سمي يومُ العيد بذلك؛ لأنه يعود ويتكرر لأوقاته، وفي الاصطلاح: يوما الفطر والأضحى.
- مسألة: (وَصَلَاةُ العِيدَيْنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قال قتادة: هي صلاة العيد [تفسير الطبري ٢٤/ ٦٥٤].
[ ١ / ٣٨٣ ]
والأمر يقتضي الوجوب، وكونها على الكفاية؛ لحديث طلحة ﵁ مرفوعًا: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»، فقال الأعرابي: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» [البخاري: ٤٦، ومسلم: ١١]، ولأنها من الشعائر الظاهرة فلا تتعين، كالأذان.
واختار شيخ الإسلام: أنها فرض عين؛ لحديث أم عطية ﵂: «أَمَرَنَا - تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ - أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ» [البخاري: ٩٧٤، ومسلم: ٨٩٠]، فإذا كانت المرأة مأمورة فالرجل من باب أولى، وحديث الأعرابي محمول على الصلوات اليومية التي تتكرر.
- مسألة: (وَ) أول (وَقْتِهَا) أي: صلاة العيد (كَـ) أول وقت (صَلَاةِ الضُّحَى)؛ لأنه ﷺ ومن بعده لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس، ذكره في المبدع، فعن عبد الله بن بُسْر ﵁: أنه خرج مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، فقال: «إِنَّا كُنَّا قَدْ فَرَغْنَا سَاعَتَنَا هَذِهِ»، وذلك حين التَّسْبيح. [البخاري معلقًا بصيغة الجزم ٢/ ١٩، وأبو داود: ١١٣٥، وابن ماجه: ١٣١٧].
(وَآخِرُهُ) أي: آخر وقت صلاة العيد، عند (الزَّوَالِ) أي: زوال الشمس؛ لحديث أبي عمير الآتي.
[ ١ / ٣٨٤ ]
- مسألة: (فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِالعِيدِ إِلَّا بَعْدَهُ) أي: بعد زوال الشمس (صَلَّوْا مِنَ الغَدِ قَضَاءً)؛ لما روى أبو عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار، قالوا: «غُمَّ عَلَيْنَا هِلَالُ شَوَّالٍ، فَأَصْبَحْنَا صِيَامًا، فَجَاءَ رَكْبٌ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ، فَشَهِدُوا عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ الناسَ أَنْ يُفْطِرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ، وَأَنْ يَخْرُجُوا لِعِيدِهِمْ مِنَ الْغَدِ» [أحمد: ٢٠٥٨٤، وأبو داود: ١١٥٧، والنسائي: ١٥٥٧، وابن ماجه: ١٦٥٣].
- مسألة: (وَشُرِطَ لِوُجُوبِهَا) أي: وجوب صلاة العيد ما تقدم من (شُرُوطِ) وجوب صلاة (جُمُعَةٍ)؛ لأنها صلاة لها خطبة راتبة أشبهت الجمعة.
- مسألة: (وَ) شُرِط (لِصِحَّتِهَا) أي: صحة صلاة العيد: (اسْتِيطَانٌ، وَعَدَدُ الجُمُعَةِ)، فلا تقام إلا حيث تقام الجمعة؛ لأن النبي ﷺ وافق العيد في يوم حجته ولم يصل.
- مسألة: (لَكِنْ يُسَنُّ لِمَنْ فَاتَتْهُ) صلاة العيد (أَوْ) فاته (بَعْضُهَا أَنْ يَقْضِيَهَا) في يومها، قبل الزوال أو بعده؛ لما ورد عن أنس بن مالك ﵁: «أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ فِي مَنْزِلِهِ بِالزَّاوِيَةِ، فَإِذَا لَمْ يَشْهَدِ الْعِيدَ بِالْبَصْرَةِ جَمَعَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَوَالِيَهُ، ثُمَّ يَأْمُرُ مَوْلَاهُ عَبْدَ الله بْنَ أَبِي عُتْبَةَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ»
[ ١ / ٣٨٥ ]
[البخاري معلقًا بصيغة الجزم ٢/ ٢٣، ووصله ابن أبي شيبة: ٥٨٥٥].
