الميقات لغةً: الحد، واصطلاحًا: موضع العبادة وزمنها.
- مسألة: مواقيت الحج والعمرة على قسمين:
القسم الأول: المواقيت المكانية: (وَ) هي خمسة:
١ - (مِيقَاتُ أَهْلِ المَدِينَةِ) النبوية: ذو (الحُلَيْفَةَ)، وهي أبعد المواقيت من مكة، بينها وبين مكة عشر مراحل.
٢ - (وَ) ميقات أهل (الشَّامِ، وَ) أهل (مِصْرَ، وَ) أهل (المَغْرِبِ: الجُحْفَةُ)، وهي قرية على طريق المدينة، خَرِبة، قرب رابغ، وتلي ذو الحليفة في البعد، بينها وبين مكة نحو ثلاث مراحل، ومن أحرم من رابغ فقد أحرم قبل محاذاة الجحفة بيسير.
٣ - (وَ) ميقات أهل (اليَمَنِ: يَلَمْلَمُ)، وهو جبل معروف، وبينه وبين مكة مرحلتان.
٤ - (وَ) ميقات أهل (نَجْدٍ)، والطائف: (قَرْنُ) المنازل، بلدة بينها وبين مكة مرحلتان، والقرن: الجبل الصغير المنفرد، فلعل القرية سميت به،
[ ٢ / ٣٨ ]
ويعرف الآن بالسيل.
٥ - (وَ) ميقات أهل (المَشْرِقِ) أي: العراق وخراسان ونحوهما: (ذَاتُ عِرْقٍ)، قرية معروفة، سميت بذلك؛ لأن فيها عرقًا، وهو الجبل الصغير، وتسمى اليوم: الضريبة، بينها وبين مكة مرحلتان، وقد هجره الناس اليوم، وصار أهل المشرق يحرمون من قرن المنازل.
ويدل على هذه المواقيت: حديث ابن عباس ﵄ قال: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» [البخاري: ١٥٢٤، ومسلم: ١١٨١]، وفي حديث جابر ﵁ مرفوعًا: «وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ» [مسلم: ١١٨٣].
- فرع: المرحلة: بريدان، والبريد الواحد: أربعة فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل: ١.٦٠ كيلو، وعليه فالمرحلة الواحدة تساوي (٣٨.٤) كيلومتر تقريبًا.
- فرع: لا يخلو مريد الإحرام من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يُنشئ نية الإحرام وهو في الميقات، أو قبل الوصول إلى الميقات: فيُحْرِم من الميقات، وليس له أن يتجاوزه بغير إحرام اتفاقًا؛ لحديث ابن عباس السابق، وفيه: «هُنَّ لهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ
[ ٢ / ٣٩ ]
أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ»، وهذا خبر بمعنى الأمر.
- فرع: إذا مَرَّ مريد الإحرام على ميقاتٍ، وتجاوزه ليحرم من ميقات آخر، فلا يخلو من أمرين:
١ - أن يتجاوزه لغير ميقاته الأصلي، كأن يتجاوز الشامي ميقات ذي الحليفة إلى ميقات قرن المنازل: فليس له أن يؤخر الإحرام إلى الميقات الآخر؛ لظاهر حديث ابن عباس ﵄، وفيه: «وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ»، و«منْ» اسم موصول، فيعم كل من أتى على الميقات، سواء كان ميقاته الأصلي أم لا.
٢ - أن يتجاوزه لميقاته الأصلي، كأن يتجاوز الشامي ميقات ذي الحليفة إلى ميقات الجحفة: فليس له أن يؤخر الإحرام إلى الميقات الآخر أيضًا؛ لما تقدم.
واختار شيخ الإسلام: أنه له أن يؤخر الإحرام إلى ميقاته الأصلي؛ لأنه مر بميقاتين يجب عليه الإحرام من أحدهما، وأحدهما فرع والثاني أصل، فله أن يدع الإحرام من الفرع إلى الأصل.
الحالة الثانية: أن ينشئ نية الإحرام وهو دون المواقيت وقبل دخول مكة: فيحرم من محله اتفاقًا؛ لحديث ابن عباس السابق، وفيه: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ».
