الفطر: اسمُ مصدرٍ مِنْ: أفطر الصائم إفطارًا، وأضيفت إلى الفطر؛ لأنه سبب وجوبها، فهو من إضافة الشيء إلى سببه، ويراد بها: الصدقة عن البدن والنفس.
- مسألة: (وَتَجِبُ الفِطْرَةُ) أي: زكاة الفطر بشرطين:
الشرط الأول: الإسلام، وأشار إليه بقوله: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)، ذكر
[ ١ / ٤٩٨ ]
وأنثى، صغير وكبير، من أهل البوادي وغيرهم؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» [البخاري ١٥٠٣، ومسلم ٩٨٤].
الشرط الثاني: ألا يكون عليه دَيْن يُطَالب به؛ فإن كان عليه دين يطالب به صاحبه قدّمه؛ لأن الزكاة وجبت مواساة، وقضاء الدَّين أهم.
وإن لم يكن يطالب به، أدى زكاة الفطر، واختاره شيخ الإسلام؛ لتأكدها، بدليل وجوبها على الفقير، وشمولها لكل مسلم قَدَر على إخراجها، فجرى مجرى النفقة.
وهذا بخلاف زكاة المال، فإن الدَّين يمنعها مطلقًا، طالب به صاحبه أم لا، وقد سبق.
الشرط الثالث: الغنى، وضابطه هنا ما أشار إليه بقوله: (إِذَا كَانَتِ) الفطرة (فَاضِلَةً عَنْ):
١ - (نَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ)، كنفقة زوجة وعيال؛ لأن ذلك أهم، فيجب تقديمه؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعًا: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا» [مسلم ٩٩٧].
[ ١ / ٤٩٩ ]
والمعتبر أن يكون صاع الفطرة فاضلًا عن النفقة الواجبة (يَوْمَ العِيدِ وَلَيْلَتَهُ)، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث ابن عمر السابق، حيث لم يشترط نصابًا، فاعتبر مِلك الصاع وقت الوجوب.
٢ - (وَ) أن تكون الفطرة فاضلة عن (حَوَائِجَ أَصْلِيَّةٍ) لنفسه، ولمن تلزمه مؤنته، من مسكن وخادم ودابة وثياب بِذْلة؛ لأن هذه الأشياء مما تتعلق به حاجته الأصلية، فهو كنفقته يوم العيد، والقاعدة: (أن الحوائج الأصلية لا تعد مالًا فاضلًا).
- مسألة: (فَـ) إذا فضل له شيء عن ذلك وجب عليه أن (يُخْرِجَ) زكاة الفطر (عَنْ):
١ - (نَفْسِهِ)؛ لحديث جابر السابق: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ».
٢ - (وَ) عن كل (مُسْلِمٍ يَمُونُهُ)، وهو من المفردات، ويشمل ذلك: الزوجاتِ، والأقاربَ، والعبيدَ ونحوَهم؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَالْحُرِّ وَالعَبْدِ مِمَّنْ تَمُونُونَ» [الدارقطني ٢٠٧٨، وقال: الصواب وقفه]، وعن نافع، عن ابن عمر ﵄: «أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ، صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ عَمَّنْ يَعُولُ، وَعَنْ رَقِيقِهِ، وَعَنْ رَقِيقِ نِسَائِهِ» [الدارقطني ٢٠٧٩]، وحكي إجماعًا في الأولاد الصغار والعبيد.
[ ١ / ٥٠٠ ]
- فرع: لا تلزمه فطرة من يمونه من الكفار؛ لأنها طهرة للمُخْرَج عنه، ولا يطهِّره إلا الإسلام.
- مسألة: (وَتُسَنُّ) زكاة الفطر (عَنْ جَنِينٍ)، وهو من المفردات؛ لوروده عن عثمان ﵁ [مصنف ابن أبي شيبة ١٠٧٣٧، وفيه انقطاع]، وقال أبو قِلابة: «كَانُوا يُعْطُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، حَتَّى يُعْطُونَ عَنِ الحَبَلِ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٠٧٣٨].
ولا تجب اتفاقًا؛ لأنها لو تعلقت به قبل ظهوره لتعلقت الزكاة بأجنة السوائم.
- مسألة: أوقات إخراج زكاة الفطر:
الوقت الأول: وقت الوجوب: وأشار إليه بقوله: (وَتَجِبُ) أي: زكاة الفطر (بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ) عيد (الفِطْرِ)؛ لحديث ابن عمر السابق: «فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ»، فأضاف الصدقة إلى الفطر، فكانت واجبة به، لأن الإضافة تقتضي الاختصاص، وأول فطر يقع من جميع رمضان يكون بمغيب الشمس من ليلة الفطر.