- فرع: القضاء له صفتان:
١ - صفة مستحبة وأشار إليه بقوله: (وَ) قضاؤها (عَلَى صِفَتِهَا) الآتي ذكرُها (أَفْضَلُ)؛ لأن القضاء يحكي الأداء.
٢ - صفة مجزئة: أن يقضيها كسائر النوافل.
واختار شيخ الإسلام: لا يشرع قضاؤها؛ لأن إخراج ذوات الخدور إليها يدل على أنها صلاة لا تفعل إلا جماعة، وقياسًا على صلاة الجمعة، وأما أثر أنس ففيه نعيم بن حماد وهو ضعيف.
- مسألة: في سنن صلاة العيد:
١ - (وَتُسَنُّ) صلاة العيد (فِي صَحْرَاءَ) قريبةٍ عرفًا؛ لقول أبي سعيد ﵁: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى» [البخاري: ٩٥٦، ومسلم: ٨٨٩].
وتكره صلاة العيد في الجامع، إلا:
أ) في مكة، فإن الأفضل أن تكون فيه؛ قال الشافعي: (بلغَنا أن رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة، وكذلك من كان بعده، وعامة أهل البلدان، إلا أهلَ مكة فإنه لم يبلغنا أن أحدًا من السلف
[ ١ / ٣٨٦ ]
صلى بهم عيدًا إلا في مسجدهم، وأحسب ذلك والله تعالى أعلم؛ لأن المسجد الحرام خير بقاع الدنيا، فلم يحبوا أن يكون لهم صلاة إلا فيه ما أمكنهم).
ب) لعذر، كمطر ونحوه؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّهُ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ» [أبو داود: ١١٦٠، وابن ماجه: ١٣١٣]، ولأثر علي أنه استخلف أبا مسعود البدري ﵄ يصلي بالناس. [النسائي: ١٥٦١].
٢ - (وَ) يسن (تَأْخِيرُ صَلَاةِ) عيد (فِطْرٍ) قال في الشرح: (لا أعلم فيه خلافًا)؛ لما روى الشافعي مرسلًا: «أن النبي ﷺ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَهُوَ بِنَجْرَانَ: عَجِّلِ الْأَضْحَى، وَأَخِّرِ الْفِطْرَ، وَذَكِّرِ النَّاسَ» [البيهقي: ٦١٤٩، وهو ضعيف]، ولِيَتمكَّنَ مَن لم يُخرج زكاةَ الفطر من إخراجها قبل الصلاة.
٣ - (وَ) يسن (أَكْلٌ قَبْلَهَا) أي: قبل الخروج لصلاة عيد الفطر، قال ابن قدامة: (لا نعلم فيه خلافًا)؛ لحديث أنس ﵁: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» [البخاري: ٩٥٣]، ولحديث بريدة الأسلمي ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ» [أحمد: ٢٢٩٨٤، والترمذي: ٥٤٢، وابن ماجه: ١٧٥٤].
٤ - (وَ) يسن (تَقْدِيمُ) صلاة عيد (أَضْحَى)؛ لما تقدم من حديث كتاب عمرو بن حزم ﵁، ولِيتَّسِعَ وقت الأضحية لأنها لا تجوز إلَّا بعد الصلاة.
[ ١ / ٣٨٧ ]
٥ - (وَ) يسن (تَرْكُ أَكْلٍ قَبْلَهَا) أي: قبل صلاة الأضحى (لِمُضَحٍّ)؛ حتى يأكل من أضحيَّتِه بعد الصلاة؛ لما تقدم من حديث بُريدة، فإن لم يضحِّ فإنه يأكل قبل الصلاة.
- مسألة: (وَ) صفة صلاة العيد:
١ - أن (يُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ) إجماعًا، لحديث ابن عباس ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» [البخاري: ٩٦٤، ومسلم: ٨٨٤].
٢ - ويشترط أن تكون الصلاة (قَبْلَ الخُطْبَةِ)؛ لقول ابن عمر ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ» [البخاري: ٩٦٣، ومسلم: ٨٨٨]، فلو قدم الخطبة لم يعتد بها.
