مناسبة هذا الباب لما قبله: أن أحكام المسح على الخفين تتعلق بأحد أعضاء الوضوء، وهما الرِّجْلان.
- مسألة: (يَجُوزُ المَسْحُ عَلَى خُفٍّ)، وهو ما يلبس في الرجل من جلد، قال ابن المبارك: (ليس فيه خلاف)، وقال الإمام أحمد: (ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثًا عن رسول الله ﷺ).
[ ١ / ٦٥ ]
- مسألة: يجوز المسح على الجورب (وَنَحْوِهِ) مما كان من غير الجلد؛ كقطن أو صوف؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» [أحمد ١٨٢٠٦، وأبو داود ١٥٩، والترمذي ٩٩ وقال: حسن صحيح، وابن ماجه ٥٥٩]، قال ابن المنذر: (رُوي إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ).
- مسألة: (وَ) يجوز المسح على الـ (عِمَامَةِ)، وهو من المفردات؛ لحديث المغيرة ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى العِمَامَةِ وَعَلَى الخُفَّيْنِ» [مسلم ٢٤٧]، وثبت ذلك: عن أبي بكر، وعمر، وأنس، وأبي أمامة ﵃ [ابن أبي شيبة ١/ ٢٨].
- فرع: يشترط للمسح على العِمامة شروط، منها:
١ - أن تكون العمامة لـ (ذَكَرٍ) لا امرأة؛ لأن المرأة منهية عن التشبه بالرجال، والرخصة لا تُستباح بالمعصية.
٢ - أن تكون (مُحَنَّكَةً)، وهي التي يُدار منها تحت الحنك كَور فأكثر، (أَوْ) تكون (ذَاتَ ذُؤَابَةٍ) وهي طرف العمامة المرخى؛ لأن عمائم العرب بهذه الصفة، ولأنه يشق نزعها.
فعُلم من ذلك: أنه لا يصح المسح على العمامة الصماء؛ لأنها تشبه عمائم أهل الذمة، وقد نُهي عن التشبه بهم.
[ ١ / ٦٦ ]
واختار شيخ الإسلام: جواز المسح على العمامة الصماء؛ لإطلاق الأدلة.
٣ - أن تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه؛ كمقدم الرأس والأذنين وجوانب الرأس، فيعفى عنه لمشقة التحرز منه.
٤ - تقدُّمُ كمال الطهارة، ويأتي.
- مسألة: (وَ) يجوز المسح على (خُمُرِ نِسَاءٍ مُدَارَةٍ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ)، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام؛ لما ثبت عن أم سلمة ﵂: «أَنَّهَا كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى الخِمَارِ» [ابن أبي شيبة ٢٢٣]، ولأنه يشق نزعه كالعمامة.
- مسألة: (وَ) يجوز المسح (عَلَى جَبِيرَةٍ) مشدودة على كسرٍ أو جرحٍ ونحوهما؛ لحديث جابر ﵁ في صاحب الشجة: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، ويَعْصِبَ علَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» [أبو داود ٣٣٦]، وصح عن ابن عمر وابن عباس ﵃ [الأوسط لابن المنذر ٥٢٦ - ٥٢٧].
- فرع: يشترط للمسح على الجبيرة شروط، منها:
١ - أن تكون الجبيرة (لَمْ تُجَاوِزْ قَدْرَ الحَاجَةِ)، وهو موضع الجرح
[ ١ / ٦٧ ]
والكسر وما قرب منه بحيث يحتاج إليه في شدها؛ لأنه موضع الحاجة فتقيّد بقدرها.
٢ - تقدُّمُ كمال الطهارة؛ قياسًا على المسح على الخفين.
وعنه، واختاره ابن قدامة: لا يشترط تقدم الطهارة؛ لما تقدم من حديث صاحب الشجة، فلم يذكر الطهارة، ولأن اشتراط الطهارة يشق؛ لأنه يقع فجأة.
