أولًا: المريض.
- مسألة: مراتب صلاة المريض ستة:
المرتبة الأولى: يجب أن (يُصَلِّيَ المَرِيضُ) الصلاة المكتوبة (قَائِمًا)
[ ١ / ٣٣٥ ]
إجماعًا؛ لحديث عمران بن حصين ﵁ مرفوعًا: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» [البخاري ١١١٧]، ولو كان كراكع، أو معتمدًا أو مستندًا على حائط ونحوه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [البخاري ٧٢٨٨، ومسلم ١٣٣٧].
المرتبة الثانية: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ) القيام، بأن كان عاجزًا عنه، أو شق عليه القيام لضرر يلحق به، أو زيادة مرض أو تأخر برء، (فَقَاعِدًا)؛ لحديث عمران السابق، ويكون متربعًا حال القعود استحبابًا؛ لقول عائشة ﵂: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا» [النسائي ١٦٦١، والدارقطني ١٤٨١]، ويَثْني رجليه في ركوع وسجود، وكيف قعد جاز.
وقال ابن عثيمين: يجوز أن يصلي قاعدًا إذا شق عليه مشقة يزول معها الخشوع؛ لقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، ولأن الخشوع لب الصلاة، تُترك له الجمعة والجماعة، فترك القيام كذلك.
المرتبة الثالثة: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ) القعود أو شق عليه، كما تقدم في القيام، (فَـ) ـإنه يصلي (عَلَى جَنْبٍ)؛ لحديث عمران السابق.
- فرع: (وَ) صلاته على الجنب (الأَيْمَنِ أَفْضَلُ) من الصلاة على الجنب الأيسر؛ لعموم حديث عائشة ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ،
[ ١ / ٣٣٦ ]
وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» [البخاري: ١٦٨، ومسلم ٢٦٨]، ولحديث علي ﵁ مرفوعًا: «يُصَلِّي المَرِيضُ قَائِمًا إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى قَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ أَوْمَأَ، وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِه، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا وَرِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ»» [الدارقطني ١٧٠٦، قال الذهبي: حديث منكر]، فإن صلى على الأيسر صح؛ لظاهر حديث عمران السابق، ولأن المقصود استقبال القبلة، وهو حاصل بذلك.
- مسألة: (وَكُرِهَ) صلاة المريض (مُسْتَلْقِيًا) على ظهره ورجلاه إلى القبلة (مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى) الصلاة على (جَنْبٍ)؛ للاختلاف في صحة صلاته إذن، وتصح؛ لأنه نوع استقبال، ولهذا يوجه الميت كذلك عند الموت.
وعنه، واختاره ابن قدامة وابن عثيمين: لا يصح؛ لأنها هيئة نص عليها الشارع، كما في حديث عمران السابق: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
المرتبة الرابعة: وأشار إليها بقوله: (وَإِلَّا) بأن لم يستطع الصلاة على جنب، (تَعَيَّنَ) أن يصلي مستلقيًا على ظهره ورجلاه إلى القبلة، لما سبق.
- مسألة: (وَيُومِئُ) العاجز عن الركوع والسجود (بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ) ما
[ ١ / ٣٣٧ ]
أمكنه؛ لحديث أبي هريرة السابق: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، (وَيَجْعَلُهُ) أي: الإيماءَ بالسجود (أَخْفَضَ) من ركوعه، وجوبًا؛ لحديث علي السابق، وليتميز أحدهما عن الآخر.
- فرع: قال ابن عثيمين: (إذا صلى على جنبه: فإنه يومئ برأسه إلى صدره بالركوع والسجود، ولا يكون إيماؤه إلى الأرض؛ لأن الإيماء إلى الأرض فيه نوع التفات عن القبلة، بخلاف الإيماء إلى الصدر، فإن الاتجاه باق إلى القبلة).
المرتبة الخامسة: (فَإِنْ عَجَزَ) عن الإيماء برأسه (أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ) أي: بعينه، (وَنَوَى بِقَلْبِهِ؛ كَأَسِيرٍ خَائِفٍ) أن يعلموا بصلاته؛ لما روى زكريا الساجي عن علي ﵁ مرفوعًا: «فَإنْ لَم يَسْتَطع أَوْمَأَ بطَرفِه» [لم نقف عليه مسندًا].
واختار شيخ الإسلام: لا يلزمه الإيماء بطرفه؛ لعدم ثبوته.
المرتبة السادسة: (فَإِنْ عَجَزَ) عن الإيماء بطرفه، (فَـ) ـإنه يصلي (بِقَلْبِهِ مُسْتَحْضِرَ القَوْلِ) إن عَجَزَ عنه بلفظه، (وَ) مستحضرَ (الفِعْلِ) بقلبه؛ لأن الصلاة عبارة عن أقوال وأفعال ونية، فإن عَجَزَ عن بعضها لم يسقط بعضها الآخر، قال تعالى: (فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ)، وفي حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، (وَلَا يَسْقُطُ فِعْلُهَا) أي: الصلاة عن المكلف (مَا دَامَ العَقْلُ ثَابِتًا)؛ لقدرته على أن ينوي
[ ١ / ٣٣٨ ]
بقلبه، ولعموم أدلة وجوب الصلاة.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن من عَجَزَ عن الإيماء برأسه سقطت عنه الصلاة؛ لظاهر حديث عمران السابق؛ فإن النبي ﷺ لم يرشده إلى مرتبة بعدها.
- مسألة: (فَإِنْ طَرَأَ عَجْزٌ) لقادر، (أَوْ قُدْرَةٌ) لعاجز (فِي أَثْنَائِهَا) أي: الصلاة، (انْتَقَلَ) إلى المرتبة التي يستطيعها؛ لتعينها عليه، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فينتقل إلى القيام من قَدَرَ عليه، وإلى الجلوس من عَجَزَ عن القيام، (وَبَنَى) الصلاة ولم يستأنف؛ لأن الأول وقع صحيحًا للعذر، وما ترتب على المأذون غير مضمون.
(فَصْلٌ)