- فرع: يترتب على وقت الوجوب: ما لو أسلم، أو أيسر، أو تزوج، أو وُلد له، أو مَلَك عبدًا بعد غروب شمس ليلة عيد الفطر؛ لم تلزمه فطرته؛ لعدم وجود سبب الوجوب، وقبل الغروب تلزمه؛ لوجود السبب.
[ ١ / ٥٠١ ]
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: إذا أيسر يوم العيد فتجب عليه (١).
(وَ) الوقت الثاني: وقت الجواز، فـ (تَجُوزُ) الفطرة، أي: إخراجها (قَبْلَهُ) أي: قبل العيد بيوم، أو (بِيَوْمَيْنِ فَقَطْ)، ولا يجوز قبل ذلك، وهو من المفردات؛ لحديث ابن عمر السابق، وفي آخره: «وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ»، فلا تجزئ قبله بأكثر من يومين؛ لفوات الإغناء المأمور به في حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ» [الدارقطني ٢١٣٣، وفيه أبو معشر وهو ضعيف].
وعنه: يجوز تقديمها بثلاثة أيام؛ لما ورد عن نافع: «أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَبْعَثُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَى الَّذِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ، قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ» [الموطأ ١/ ٢٨٥].
(وَ) الوقت الثالث: وقت الاستحباب، بأن يخرجها (يَوْمَهُ) أي: يوم العيد (قَبْلَ الصَّلَاةِ)، وهو (أَفْضَلُ) وقتٍ لإخراجها اتفاقًا؛ لحديث ابن عمر السابق، وفيه: «وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ».
(وَ) الوقت الرابع: وقت الكراهة، فـ (تُكْرَهُ) الفطرة، أي: إخراجها (فِي بَاقِيهِ)، أي: باقي يوم العيد بعد الصلاة؛ لمخالفته الأمرَ بالإخراج قبل
_________________
(١) هكذا في الإنصاف (٧/ ١٥)، وفي الاختيارات للبعلي (١٥١): (ومن عجز عن صدقة الفطر وقت وجوبها عليه، ثم أيسر فأداها؛ فقد أحسن).
[ ١ / ٥٠٢ ]
الخروج إلى المصلى، وتجزئ؛ لحصول الإغناء في هذا اليوم.
(وَ) الوقت الخامس: وقت التحريم، فـ (يَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا عَنْهُ) أي: عن يوم العيد بعد الغروب، فإن أخَّرها متعمدًا أثِمَ اتفاقًا؛ لتأخيره الواجب عن وقته، ولمخالفته الأمر، (وَتُقْضَى وُجُوبًا) اتفاقًا؛ لأنها عبادة، فلم تسقط بخروج الوقت؛ كالصلاة.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يجوز تأخيرها بعد صلاة العيد؛ لحديث ابن عمر السابق، وفيه: «وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ»، ولحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» [أبو داود ١٦٠٦، وابن ماجه ١٨٢٧].
واختار ابن عثيمين: أنه إن أخرها بعد صلاة العيد متعمدًا أثم ولا يقضي؛ للقاعدة: (أن كل عبادة مؤقتة إذا تعمد المسلم إخراجها عن وقتها لم تقبل)، وإن أخرها لعذر لم يأثم، ويقضي؛ قياسًا على الصلاة.
- مسألة: (وَهِيَ) أي: الفطرة: (صَاعٌ مِنْ بُرٍّ، أَوْ) صاع من (شَعِيرٍ، أَوْ) صاع من (سَوِيقِهِمَا) أي: سويق البر أو الشعير، (أَوْ) صاع من (دَقِيقِهِمَا، أَوْ) صاع من (تَمْرٍ، أَوْ) صاع من (زَبِيبٍ، أَوْ) صاع من (أَقِطٍ)، ولا يجزئ
[ ١ / ٥٠٣ ]
غيرها مع قدرته على تحصيلها، وهو من المفردات؛ لقول أبي سعيد ﵁: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ» [البخاري ١٥٠٦، ومسلم ٩٨٥]، فلما عدد الأصناف، دل على عدم جواز العدول عنها.