- فرع: المسح على الجبيرة عزيمة، فيمسح عليها (إِلَى حَلِّهَا) أو برء ما تحتها، وليس موقتًا كالمسح على الخفين ونحوهما؛ لأن مسحها للضرورة، فيتقدر بقدرها.
(وَ) على ما سبق: فـ (إِنْ جَاوَزَتْهُ)، أي: جاوزت الجبيرة موضع الحاجة، (أَوْ وَضَعَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ؛ لَزِمَ نَزْعُهَا)؛ ليغسل ما يمكنه غسله، (فَإِنْ خَافَ الضَّرَرَ) أو التلف بنزع الجبيرة (تَيَمَّمَ) لما زاد عن قدر الحاجة أو وُضِع على غير طهارة، وغسل ما سوى ذلك، (مَعَ مَسْحِ مَوْضُوعَةٍ عَلَى طَهَارَةٍ)، فيجمع بين غسل الصحيح ومسح قدر الحاجة والتيمم لما زاد عنه.
واختار ابن عثيمين: أنه إذا خاف الضرر بنزع زائدٍ مسح على الجميع بلا تيمم؛ لأنه لما كان يتضرر بنزع الزائد صار الجميع بمنزلة الجبيرة.
[ ١ / ٦٨ ]
- مسألة: (وَيَمْسَحُ مُقِيمٌ) يَوْمًا وَلَيْلَة، (وَ) يمسح (عَاصٍ بِسَفَرِهِ: مِنْ حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ)، ويأتي الكلام عن ابتداء المسح، (يَوْمًا وَلَيْلَةً) كمقيم، فلا يستبيح الرخصة بمعصيته.
واختار شيخ الإسلام: أن العاصيَ بسفره يمسح ثلاثةَ أيام بليالِيهِنَّ؛ لإطلاق الأدلة.
- مسألة: (وَ) يمسح (مُسَافِرٌ سَفَرَ قَصْرٍ: ثَلَاثَةَ) أيام (بِلَيَالِيهَا)؛ لحديث علي ﵁: «جَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» [مسلم ٢٧٦].
واختار شيخ الإسلام: أن المسح على الخفين محدَّد إلا في حال الضرورة والمشقة؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁: أنه قَدِم على عمر - ﵁ - بفتح دمشق، فقال له عمر: «كَمْ لَكَ يَا عُقْبَةُ لَمْ تَنْزِعْ خُفَّيْكَ؟»، فقال: منذ ثمانية أيام، من الجمعة إلى الجمعة، قال: «أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ» [الدارقطني ٧٦٦].
- فرع: تشترط المدة في المسح على الخفين ونحوهما، وفي المسح على العمامة، وعلى خمر النساء؛ لما روى الخلال بإسناده عن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ، عن أبي أُمامة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يُمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ وَالعِمَامَةِ ثَلَاثًا فِي السَّفَرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» [المغني ١/ ٢٢١]، قال شيخ
[ ١ / ٦٩ ]
الإسلام: (وأحاديث شهر حسان)، وقال ابن حزم: (ثبت التوقيت عن عمر ﵁)، ولأنه ممسوح على وجه الرخصة، فيوقت بذلك كالخف.
- مسألة: تبتدأ مدة المسح (مِنْ حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ)؛ لحديث صفوانَ بن عَسَّالٍ ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» [أحمد ١٨٠٩١، والترمذي ٩٦]، فدل بمفهومه: أنها تنزع لثلاث مضَيْنَ من الغائط، ولأنها عبادة مؤقتة فاعتبر لها أول وقتها من حين جواز فعلها؛ كالصلاة.
وعنه، واختاره السعدي: تبدأ من المسح بعد الحدث؛ لأن الشرع جاء بلفظ المسح، ولا يتحقق المسح إلا بوجوده فعلًا.
- مسألة: (فَإِنْ مَسَحَ فِي سَفَرٍ ثُمَّ أَقَامَ)؛ أتم مسح مقيم إن بقي منه شيء، وإلا خلع؛ لأنه صار مقيمًا، قال الشارح: (بغير خلاف نعلمه).
