- مسألة: (وَسُنَّ) في حمل الميت:
١ - (تَرْبِيعٌ فِي حَمْلِهَا)؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «مَنِ اتَّبَعَ جِنَازَةً فَلْيَحْمِلْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ كُلِّهَا؛ فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ فَلْيَتَطَوَّعْ، وَإِنْ شَاءَ فَلْيَدَعْ» [ابن ماجه: ١٤٧٨، وهو منقطع]، وصح عن ابن عمر ﵄ من فعله [ابن أبي شيبة: ١١٢٧٧]، وكيف حملها جاز، بشرط عدم الإزراء بالميت.
- فرع: صفة التربيع في الحمل: أن يضع قائمة السرير اليسرى المقدمة
[ ١ / ٤٤١ ]
على كتفه اليمنى، ثم ينتقل إلى المؤخرة، ثم يضع قائمته اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى، ثم ينتقل إلى المؤخرة.
٢ - (وَ) يسن (إِسْرَاعٌ) بالجنازة عند حملها، قال الشارح: (لا نعلم خلافًا بين الأئمة)، ما لم يخف عليها من الإسراع، ولم يشق على التابعين؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» [البخاري: ١٣١٥، ومسلم: ٩٤٤].
٣ - (وَ) يسن (كَوْنُ مَاشٍ أَمَامَهَا) أي: أمام الجنازة؛ لقول عبد الله بن عمر ﵄: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» [أحمد: ٦٠٤٢، وأبو داود: ٣١٧٩، والترمذي: ١٠٠٧، والنسائي: ١٩٤٤، وابن ماجه: ١٤٨٢].
وقيل: يمشي حيث شاء؛ لما ورد في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ مرفوعًا: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الجنَازَةِ، وَالمَاشِي مِنْهَا حَيْثُ شَاءَ» [أحمد: ١٨٢٠٧، والترمذي: ١٠٣١، والنسائي: ١٩٤٢، وابن ماجه: ١٤٨١].
- مسألة: (وَ) يكره اتباع الجنازة وهو (رَاِكبٌ)؛ لما روى ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ، أُتي بدابة وهو مع الجنازة، فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب، فقيل له، فقال: «إِنَّ المَلَائِكَةَ كَانَتْ تَمْشِي، فَلَمْ أَكُنْ لِأَرْكَبَ وَهُمْ يَمْشُونَ، فَلَمَّا ذَهَبُوا رَكِبْتُ» [أبو داود: ٣١٧٧، وصححه الألباني].
[ ١ / ٤٤٢ ]
- فرع: يجوز الركوب عند اتباع الجنازة في حالتين:
الأولى: (لِحَاجَةٍ) كمرض؛ لأن الحاجة تزول معها الكراهة.
الثانية: عند العود من الجنازة؛ لحديث جابر بن سمرة ﵁ قال: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرىً (١)، فَرَكِبَهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ جنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ، وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْلَهُ» [مسلم: ٩٦٥].
٤ - يسن سير راكب (خَلْفَهَا) أي: خلف الجنازة، قال الخطابي: (لا أعلم اختلفوا في أنه يكون خلفه)؛ لحديث المغيرة بن شعبة السابق، وفيه: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الجنَازَةِ».
٥ - (وَ) سن كون متبع الجنازة على (قُرْبٍ مِنْهَا)، وهو أفضل من كونه بعيدًا؛ لأنها متبوعة فهي كالإمام.
أحكام دفن الميت
- مسألة: (وَ) يسن في الدفن:
١ - (كَوْنُ قَبْرٍ لَحْدًا) اتفاقًا، وهو أن يحفر إذا بلغ قرار القبر في حائط القبر مكانًا يسع الميت؛ لقول سعد بن أبي وقاص ﵁: «الحَدُوا لِي لحدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ الله ﷺ» [مسلم: ٩٦٦].
_________________
(١) معرورى: قال أهل اللغة: اعروريت الفرس إذا ركبته عُرْيًا.
