- مسألة: (وَحَرُمَ مُطْلَقًا) على المحرم والحلال (صَيْدُ حَرَمِ مَكَّةَ) إجماعًا؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح بمكة: «إِنَّ الله حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لا يُخْتَلَى خَلاهَا، وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لِقَيْنِهم ولبيوتهم، فقال: «إِلَّا الإِذْخِرَ» [البخاري ١٨٣٣، ومسلم ١٣٥٣].
- فرع: حكم صيد حرم مكة كحكم صيد الإحرام، فيه الجزاء؛ لأن الصحابة قضوا في حمام الحرم: شاة [مصنف عبد الرزاق ٨٢٦٦]، ولاستوائهما في التحريم، فوجب أن يستويا في الجزاء.
[ ٢ / ٨٨ ]
إلا القمل، فلا يحرم قتله في الحرم، ولا ضمان فيه، بغير خلاف؛ لأنه حرِّم في حق المحرِم لأجل الترفه، وهو مباح في الحرم كإباحة اللبس.
- فرع: لا يلزم المُحْرم بقتل صيد الحرم جزاءان، بل جزاء واحد؛ لعموم قوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم)، والمثلية كما تكون في الصفة تكون في العدد.
- مسألة: (وَ) حَرُم (قَطْعُ شَجَرِهِ) أي: شجر الحرم إجماعًا؛ لحديث ابن عباس السابق: «وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا»، (و) حَرُم أيضًا قطع (حَشِيشِهِ) حتى ما فيه مضرة كشوكٍ ونحوه؛ لحديث ابن عباس السابق: «لا يُخْتَلَى خَلاهَا»، (إِلَّا) ثمانية أمور:
١ - (الإِذْخِرَ)، إجماعًا، وهو نبات يستعمل في البيوت والقبور والحدادة؛ لحديث ابن عباس السابق: «إِلَّا الْإِذْخِرَ».
٢ - اليابس من شجر وحشيش وورق ونحوها؛ لأنه بمنزلة الميت.
٣ - ما زال بفعل غير آدمي، فيجوز الانتفاع به بغير خلاف؛ لأن الخبر في القطع، لا في الانتفاع بالمقطوع.
فأما ما قطعه الآدمي مما يحرم قطعه، فيحرم الانتفاع به مطلقًا؛ لأنه ممنوع من إتلافه؛ كالصيد يذبحه المحرم، يحرم عليه وعلى غيره.
٤ - ما انكسر ولم يَبِن؛ فإنه كظفر منكسر.
[ ٢ / ٨٩ ]
٥ - الكمأة والفقع؛ لأنه لا أصل لهما، فليسا بشجر ولا حشيش.
٦ - الثمرة؛ لأنها تُستخلف.
٧ - ما زرعه آدمي، من بقل، ورياحين، وزروع، وشجرٌ غُرِس من غير شجر الحرم؛ فيباح أخذه والانتفاع به؛ لأنه مملوك الأصل كالأنعام، ولأن الأصل الحل، والنهي إنما ورد عن شجر الحرم، وهو ما أضيف إليه لا يملكه أحد، وهذا يضاف إلى مالكه، فلا يعمه الخبر.
٨ - رعي حشيش الحرم؛ لقول ابن عباس ﵄: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَرَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ» [البخاري ٤٩٣، ومسلم ٥٠٤]، ولأن الحاجة تدعو إليها، أشبه قطع الإذخر.
- مسألة: (وَفِيهِ) أي: في قطع الشجر والحشيش (الجَزَاءُ)، فتضمن الشجرة الصغيرة عرفًا بشاة، والكبيرة والمتوسطة ببقرة؛ لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «فِي الدَّوحَةِ بَقَرَةٌ، وَفِي الجَزْلَةِ شَاةٌ» [أورده ابن قدامة في المغني ٣/ ٣٢٢ ولم نقف عليه مسندًا]، وعن ابن الزبير ﵄: «أَنَّه لَمَّا بَنَى دُورَهُ بِقُعَيْقِعَانَ قَطَعَ شَجَرًا كَانَتْ فِي دُورِهِ، وَوَدَاهُ كُلَّ دَوْحَةٍ بِبَقَرَةٍ» [أخبار مكة للفاكهي ٢٢٣٣]، والدَّوحة: الشجرة العظيمة، والجزلة: الصغيرة.