(أَوْ عَكَسَ) أي: مسح مقيمًا ثم سافر؛ (فَكَمُقِيمٍ)، تغليبًا لجانب الحضر.
وعنه: يتم مسح مسافر؛ لأنه مسافر، قال الخلال: (رجع أحمد عن قوله الأول إلى هذا).
- مسألة: (وَشُرِطَ) لمسح خف ونحوه سبعة شروط:
الشرط الأول: (تَقَدُّمُ كَمَالِ طَهَارَةٍ) بالماء، للخفين ونحوهما، وللعمامة
[ ١ / ٧٠ ]
والخمار والجبيرة؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأَنْزِعَ خُفيه، فقال: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» فمسَحَ عليهما. [البخاري ٢٠٦، ومسلم ٢٧٤]، وقيس الباقي على الخفين، فلو غسل رِجْلًا ثم أدخلها الخف قبل غسل الأخرى؛ خلع الخف ثم لبس بعد غسل الأخرى؛ ليكون لُبْسُهما بعد كمال الطهارة.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يشترط تقدم كمال الطهارة في الخف ولا في العمامة؛ لأنه يصدق عليه أنه لبس الخفين على طهارة، فلا يلزمه خلع الخف في الصورة السابقة.
- تنبيه: تقدم اختيار ابن قدامة: أنه لا يشترط تقدم الطهارة في المسح على الجبيرة خاصة.
(وَ) الشرط الثاني: (سَتْرُ مَمْسُوحٍ) من خف ونحوه (مَحَلَّ فَرْضٍ)، وهو في الحق مثلًا جميع القدم، فخرج بذلك:
١ - ما لا يستر محل الفرض لقصره؛ كالخف المقطوع أسفل الكعبين، فلا يمسح عليه باتفاق الأئمة، واختاره شيخ الإسلام (١).
_________________
(١) نسب ابن مفلح في الفروع (١/ ١٩٧)، والمرداوي في الإنصاف (١/ ١٧٩)، إلى شيخ الإسلام القول بجواز المسح على الخف المقطوع أسفل الخفين، ولكن المنصوص عنه في مجموع الفتاوى (٢١/ ١٩٠) خلافه، قال ﵀ في كلامه عن لبس المحرم للخف المقطوع: (فأمرهم بالقطع حينئذ؛ لأن المقطوع يصير كالنعلين فإنه ليس بخف، ولهذا لا يجوز المسح عليه باتفاق المسلمين، فلم يدخل في إذنه في المسح على الخفين).
[ ١ / ٧١ ]
٢ - الخف المخرَّق وإن صَغُر الخَرْق؛ لأن حكم ما استُتر المسح، وما ظهر الغسل، ولا سبيل إلى الجمع بينهما، فوجب الغسل؛ لأنه الأصل.
واختار شيخ الإسلام: جواز المسح على الخف المخرَّق ما دام اسم الخف باقيًا والمشي فيه ممكنًا.
(وَ) الشرط الثالث: (ثُبُوتُهُ) أي: الخف ونحوه (بِنفْسِهِ)، فإن لم يثبت إلا بشدِّه لم يجز المسح عليه؛ إذ الرخصة وردت في الخف المعتاد، وما لا يثبت بنفسه ليس في معناه، فلا يصح المسح عليه.
واختار شيخ الإسلام: جواز المسح عليه وإن لم يثبت بنفسه بل بخيوط ونحوها، ما دام اسم الخف باقيًا عليه.
(وَ) الشرط الرابع: (إِمْكَانُ مَشْيٍ بِهِ) أي: الممسوح من خف ونحوه (عُرْفًا) ولو لم يكن معتادًا، فدخل في ذلك الجلود والخشب والحديد ونحوها؛ لأنه خف ساتر يمكن المشي فيه أشبه الجلود.