وأما إجزاء السويق والدقيق؛ فلرواية أبي داود [١٦١٨]، والنسائي [٢٥٢١]: «أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ»، ولأنه أولى من الحب في الإجزاء؛ لأن الفقير كُفِي مؤنةَ الطحن، كتمر نُزع حبه.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه يجزئ كلُّ ما كان من قوت أهل البلد كالأَرُز ونحوه، ولو قدر على الأصناف الخمسة؛ لأن الأصل في الصدقات أنها مواساة للفقراء، وقد قال تعالى: (من أوسط ما تطعمون به أهليكم) [المائدة: ٨٩]، ولحديث أبي سعيد السابق، وفيه: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ»، وقياسًا على الأصناف الخمسة المنصوصة.
- فرع: الواجب صاع، سواء أخرجها من البُرِّ أو غيره؛ لحديث أبي سعيد السابق، وفيه: «فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ، قَالَ: أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ»، وفي رواية مسلم: قال أبو سعيد: «فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ، أَبَدًا مَا عِشْتُ».
واختار شيخ الإسلام: أنه يجزى نصف صاع من البر، وقال: (هو قياس قول أحمد في الكفارات)؛ لقول الحسن: (خطب ابن عباس ﵄ في آخر
[ ١ / ٥٠٤ ]
رمضان على منبر البصرة، فقال: «مَنْ هَهُنَا مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ؟ قُومُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ»، فلما قدم علي ﵁ رأى رخص السعر، قال: «قَدْ أَوْسَعَ الله عَلَيْكُمْ، فَلَوْ جَعَلْتُمُوهُ صَاعًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» [أحمد ٣٢٩١، أبو داود ١٦٢٢، والنسائي ٢٥١٥]، قال الحافظ: (أسند ابن المنذر - أي: في إجزاء نصف صاع من البر- عن عثمان، وعلي، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير، وأمه أسماء بنت أبي بكر ﵃ بأسانيد صحيحة) [فتح الباري ٣/ ٣٧٤، وينظر: مصنف عبد الرزاق ٣/ ٣١١ وما بعدها].
- فرع: على القول بجواز إخراج كل ما كان قوتًا لأهل البلد، فإن كان المُخْرَج موزونًا وتعذر كيله؛ رُجع فيه إلى الوزن. قاله ابن عثيمين.
- فرع: (وَالأَفْضَلُ: تَمْرٌ)؛ لفعل ابن عمر ﵄ [البخاري ١٥١١]، ولأنه قوت وحلاوة، وأقرب تناولًا وأقل كلفة، (فَزَبِيبٌ)؛ لأنه في معنى التمر فيما تقدم، (فبُرٌّ)؛ لأنه أنفع في الاقتيات، وأبلغ في دفع حاجة الفقير، (فَأَنْفَعُ) للفقير، فشعير، فدقيق بُرٍّ، فدقيق شعير، فسَوِيق البُرِّ، فسويق الشعير، فأقط.
وقيل: الأفضل أنفع الأجناس وأعلاها قيمة؛ لحديث أبي ذر ﵁: أيُّ الرقاب أفضل؟، فقال ﷺ: «أَعْلاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» [البخاري ٢٥١٨، ومسلم ٨٤].
[ ١ / ٥٠٥ ]
- مسألة: (فَإِنْ عَدِمَتِ) الأصناف الخمسة: (أَجْزَأَ كُلُّ حَبٍّ يُقْتَاتُ)، وثمرٍ يقتات، إذا كان مكيلًا، كالذُّرة، والدُخْن، والأرز، والعدس، والتين اليابس؛ لأنه أشبه بالمنصوص عليه، فكان أولى.
- مسألة: (وَيَجُوزُ إِعْطَاءُ جَمَاعَةٍ) ممن يستحقها (مَا يَلْزَمُ الوَاحِدَ) من الفطرة، قال في الشرح: (لا نعلم فيه خلافًا)؛ لأنه دفع الصدقة إلى مستحقها.
(وَعَكْسُهُ)، بأن يعطيَ الواحد ما يلزم الجماعة، واختاره شيخ الإسلام؛ لأنها صدقة لغير معين، فجاز صرفها لواحد، كالزكاة.
- فرع: مصرف زكاة الفطر مصرف زكاة الأموال، فتُعْطى للأصناف الثمانية فقط؛ لدخول صدقة الفطر في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ٠٠٠﴾ الآية التوبة: ٦٠.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يجوز دفعها إلا لمن يستحق الكفارة، وهو ممن يأخذها لحاجته، فلا تصرف للمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب وغير ذلك؛ لأن صدقة الفطر سببها البدن، وليس المالَ، من حيث إنها طهرة للصائم، فكانت أشبه بالكفارات، ولذلك أوجبها الله طعامًا، كما أوجب للكفارة طعامًا.
[ ١ / ٥٠٦ ]