[ ١ / ٤٤٣ ]
والشق جائز اتفاقًا، وهو أن يُحْفَر وسط القبر كالنهر ويُبنى جانباه؛ لحديث أنس بن مالك، قَالَ: «لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلٌ يَلْحَدُ، وَآخَرُ يَضْرَحُ، فَقَالُوا: نَسْتَخِيرُ رَبَّنَا، وَنَبْعَثُ إِلَيْهِمَا، فَأَيُّهُمَا سُبِقَ تَرَكْنَاهُ، فَأُرْسِلَ إِلَيْهِمَا، فَسَبَقَ صَاحِبُ اللَّحْدِ، فَلَحَدُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ» [أحمد ١٢٤٥١، وابن ماجه ١٥٥].
لكن يكره الشق بلا عذر؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» [أبو داود: ٣٢٠٨، والترمذي: ١٠٤٥، والنسائي: ٢٠٠٩، وابن ماجه: ١٥٥٤].
٢ - (وَ) يسن (قَوْلُ مُدْخِلٍ) الميت للقبر: (بِاسْمِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله ﷺ)؛ لحديث ابن عمر ﵄: كان النبي ﷺ إذا أدخل الميت القبر قال: «بِاسْمِ الله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله» [أبو داود: ٣٢١٣، والترمذي: ١٠٤٦، وابن ماجه: ١٥٥٠]، وفي لفظ الترمذي: «بِاسْمِ الله وَبِالله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله».
٣ - (وَ) يسن (لَحْدُهُ) أي: الميت (عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ)؛ لأنه يشبه النائم، وهذه سنته، ففي حديث البراء بن عازب ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ» [البخاري: ٦٣١٥].
- مسألة: (وَيَجِبُ اسْتِقْبَالُهُ) أي: الميت (القِبْلَةَ) عند دفنه؛ لحديث
[ ١ / ٤٤٤ ]
عبيد بن عمير عن أبيه مرفوعًا -وكانت له صحبة-: «البَيْتُ الحَرَامُ قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» [أبو داود: ٢٨٧٥]، وعمل المسلمين على ذلك.
- مسألة: (وَكُرِهَ) في الدفن:
١ - (بِلَا حَاجَةٍ جُلُوسُ تَابِعِهَا) أي: تابع الجنازة (قَبْلَ وَضْعِهَا) بالأرض للدفن؛ لحديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: «إِذَا اتَّبَعْتُمْ جنَازَةً، فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ» [البخاري: ١٣١٠، ومسلم: ٩٥٩]، فإن احتاج الجلوس لم يكره؛ لما فيه من المشقة حينئذ.
٢ - (وَ) كره (تَجْصِيصُ قَبْرٍ) أي: تبييضه بالجص، وتزيينه؛ لحديث جابر ﵁: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» [مسلم: ٩٧٠].
٣ - (وَ) كره (بِنَاءُ) شيء على القبر؛ لحديث جابر ﵁ السابق.
وقيل: يحرم تجصيص القبر وتزيينه والبناء عليه؛ لظاهر النهي في حديث جابر ﵁ السابق، والنهي يقتضي التحريم، ولأنه وسيلة إلى تعظيم القبور والافتتان بها.
قال ابن القيم: (يجب هدم القباب التي على القبور؛ لأنها أسست على معصية الرسول).
[ ١ / ٤٤٥ ]
٤ - (وَ) كره (كِتَابَةٌ) على القبر؛ لحديث جابر السابق، وفي رواية الترمذي (١٠٥٢): " وأن يكتب عليها ".
وقيل: تحرم الكتابة على القبر؛ لظاهر النهي في حديث جابر، والنهي يقتضي التحريم.
- فرع: لا بأس بوضع علامة غير الكتابة على القبر، كخشبة ونحوها؛ لحديث المطَّلِب قال: لما مات عثمان بن مظعون، أخرج بجنازته فدفن، فأمر النبي ﷺ رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله ﷺ، وحسر عن ذراعيه، ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: «أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» [أبو داود: ٣٢٠٦].
٥ - (وَ) كره (مَشْيٌ) على قبر، (وَ) كره (جُلُوسٌ عَلَيْهِ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» [مسلم: ٩٧١].