ويخير من وجب عليه جزاء شجر الحرم وحشيشه بين ذبحه وإعطائه لمساكين الحرم، وبين تقويمه، ويفعل بقيمته كجزاء صيد الإحرام، على ما سبق.
[ ٢ / ٩٠ ]
وعند المالكية، واختاره ابن عثيمين: لا جزاء في شجر الحرم وحشيشه؛ لعدم الدليل، والأصل براءة الذمة.
- مسألة: (وَ) حرم (صَيْدُ حَرَمِ المَدِينَةِ)؛ لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁: قال رسول الله ﷺ: «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا» [مسلم ١٣٦٣].
- مسألة: (وَ) حرم (قَطْعُ شَجَرِهِ) أي: شجر المدينة، (وَحَشِيشِهِ)؛ لحديث أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ: «المَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لا يُقْطَعُ شَجَرُهَا» [البخاري ١٨٦٧].
- فرع: يستثنى من تحريم شجر المدينة وحشيشه:
١ - أخذ ما تدعو الحاجة إليه للعلف، فيجوز، وأشار إليه بقوله: (لِغَيْرِ حَاجَةِ عَلَفٍ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث علي ﵁: قال رسول الله ﷺ: «وَلَا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا السِّلَاحَ لِقِتَالٍ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ» [أحمد ٩٥٩، وأبو داود ٢٠٣٥].
٢ - أخذ ما تدعو الحاجة إليه لرحلِ بعير، (وَقَتَبٍ) وهو رحلٌ صغير على قدر السنام، (وَنَحْوِهِمَا)، كآلة الحرث وآلة الجذاذ، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَذِنَ
[ ٢ / ٩١ ]
بِقَطْعِ المِسَدِّ، والقَائمِتَينِ، والمُتَّخِذَةِ عَصَا الدَّابَّةِ» [الطبراني في الكبير ١٧/ ١٨]، وكاستثناء الإذخر بمكة.
- مسألة: (وَلَا جَزَاءَ) في صيد حرم المدينة، ولا في قطع شجرها وحشيشها، قال أحمد: (لم يبلغنا أن النبي ﷺ ولا أحدًا من أصحابه حكموا فيه بجزاء).
(بَاب دُخُولِ مَكَّةَ)
وما يتعلق به من الطواف والسَّعي
- مسألة: (يُسَنُّ) عند دخول مكة:
١ - أن يدخلها (نَهَارًا)؛ لما روى نافع، عن ابن عمر ﵄: «أنه كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طَوًى، حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيَذْكُرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ» [البخاري ٤٩١، ومسلم ١٢٥٩].
٢ - أن يدخل مكة (مِنْ أَعْلَاهَا)، من ثنية كَداء، ويخرج من أسفلها من ثنية كُدًى؛ لقول ابن عمر ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى» [البخاري ١٥٧٥، ومسلم ١٢٥٧].
[ ٢ / ٩٢ ]
٣ - (وَ) أن يدخل (المَسْجِدَ) الحرام (مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ)؛ لقول ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا قَدِمَ فِي عِقْدِ قُرَيْشٍ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ هَذَا البَابِ الأَعْظَمِ» [ابن خزيمة ٢٧٠٠، وصححه الألباني].
قال ابن عثيمين: (وباب بني شيبة عفا عليه الدهر، ولا يوجد له أثر الآن).
- مسألة: (فَإِذَا رَأَى البَيْتَ: رَفَعَ يَدَيْهِ)؛ لقول ابن عباس ﵄: «تُرْفَعُ الأَيْدِي فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: إِذَا رَأَى البَيْتَ، وَعَلَى الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَفِي جَمْعٍ، وَالعَرَفَاتِ، وَعِنْدَ الجِمَارِ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٥٧٤٨، وفيه ضعف]، (وَقَالَ مَا وَرَدَ)، ومنه:
١ - ما رواه ابن جريج: أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: «اللهمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا، وَتَعْظِيمًا، وَتَكْرِيمًا، وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا، وَتَكْرِيمًا، وَتَعْظِيمًا، وَبِرًّا» [البيهقي ٩٢١٣، وقال: منقطع].
واختار شيخ الإسلام: أنه يستحب الدعاء بذلك لمن رأى البيت قبل دخول المسجد الحرام، أما من لم يره إلا بعد دخول المسجد، فلا يستحب له ذلك؛ لأن النبي ﷺ أول ما دخل المسجد ابتدأ بالطواف، ولم يصلِّ قبل ذلك تحية المسجد ولا غير ذلك.
