أو يستحق قسط مثله من الربح؟ على قولين: أظهرهما الثاني).
ب) (أَوْ) إن كان الفسخ من (عَامِلِ) المساقاة: (فَلَا شَيْءَ لَهُ)؛ لأنه رضي بإسقاط حقه.
واختار ابن عثيمين: إذا كان فسخ العامل لعذر فلا يضمن شيئًا، وإذا كان لغير عذر وفات غرض صاحب الأصل، فينبغي أن يُضَمَّن أو يلزم بإتمام العمل؛ لقاعدة: (لا ضرر ولا ضرار).
٢ - أن يكون الفسخ بعد ظهور الثمرة: فهي بينهما على ما شرطَا؛ لأنها حدثت على ملكهما، وقياسًا على المضاربة، ويلزم العاملَ تمامُ العملِ؛ كالمضارَبِ.
- مسألة: (وَتُمْلَكُ الثَّمَرَةُ بِظُهُورِهَا) أي: يملك العامل الثمرة إذا ظهرت؛ كالمالك والمضارب؛ (فَعَلَى) هذا: يجب على (عَامِلٍ تَمَامُ عَمَلِ)
[ ٢ / ٣٦٤ ]
المساقاة (إِذَا فُسِخَتْ) بفسخ أحدهما، أو بموته، ونحو ذلك (بَعْدَهُ) أي: بعد ظهور الثمرة؛ كالمضارب، وتقدم.
- مسألة: فيما يلزم العامل، وفيما يلزم رب المال من العمل، ولا يخلو ذلك من حالين:
الحال الأولى: ألا يكون هناك شرط بينهما، فهو على ثلاثة أقسام:
١ - (وَ) يجب (عَلَى عَامِلٍ كُلُّ مَا فِيهِ نُمُوٌّ أَوْ صَلَاحٌ) لثمر وزرع؛ من سقي، وحرث، وآلته، وتلقيح، وقلع ما يحتاج إلى قلعه، وإصلاح موضعه، ونحو ذلك، (وَ) يجب عليه أيضًا: (حَصَادٌ وَنَحْوُهُ) كتجفيف وحفظ إلى قسمة؛ لأن ذلك كله فيه صلاح الزرع وزيادته؛ فهو لازم للعامل بإطلاق العقد.
٢ - (وَ) يجب (عَلَى رَبِّ أَصْلٍ حِفْظٌ) أي: ما فيه حفظ الأصل؛ من سد حائط، وإجراء نهر، وحفر بئر، وثمن دولاب، (وَنَحْوُهُ)؛ كآلته التي تديره، وشراء ما يلقح به ونحوه؛ لأن هذا ليس من العمل، فهو على رب المال.
٣ - (وَ) يجب (عَلَيْهِمَا) أي: العامل ورب المال (بِقَدْرِ حِصَّتَيْهِمَا جَدَادٌ)؛ لأنه إنما يكون بعد تكامل الثمر وانقضاء المعاملة، فمن له من الثمرة الثلث فعليه ثلث الجداد، وهكذا.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
الحال الثانية: أن يكون بينهما شرط؛ بأن يشترط أحدهما على الآخر ما يلزمه هو: فتفسد المساقاة؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، فأفسدته كالمضاربة إذا شرط العمل فيها على رب المال.
ويستثنى من ذلك: الجداد، لو اشتُرِط على العامل؛ لأنه لا يخل بمقصود العقد، فصح كتأجيل ثمن في بيع.
وقيل: يصح اشتراط كل واحد ما على الآخر أو بعضه، لكن يعتبر أن يكون ما يلزم كلًّا منهما معلومًا؛ قياسًا على قول أحمد في صحة اشتراط رب المال كون الجداد على العامل؛ ولأن الأصل في الشروط الصحة.
- مسألة: (وَتَصِحُّ المُزَارَعَةُ)، وهي: دفع أرضٍ وحبٍّ لمن يزرعه ويقوم عليه، أو دفع حبٍّ مزروعٍ يُنمَّى بالعمل لمن يقوم عليه، بجزء معلوم مما يخرج منها.
ودليل جوازها: حديث ابن عمر السابق، وزارع علي، وسعد بن مالك - أي: سعد بن أبي وقاص -، وعبد الله بن مسعود. [البخاري معلقًا بصيغة الجزم ٣/ ١٠٤، ووصلها ابن أبي شيبة في مسألة المزارعة ٧/ ٣٢٣]، ولأن الحاجة داعية إليها كالمضاربة والمساقاة، بل الحاجة إلى الزرع آكد منها إلى غيره؛ لكونه مقتاتًا.
- فرع: يشترط لصحة المزارعة شروط:
[ ٢ / ٣٦٦ ]