٣ - و(يُكَبِّرُ فِي الأُولَى بَعْدَ) تكبيرة الإحرام وبعد (الاسْتِفْتَاحِ)؛ لأن تكبيرة الإحرام والاستفتاح لأول الصلاة، (وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ وَالقِرَاءَةِ)؛ لأن الاستعاذة للقراءة وليست للصلاة، فتكون ملحقة بالقراءة، (سِتًّا) زوائدَ، (وَ) يكبر (فِي) الركعة (الثَّانِيَةِ قَبْلَ القِرَاءَةِ خَمْسًا) زوائدَ؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً،
[ ١ / ٣٨٨ ]
سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ، وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا» [أحمد: ٦٦٨٨، وأبو داود: ١١٥٢، وابن ماجه: ١٢٧٩].
وعنه: يكبر في الأولى خمسًا، وفي الثانية أربعًا؛ لما صح عن عبد الله بن الحارث قال: «صلى بنا ابن عباس يوم عيد، فكبر تسع تكبيرات، خمسًا في الأولى، وأربعًا في الآخرة، والى بين القراءتين» [ابن أبي شيبة: ٥٧٠٨].
قال أحمد: (اختلف أصحاب النبي ﷺ في التكبير وكله جائز).
قال شيخ الإسلام: (وأكثر الصحابة والأئمة يكبرون سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية).
- فرع: التكبيرات الزوائد سنة، قال في الشرح: (بغير خلاف بين العلماء).
٤ - (رَافِعًا يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ)؛ لقول وائل بن حُجْرٍ ﵁: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» [أحمد: ١٨٨٤٨] قال أحمد: (فأرى أن يدخل فيه هذا كلُّه)، وصح عن ابن عمر ﵄ موقوفًا: «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجِنَازَةِ» [ابن أبي شيبة: ١١٣٨٠]، فتكون تكبيرات العيد مثل ذلك.
٥ - (وَيَقُولُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ: «الله أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ لِلهِ كَثِيرًا،
[ ١ / ٣٨٩ ]
وَسُبْحَانَ الله بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا»، أَوْ) يقول (غَيْرَهُ) من الذِّكْر، فليس الذكر مخصوصًا بذكر معين؛ لما ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «تَبْدَأُ فَتُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً تَفْتَتِحُ بِهَا الصَّلَاةَ، وَتَحْمَدُ رَبَّكَ، وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ» الحديث [البيهقي: ٦١٨٦]، واختاره شيخ الإسلام.
واختار ابن القيم: أنه يسكت سكتةً يسيرة ولا يقول شيئًا؛ لعدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ. (١)
٦ - (ثُمَّ يَقْرَأُ) جهرًا؛ لقول ابن عمر ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الِاسْتِسْقَاءِ» [الدارقطني: ١٨٠٣، وهو ضعيف]، ولأن الصحابة ﵃ نقلوا عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ بالأعلى والغاشية كما سيأتي، فالظاهر أنه كان يجهر بها.
٧ - فيقرأ استحبابًا (بَعْدَ الفَاتِحَةِ فِي) الركعة (الأُولَى) سورة (سَبِّحْ) أي: سورة الأعلى، (وَ) في الركعة (الثَّانِيَةِ) يقرأ سورة (الغَاشِيَةِ)؛ لقول سمرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» [أحمد: ٢٠٠٨٠].
_________________
(١) ثم قال ابن القيم بعد ذلك: (ولكن ذُكِر عن ابن مسعود أنه قال: يحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ، ذكره الخلال) [زاد المعاد ١/ ٤٢٧].
[ ١ / ٣٩٠ ]
وورد في السنة أيضًا: أنه يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بسورة (ق) وفي الركعة الثانية بسورة (القمر)؛ فعن عمر بن الخطاب أنه سأل أبا واقدٍ اللَّيثِيَّ ﵄: مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ: «كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)، وَ(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)» [مسلم: ٨٩١].