(وَ) الشرط الخامس: (طَهَارَتُهُ)، أي: طهارة عينه، فلا يمسح على نجسٍ؛ وحكاه النووي إجماعًا.
وأما إن كان طاهر العين لكن عليه نجاسة: فيجوز المسح عليه لوجود
[ ١ / ٧٢ ]
شرطه، ولا يصلي فيه، بل يستبيح به نحو مس المصحف.
(وَ) الشرط السادس: (إِبَاحَتُهُ)، فلا يصح المسح على مغصوب، ولا على حريرٍ لرَجُلٍ؛ لأن لُبْسَه معصية، فلا تستباح به الرخصة.
وعنه: يصح المسح عليه؛ لعموم أدلة المسح، ولأن النهي يعود إلى شرط العبادة على وجه لا يختص.
والشرط السابع: عدمُ وصف الخفين ونحوهما البشرة لصفائه أو خفته، فإن وصف القدم لصفائه؛ كزجاج رقيق، أو خفته؛ كجورب خفيف؛ لم يصح المسح عليه؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض أشبه النعل.
واختار ابن عثيمين: جواز المسح عليهما مادام الاسم باقيًا عليهما.
والشرط الثامن: ألا يكون الخف واسعًا بحيث يُرى منه بعض محل فرض؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض، أشبه المخرق الذي لا تنضم بلبسه.
- مسألة: (وَيَجِبُ مَسْحُ أَكْثَرِ دَوَائِرِ عِمَامَةٍ)؛ لأنها ممسوحة على وجه البدل، فأجزأ فيها ذلك كالخف، واختص ذلك بدوائرها دون وسطها؛ لأنه يشبه أسفل الخف.
- مسألة: (وَ) يجب مسح (أَكْثَرِ ظَاهِرِ قَدَمِ خُفٍّ) ونحوه كجورب، دون أسفله وعقبه فلا يشرع مسحهما؛ لقول علي ﵁: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ
[ ١ / ٧٣ ]
لَكَانَ أَسْفَلُ الخُفِّ أَوْلَى بِالمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ» [أحمد ٧٣٧، وأبو داود ١٦٢]، قال ابن القيم: (ولم يصح عنه مسح أسفلهما إلا في حديث منقطع، والأحاديث الصحيحة على خلافه).
- مسألة: (وَ) يجب مسح (جَمِيعِ جَبِيرَةٍ)؛ لما تقدم من حديث صاحب الشجة، ولأنه لا ضرر في تعميمها به، بخلاف الخف، فإنه يشق تعميم جميعه ويُتلِفُه المسح.
- مسألة: (وَ) يبطل المسح على الخف ونحوه بأمور، منها:
١ - (إِنْ ظَهَرَ بَعْضُ مَحَلِّ فَرْضٍ) ممن مسح بعد الحدث، بخرق الخف، أو خروج بعض القدم إلى ساق الخف، أو ظهر بعض رأس وفحش، أو زالت جبيرة؛ استأنف الطهارة؛ لأن المسح أقيم مقام الغسل، فإذا ظهر بعض محل الفرض؛ بطلت الطهارة في الممسوح، فتبطل في جميعها؛ لكونها لا تتبعض.
٢ - (أَوْ تَمَّتِ المُدَّةُ) أي: مدة المسح (اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ)؛ لأن المسح أُقيم مُقامَ الغسل، فإذا انقضت مدته بطلت الطهارة في الممسوح، فتبطل في جميعها؛ لكونها لا تتبعض.
واختار شيخ الإسلام: أن الطهارة لا تبطل في الصورتين؛ لأن طهارته حصلت بمقتضى دليل شرعي، ولا دليل على بطلانها.
[ ١ / ٧٤ ]
٣ - بما يوجب الغسل كالجنابة، فيبطل المسح على الخف ونحوه؛ لحديث صفوانَ بن عَسَّالٍ السابق، إلا في المسح على الجبيرة؛ لحديث صاحب الشجة، ولأن المسح عليها عزيمة.