[ ٢ / ٤٠ ]
الحالة الثالثة: أن ينشئ نية الإحرام وهو في مكة: وأشار إليه المؤلف بقوله: (وَيُحْرِمُ مَنْ) أراد الحج أو العمرة وكان (بِمَكَّةَ):
- إذا كان (لِـ) إحرام بـ (ـحَجٍّ): فإنه يحرم (مِنْهَا) أي: من مكة، اتفاقًا، سواء كان مكيًّا أم آفاقيًّا، ولا يجب عليه أن يخرج إلى الحل أو إلى الميقات؛ لحديث ابن عباس ﵄ السابق: وفيه: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، ولحديث جابر ﵁ في الحج قال: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى»، قَالَ: «فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ» [مسلم: ١٢١٤].
- (وَ) إذا كان (لِـ) إحرامٍ بـ (ـعُمْرَةٍ): فيُحرم (مِنَ الحِلِّ) اتفاقًا، سواء كان من أهل مكة أم من غيرهم، وليس له أن يحرم من الحرم؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، اعتمرتم ولم أعتمر، فقال: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، اذْهَبْ بِأُخْتِكَ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ» [البخاري: ١٥١٨، ومسلم: ١٢١١]، ولقول ابن عباس ﵄: «لَا يَضُرُّكَمْ يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَلَّا تَعْتَمِرُوا، فَإِنْ أَبَيْتُم فَاجْعَلُوا بَيْنَكُم وَبَيْنَ الحَرَمِ بَطْنَ الوَادِي» [ابن أبي شيبة: ١٥٦٨٨]، ولأن أفعال العمرة كلها في الحرم، فلم يكن بد من الحِل؛ ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم.
وأما قوله: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ»، فالمراد به في الحج، جمعًا بين الأدلة.
- مسألة: من كان من أهل فرض الحج - وهو المسلم المكلف الحر
[ ٢ / ٤١ ]
المستطيع - وأراد دخول مكة ولو لم يُرِد النسك؛ لم يجز له أن يتجاوز الميقات بلا إحرام؛ لعموم حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ» الحديث [البخاري: ١٣٣، ومسلم: ١١٨٢]، وهو خبر بمعنى الأمر، والأمر لا يرد بلفظ الخبر إلا إذا أريد تأكيده، وتأكيد الأمر للوجوب، وهو عام لكل من يريد دخول مكة، ولما صح عن ابن عباس ﵄ قال: «مَا يَدْخُلُ مَكَّةَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا إِلَّا بِإِحْرَامٍ»، ثم قال: «فَوَالله مَا دَخَلَهَا رَسُولُ الله ﷺ إِلَّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا» [البيهقي: ٩٨٣٩، وجود إسناده الحافظ]، وعن علي ﵁: «لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا بِإحْرَامٍ»، يعني مكة [ابن أبي شيبة: ١٣٥١٨، وفيه ضعف].
وعنه، واختاره ابن عثيمين: أنه يجوز تجاوزه مطلقًا من غير إحرام، إلا أن يريد نسكًا؛ للقيد الوارد في حديث ابن عباس ﵄ السابق: «مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ»، ولما روى أنس ﵁ قال: «دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ» [البخاري: ٤٢٨٦، ومسلم: ١٣٥٧]، فدل على أنه دخلها من غير إحرام.
- فرع: يجوز دخول مكة من غير إحرام في ثلاث مسائل:
١ - لقتال مباح؛ لحديث أنس السابق.
٢ - لخوف؛ إلحاقًا له بالقتال المباح.
٣ - لحاجة تتكرر؛ كحطاب وحشاش ولصيد ونحوه؛ لقول
[ ٢ / ٤٢ ]
ابن عباس ﵄: «لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، إِلَّا الحَطَّابِينَ الْعَجَّالِينَ وَأَهْلَ مَنَافِعِهَا» [ابن أبي شيبة: ١٣٥١٧، واحتج به أحمد].
القسم الثاني: المواقيت الزمانية: وأشار إليها بقوله: (وَأَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحِجَّةِ)، ومنها يوم النحر؛ لقول ابن عمر ﵄: «أَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحِجَّةِ» [البخاري معلقًا مجزومًا ٢/ ١٤١، ووصله الدارقطني: ٢٤٥٥]، ونحوه عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير ﵃ [الدارقطني: ٢٤٥٢ وما بعده].
أما الجمع الوارد في قوله تعالى: (الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، فالجمع يطلق على اثنين، وعلى اثنين وبعضٍ آخر.
واختار ابن هبيرة من الأصحاب، وابن عثيمين: أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كاملًا؛ لظاهر قوله تعالى: (الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، وأقل الجمع في اللغة ثلاثة، ولأنه وارد عن عمر [تفسير سعيد بن منصور: ٣٣٤]، وابن عمر ﵄ [الشافعي في الأم ٢/ ١٦٨].