٨ - (ثُمَّ) بعد السلام من الصلاة (يَخْطُبُ) قائمًا خطبتين اتفاقًا (كَخُطْبَتَيِ الجُمُعَةِ) في أحكامها؛ لقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: «السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ الإِمَامُ فِي العِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» [مسند الشافعي ص ٧٧، وهو ضعيف لإرساله]، وقياسًا على خطبة الجمعة.
- فرع: الخطبتان سنة؛ لما روى عبد الله بن السائب ﵁ قال: شَهِدْتُ مع رسول الله ﷺ العيد، فلما قَضَى الصلاة قال: «إِنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ» [أبو داود: ١١٥٥، وابن ماجه: ١٢٩٠]، ولو وجبت لوجب حضورها واستماعها.
وقيل: واجبة على الإمام دون غيره؛ لأنه هدي النبي ﷺ، ولئلا ينصرف الناس بلا تذكير ولا موعظة.
- فرع: (لَكِنْ) تخالف خطبةَ الجمعة في أنه (يَسْتَفْتِحُ الأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ) نسقًا، (وَ) يستفتح الخطبة (الثَّانِيَةَ بِسَبْعِ) تكبيرات كذلك؛ لقول
[ ١ / ٣٩١ ]
عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة: «السُّنَّةُ التَّكْبِيرُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْعِيدِ، يَبْدَأُ خُطْبَتَهُ الْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ، وَيَبْدَأُ الْآخِرَةَ بِسَبْعٍ» [عبد الرزاق: ٥٦٧٣، وهو ضعيف لإرساله].
واختار شيخ الإسلام وابن القيم: أنه يفتتح كل الخطب بالحمد، العيدَ وغيرَها؛ لأن كل من وصف خطب النبي ﷺ يذكر أنه ابتدأها بالحمد لا غيره، والحديث المذكور ضعيف.
- فرع: (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ فِي) خطبة عيد (الفِطْرِ مَا يُخْرِجُونَ) جنسًا، وقدرًا، والوجوبَ، والوقتَ؛ لأن وقت زكاة الفطر باقٍ إلى انتهاء يوم العيد، على ما يأتي في زكاة الفطر.
وسيأتي أن آخر وقتها: إلى صلاة العيد؛ لقول ابن عباس ﵄: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» [أبو داود: ١٦٠٩]، وعليه فلا حاجة إلى أن يبين لهم ما يخرجون في زكاة الفطر؛ لخروج وقتها.
- فرع: (وَ) يبين لهم (فِي) خطبة عيد (الأَضْحَى مَا يُضَحُّونَ) به، وأحكامَ الأضحية؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ ذكر في خطبة الأضحى كثيرًا من أحكامها؛ كما في حديث البراء بن عازب [البخاري: ٩٥٥، ومسلم: ١٩٦١]، وغيره ﵃.
[ ١ / ٣٩٢ ]
- مسألة: (وَسُنَّ التَّكْبِيرُ) في العيدين، وهو على قسمين:
القسم الأول: التكبير (المُطْلَقُ) أي: الذي لم يُقَيَّدْ بأدبار الصلوات، وذلك في مواطن:
١ - في (لَيْلَتَيِ العِيدَيْنِ) في البيوت والأسواق والمساجد وغيرها، ويبدأ من غروب شمس ليلة العيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا الله﴾ [البقرة: ١٨٥]، فرتب التكبير على إكمال العدة أي: انتهاء شهر رمضان، إلى فراغ الإمام من خطبته؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: أنه يكبر حتى يبلغ الإمام. [ابن أبي شيبة: ٥٦١٩]، واختاره شيخ الإسلام.
- فرع: (وَ) التكبير في عيد (الفِطْرِ آكَدُ) من التكبير المطلق في عيد الأضحى؛ لثبوته بالنص، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا الله﴾ [البقرة: ١٨٥].
واختار شيخ الإسلام (١): أن التكبير في الفطر أوكد لكونه أمر الله به، وفي النحر أوكد من جهة أنه يشرع أدبار الصلوات، ومتَّفق عليه، ويجتمع فيه الزمان والمكان.