[ ٢ / ٩٣ ]
٢ - ما ورد عن عمر ﵁: أن كان يقول إذا رأى البيت: «اللهمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ» [البيهقي ٩٢١٦].
٣ - أن يقول ما يستحب عند دخول سائر المساجد.
- مسألة: (ثُمَّ طَافَ (١) مُضْطَبِعًا)، بأن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، وذلك في الأشواط السبعة كلها، استحبابًا باتفاق الأئمة؛ لما ورد عن ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا بِالبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ قَدْ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى» [أحمد ٢٧٩٢، وأبو داود ١٨٨٤]، ولا يسن الاضطباع في غير طواف القدوم؛ لعدم نقله.
فيطوف (لِلعُمْرَةِ المُعْتَمِرُ، وَ) يطوف (لِلقُدُومِ غَيْرُهُ) أي: غير المعتمر، وهو المفرد والقارن، وهو تحية الكعبة،؛ لما ورد عن عائشة ﵂: «أَنَّ أَوَّلَ
_________________
(١) شروط صحة الطواف ثلاثة عشر:
(٢) الإسلام.
(٣) العقل.
(٤) النية.
(٥) ستر العورة.
(٦) طهارة الحدث.
(٧) طهارة الخبث.
(٨) تكميل السبع.
(٩) جعل البيت عن يساره.
(١٠) الطواف بجميع البيت.
(١١) أن يطوف ماشيًا مع القدرة.
(١٢) أن يوالي بينه، إلا إذا حضرت جنازة أو أقيمت صلاة.
(١٣) أن يطوف في المسجد.
(١٤) أن يبتدئ من الحجر الأسود فيحاذيه. وسنن الطواف عشر:
(١٥) استلام الحجر الأسود.
(١٦) تقبيله، أو ما يقوم مقامه من الإشارة.
(١٧) استلام الركن اليماني.
(١٨) الاضطباع.
(١٩) الرَّمل.
(٢٠) المشي في مواضعه.
(٢١) الدعاء.
(٢٢) الذكر.
(٢٣) الدنو من البيت.
(٢٤) ركعتا الطواف.
[ ٢ / ٩٤ ]
شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ مِثْلَهُ» [البخاري ١٦١٤، ومسلم ١٢٣٥]، فإذا فرغ من الطواف أزال الاضطباع، ولا يضطبع في السعي؛ لعدم نقله، قال أحمد: (ما سمعنا فيه شيئًا).
- مسألة: يبتدئ الطواف من الحجر الأسود؛ لفعله ﷺ، كما في حديث جابر ﵁ [مسلم ١٢١٨]، (وَيَسْتَلِمُ الحَجَرَ الأَسْوَدَ)، واستلام الحجر على مراتب:
١ - أن يستلم الحجر، أي: يمسحه بيده اليمنى؛ لما ورد جابر - ﵁ -: «أن رسُولَ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ» [مسلم ١٢١٨]، (وَيُقَبِّلُهُ)؛ لقول عمر ﵁: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» [البخاري ١٥٩٧، ومسلم ١٢٧٠]، ويسجد عليه؛ لقول ابن عباس ﵄: «رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَبَّلَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَعَلَ هَكَذَا، فَفَعَلْتُ» [الحاكم ١٦٧٢، وقال: صحيح الإسناد]، وفعله ابن عباس ﵄ [مصنف عبد الرزاق ٨٩١٢، وحسنه أحمد].
٢ - فإن شق استلامه: وتقبيله استلمه بيده، وقبَّل يده؛ لما روى نافع قال: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَسْتَلِمُ الحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُهُ» [مسلم ١٢٦٨].
[ ٢ / ٩٥ ]
ولا يزاحم عليه؛ لحديث عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال له: «يَا عُمَرُ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ فَهَلِّلْ وَكَبِّرْ» [أحمد ١٩٠].
٣ - فإن شق استلامه بيده: استلمه بشيء وقبّله؛ لقول أبي الطفيل ﵁: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ» [مسلم ١٢٧٥].
٤ - (فَإِنْ شَقَّ) استلامه بشيء: (أَشَارَ إِلَيْهِ) أي: إلى الحجر بيده، أو بشيء؛ لقول ابن عباس ﵄: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ» [البخاري ١٦١٣].