وقيل: يحرم؛ لظاهر حديث أبي هريرة السابق؛ ولأن حرمة المسلم ميتًا كحرمته حيًا.
٦ - (وَ) كره (إِدْخَالُهُ) أي: القبر (شَيْئًا مَسَّتْهُ النَّارُ) كآجُرٍّ، اتفاقًا؛ تفاؤلًا بألَّا تمسه النار، قال إبراهيم النخعي: «كانوا يكرهون الآجر في قبورهم» [مصنف ابن أبي شيبة: ١١٧٦٩].
٧ - (وَ) كره (تَبَسُّمٌ)، والضحك أشد، (وَ) كره (حَدِيثٌ بِأَمْرِ الدُّنْيَا عِنْدَه)
[ ١ / ٤٤٦ ]
أي: عند القبر؛ لأنه غير لائق بالحال.
- مسألة: (وَحَرُمَ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ) معًا، أو واحدًا بعد آخَرَ قبل بِلى السابق (فِي قَبْرٍ) واحد؛ لأنه ﷺ كان يدفن كل ميت في قبر، وعلى هذا استمر فعل الصحابة ومن بعدهم.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه يكره؛ لعدم الدليل على التحريم، وإنما الوارد فعل، والفعل لا يدل على إيجاب ولا تحريم.
- فرع: لا يدفن اثنان في قبر واحد (إِلَّا) في حالتين:
١ - (لِضَرُورَةٍ) ككثرة الموتى، وقلة من يدفنهم، وخوف الفساد عليهم؛ لحديث هشام بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم أُحُد: «ادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» [أحمد: ١٦٢٦١، وأبو داود: ٣٢١٥، والترمذي: ١٧١٣، والنسائي: ٢٠١٠].
٢ - إذا بَلِيَ الأولُ وصار رميمًا، ويُرجع في ذلك إلى أهل الخبرة، فلا ينبش قبر ميت لميت آخر؛ لما فيه من هتك حرمته.
- مسألة: إهداء القرب للميت، وهي على قسمين:
القسم الأول: قُرب يجوز إهداؤها للميت اتفاقًا، وهي:
١ - الدعاء والاستغفار؛ لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) [الحشر: ١٠]، ولحديث أبي
[ ١ / ٤٤٧ ]
هريرة ﵁ مرفوعًا: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [مسلم: ١٦٣١].
٢ - العبادات المالية، كالصدقة والعتق؛ لحديث عائشة ﵂: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي افْتُلِتَت نفسُها ولم تُوصِ، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نَعَمْ» [مسلم: ١٠٠٤].
القسم الثاني: قُرب تُنُوزع في جواز إهدائها للميت، وهي باقي العبادات؛ كالصلاة والصوم والحج وغيرها، والمذهب الجواز، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث بُريدة ﵁ قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ، إذ أتته امرأة، فقالت: يا رسول الله، إنَّهُ كان عليها - أي: أمها - صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: «صُومِي عَنْهَا»، قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: «حُجِّي عَنْهَا» [مسلم: ١١٤٩]، ويقاس باقي العبادات على ما تقدم من النصوص، سواء كانت تدخلها النيابة كصوم وحج، أو لا تدخلها النيابة كالصلاة ونحوها، وإلى ذلك أشار المؤلف بقوله: (وَأَيُّ قُرْبَةٍ فُعِلَتْ) من مسلم (وَجُعِلَ ثَوَابُهَا لِمُسْلِمٍ) غيره (حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ نَفَعَهُ) ذلك، قال أحمد: (الميت يَصِل إليه كل شيء من الخير).
وأما قوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)، فالمعنى: أنه لا يملك سعي غيره، لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعي غيره كما ينتفع الرجل بكسب غيره، وحديث: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ»، دل
[ ١ / ٤٤٨ ]
على انقطاع عمل الإنسان نفسه، لا على عدم انتفاعه بعمل غيره.
- فرع: يستحب إهداء القرب للميت؛ لما تقدم.
وقال شيخ الإسلام: (لم يكن من عادة السلف إهداء ذلك إلى موتى المسلمين، بل كانوا يدعون لهم، فلا ينبغي الخروج عنهم).
فصل