_________________
(١) هكذا في مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٢٢)، ومختصر الفتاوى المصرية (ص ٧٩)، والاختيارات الفقهية (ص ١٢٣). ونقل عنه المرداوي أخذًا من الفتاوى المصرية: أن التكبير في النحر أوكد. الإنصاف (٥/ ٣٦٩)، خلافًا لظاهر كلامه المتقدم.
[ ١ / ٣٩٣ ]
٢ - (وَ) الثاني: (مِنْ) فجر (أَوَّلِ) يوم من (ذِي الحِجَّةِ)؛ لقوله تعالى: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)، والأيام المعلومات هي أيام عشر ذي الحجة، ولما ورد عن ابن عمر وأبي هريرة ﵃: «أَنَّهُمَا كَانَا يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا» [البخاري معلقًا بصيغة الجزم ٢/ ٢٠، قال ابن حجر: لم أره موصولًا].
وآخر وقت التكبير: (إِلَى فَرَاغِ الخُطْبَةِ) من يوم العيد؛ لما تقدم.
واختار ابن عثيمين: أن آخر وقتها إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق؛ لقوله تعالى ﴿وَاذْكُرُوا الله فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾، والأيام المعدودات هي أيام التشريق، ولحديث نُبيشة الهُذَلي ﵁ مرفوعًا: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ» [مسلم: ١١٤١]، ولأن ابن عمر ﵄: «كان يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى فِرَاشِهِ، وَفِي فُسْطَاطِهِ، وَمَجْلِسِهِ، وَمَمْشَاهُ، تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا». [علقه البخاري بصيغة الجزم ٢/ ٢٠، ووصله الفاكهي في أخبار مكة: ٤/ ٢٢٨].
(وَ) القسم الثاني: التكبير (المُقَيَّدُ) وهو الذي يكون (عَقِبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ)؛ لحديث جابر ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حِينَ يُسَلِّمُ مِنَ الْمَكْتُوبَاتِ» [الدارقطني: ١٧٣٥، والبيهقي: ٢٤٩٤، وفيه ضعف]، قال الحافظ: (ولم يثبت فيه شيء عن
[ ١ / ٣٩٤ ]
النبي ﷺ، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة، علي وابن مسعود ﵄) [ابن أبي شيبة ٢/ ١٦٥].
- فرع: يشرع التكبير إذا صلى (فِي جَمَاعَةٍ) من عيد الأضحى، لا الفطر، أما إن صلى وحده فلا يكبر؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَمْ يُكَبِّرْ» [الأوسط: ٢٢١٢]، وقال ابن مسعود ﵁: «إِنَّمَا التَّكْبِيرُ عَلَى مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ» [الأوسط: ٢٢١٣].
- فرع: وقت التكبير المقيد:
- أوله: (مِنْ فَجْرِ عَرَفَةَ لِمُحِلٍّ)؛ وقيل لأحمد: (بأي حديث تذهب في ذلك قال: بإجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود) [ابن أبي شيبة: ٥٦٣١، فما بعده، وأثر ابن عباس أخرجه الحاكم: ١١١٤]، واختاره شيخ الإسلام.
(وَ) أول التكبير المقيد (لِمُحْرِمٍ: مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ)؛ لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية.
وقيل: لا فرق بين المُحِلِّ والمُحْرِمِ، فالمحرم يخلط بين التلبية والتكبير؛ لحديث أنس ﵁: «كَانَ يُلَبِّي المُلَبِّي، لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ المُكَبِّرُ، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ» [البخاري: ٩٧٠، ومسلم: ١٢٨٥].
- آخره: (إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)، سواء كان محلًا أم محرمًا؛ لما
[ ١ / ٣٩٥ ]
تقدم من الآثار في أنهم كانوا يكبرون إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
- فرع: صفة التكبير: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد)؛ لوروده عن علي وابن مسعود ﵄ [ابن أبي شيبة: ٥٦٥٣].
وقيل: يكبر وترًا: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد)؛ لوروده عن ابن مسعود ﵁ [ابن أبي شيبة: ٥٦٣٣].
واختار شيخ الإسلام: أنه من الصفات المتنوعة، فيفعل هذا تارة، وهذا تارة.
(فَصْلٌ)