ولا يقبّل المشار به؛ لعدم وروده.
- مسألة: (وَيَقُولُ) في ابتداء الطواف عند استلام الحجر، أو عند استقباله بوجهه إذا شق استلامه (مَا وَرَدَ)، ومنه:
١ - عن ابن عمر ﵄: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَالَ: بِاسْمِ الله وَالله أَكْبَرُ» [مصنف عبد الرزاق ٨٨٩٤].
٢ - وعن ابن عمر ﵄: «أنه كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ قَالَ: اللهمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَسُنَّةِ نَبِيَّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَيَسْتَلِمُهُ» [الطبراني في الأوسط ٥٤٨٦، وصححه الحافظ].
[ ٢ / ٩٦ ]
- فرع: ويقول كلما حاذى الحجر بعد ذلك: (الله أكبر) فقط؛ لحديث ابن عباس ﵄ السابق: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ».
- مسألة: الرَّملُ:
(وَ) يستحب أن (يَرْمُلَ) وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى من غير وثب، (الأُفُقِيُّ) وهو المُحْرم من بعيد من مكة، (فِي هَذَا الطَّوَافِ) فقط، إن طاف ماشيًا؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً» [البخاري ١٦٠٣، ومسلم ١٢٦١].
- فرع: لا رمل على:
١ - راكبٍ؛ لعدم نقله.
٢ - حاملِ شخص معذور كمريض وصغير؛ للعذر والمشقة.
٣ - نساء، حكاه ابن المنذر إجماعًا؛ لقول ابن عمر ﵄: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَمَلٌ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٢٩٥٢].
٤ - مُحْرِمٍ من مكة أو من قربها؛ لما ورد أن ابن عمر ﵄: «كَانَ لَا يَرْمُلُ إِذَا طَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ إِذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ» [الموطأ ١/ ٣٦٥].
- فرع: من لا يشرع له الرَّمَل لا يشرع له الاضطباع.
- فرع: لا يسن الاضطباع ولا الرمل في غير طواف العمرة وطواف
[ ٢ / ٩٧ ]
القدوم؛ لعدم نقله.
- مسألة: (فَإِذَا فَرَغَ) من الطواف (صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) نفلًا؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ» [البخاري ١٦٠٣، ومسلم ١٢٦١]، والوارد فعلٌ مجرد، فلا يدل على الوجوب.
- فرع: يسن كون ركعتي الطواف:
١ - (خَلْفَ المَقَامِ)، أي: مقام إبراهيم، وحيث ركعهما جاز إجماعًا؛ لأن عمر ﵁ صلاهما بذي طُوى [مصنف عبد الرزاق ٩٠٠٨].
٢ - وأن يقرأ بالركعة الأولى بعد الفاتحة: بـ (قل يا أيها الكافرون)، وبالثانية: (قل هو الله أحد).
ويدل لذلك: حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ: «ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، وكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: (قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ)، وَ(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)» [مسلم ١٢١٨].
- مسألة: (ثُمَّ) بعد الصلاة يعود و(يَسْتَلِمُ الحَجَرَ الأَسْوَدَ)؛ لقول جابر ﵁: «ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ»، ولا يستلمه إلا في طواف يعقُبُه سعي؛ لأنه الوارد، ولأن الطواف لما كان يفتتح بالاستلام، فالسعي كذلك.
[ ٢ / ٩٨ ]
(وَيَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ، فَيَرْقَاهُ) ندبًا، والواجب أن يستوعب ما بينهما بحيث يُلصق عقبه بأصلهما، ولا يجب أن يرقى الجبل؛ لقوله تعالى: (فلا جناح عليه أن يطوف بهما)، ولا يشترط الصعود، (حَتَّى يَرَى البَيْتَ، فَـ) يستقبله، و(يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ مَا وَرَدَ)؛ لحديث جابر السابق، وفيه: «ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: (إِنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله) [البقرة: ١٥٨]، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى البَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَحَّدَ الله وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ».
(ثُمَّ يَنْزِلُ) من الصفا (مَاشِيًا إِلَى العَلَمِ الأَوَّلِ) وهو العلم الأخضر المعلق، حتى يبقى بينه وبين العلم المذكور ستة أذرع، فيسعى، واختار المجد: أنه يسعى إذا وصل إلى العلم الأخضر، (فَيَسْعَى) ماشٍ سعيًا (شَدِيدًا إِلَى) العلم (الآخَرِ)؛ لحديث حبيبة بنت أبي تِجْراة ﵂: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ وَرَاءَهُمْ، وَهُوَ يَسْعَى حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ» [أحمد ٢٧٣٦٨].
[ ٢ / ٩٩ ]
ويستحب أن يقول إذا سعى بين العلمين ما رواه شقيق قال: «كَانَ عَبْدُ الله ﵁ إِذَا سَعَى فِي بَطْنِ الْوَادِي قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٥٥٦٥].
(ثُمَّ يَمْشِي وَيَرْقَى المَرْوَةَ، وَيَقُولُ مَا قَالَهُ عَلَى الصَّفَا، ثُمَّ يَنْزِلُ) من المروة (فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ إِلَى الصَّفَا، يَفْعَلُهُ سَبْعًا)؛ لحديث جابر السابق، وفيه: «ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى، حَتَّى أَتَى المَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى المَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا»، (وَيُحْسَبُ ذَهَابُهُ) سعية، (وَرُجُوعُهُ) سعية (١).
- مسألة: (وَ) إذا فرغ المتمتع من السعي فإنه (يَتَحَلَّلُ)، ولا يخلو
_________________
(١) شروط السعي تسعة:
(٢) النية.
(٣) الإسلام.
(٤) العقل.
(٥) أن يسعى ماشيًا مع القدرة.
(٦) أن يبدأ بالصفا.
(٧) الموالاة بينها.
(٨) تكميل السبع.
(٩) أن يتقدمه طواف ولو مسنونًا.
(١٠) استيعاب ما بين الصفا والمروة. وسنن السعي تسعة:
(١١) طهارة الحدث.
(١٢) طهارة الخبث.
(١٣) الموالاة بينه وبين الطواف.
(١٤) ستر العورة.
(١٥) الذكر.
(١٦) الدعاء.
(١٧) الإسراع.
(١٨) المشي بمواضعه.
(١٩) أن يرقى الصفا والمروة.
[ ٢ / ١٠٠ ]
(مُتَمَتِّعٌ) من أمرين:
الأول: أن يكون (لَا هَدْيَ مَعَهُ)، فيتحلل (بِتَقْصِيرِ شَعْرِهِ)؛ لحديث ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ» [البخاري ١٦٩١، ومسلم ١٢٢٧].
الثاني: أن يكون معه هدي، وأشار إليه بقوله: (وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ) فإنه يُدخل الحج على العمرة ويصير قارنًا (١)، وليس له أن يحِلَّ ولا أن يحلق إلا (إِذَا حَجَّ)، فيُدخل الحج على العمرة ثم لا يحِلَّ حتى يحل منهما جميعًا؛ لقوله تعالى: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله) [البقرة: ١٩٦]، ولحديث ابن عمر السابق.
- فرع: أما غير المتمتع إذا طاف وسعى فلا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون مُفْردًا أو قارنًا، فيبقى على إحرامه حتى يتحلل يوم النحر؛ لفعله ﷺ، كما في حديث جابر ﵁.
٢ - أن يكون معتمرًا غير متمتع: فيحلق أو يقصر وقد حل من إحرامه،
_________________
(١) قال في الكشاف (٦/ ٩٧): (ويصير قارنًا، جزم به في المبدع، والشرح، وشرح المنتهى هنا -أي: في هذا الموضع-، وهو مقتضى كلامه في الإنصاف، وقال في الفروع وشرح المنتهى في موضع آخر -في شروط التمتع- لا يكون قارنًا إذن).
[ ٢ / ١٠١ ]
سواء كان معه هدي أو لم يكن، في أشهر الحج أو في غيرها؛ لفراغ نسكه، واعتمر ﷺ ثلاث عمر سوى عمرته التي مع حجه، وكان يحل إذا سعى.
- مسألة: (وَالمُتَمَتِّعُ)، وكذا والمعتمر (يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إِذَا أَخَذَ) أي: شرع (فِي الطَّوَافِ)؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ: «كَانَ يُمْسِكُ عَنِ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ» [أبو داود ١٨١٧، والترمذي ٩١٩، وقال: حسن صحيح]، ولأنه شرع في التحلل، كالحاج يقطع التلبية إذا شرع في رمي جمرة العقبة، ويأتي.