- مسألة: (وَكُرِهَ فِيهَا) أي: في الصلاة:
أولًا: (الْتِفَاتٌ) برأس (وَنَحْوِهِ) كعينه، والالتفات أقسام:
١ - الالتفات بالقلب: ويكون بترك الخشوع في الصلاة، وهو مكروه، ولا يبطل الصلاة ولو طال؛ لحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ كَذَا، وَاذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى» [البخاري ٦٠٨، ومسلم ٣٨٩].
واختار شيخ الإسلام: وجوب الخشوع في الصلاة؛ لقول الله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) [البقرة: ٤٥]، وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين، والذم لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محرم.
٢ - الالتفات بالرأس أو بالعين: يكره (بِلَا حَاجَةٍ)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: «هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ العَبْدِ» [البخاري ٧٥١].
ويجوز للحاجة، لحديث سهل بن الحَنْظَلية ﵁: «ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ - يَعْنِي صَلَاةَ الصُّبْحِ -، فَجَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ»، قال
[ ١ / ٢٣٦ ]
أبو داود: «وكان أرسل فارسًا إلى الشِّعب من الليل يحرس» [أبو داود ٩١٦].
- فرع: يكره رفع البصر إلى السماء في الصلاة، إلا إذا تجشأ فيرفع رأسه لئلا يؤذي غيره؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاتِهِمْ»، فاشتد قوله في ذلك، حتى قال: «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» [البخاري ٧٥٠، ومسلم ٤٢٨].
واختار ابن حزم: يَحرم؛ لظاهر النهي في حديث أنس ﵁.
٣ - أن يلتفت بجميع بدنه: وهذا أشد كراهة، وإذا انحرف عن القبلة بطلت صلاته، إلا في شدة الخوف، أو من يصلي في الكعبة فلا تبطل.
٤ - أن يلتفت بوجهه وصدره فقط: فيكره ولا تبطل صلاته؛ لأنه لم يستدر بجملته.
ثانيًا: (وَ) كره في الصلاة (إِقْعَاءٌ) في الجلوس؛ لقول عائشة ﵂: «وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ» [مسلم ٤٩٨]، فسره أبو عبيدة وغيره بالإقعاء المنهي عنه، ويدخل في معنى الإقعاء:
١ - أن يفرش قدميه، ويجلس على عقبيه، هكذا فسره الإمام أحمد، وهو قول أهل الحديث.
٢ - قيل: الإقعاء جلوس الرجل على أَلْيتيه، ناصبًا فخذيه، مثل إقعاء الكلب، وهو تفسير أهل اللغة، قال ابن قدامة: ولا أعلم أحدًا قال
[ ١ / ٢٣٧ ]
باستحباب الإقعاء على هذه الصفة.
قال في شرح المنتهى: (وكل من الجلوسين مكروه).
٣ - قال في المحرر: هو أن ينصب قدميه، ويجلس على عقبيه.
وقيل: لا تكره هذه الصفة بل تستحب بين السجدتين؛ لقول ابن عباس ﵄: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَضَعَ أَلْيَتَيْك عَلَى عَقِبَيْك فِي الصَّلاةِ» [ابن أبي شيبة ٢٩٥٧، وأصله في مسلم ٥٣٦]، وورد أيضًا عن جابر وأبي سعيد وابن عمر وابن الزبير ﵃ [ابن أبي شيبة ١/ ٢٨٥].
ثالثًا: (وَ) كره فيها (افْتِرَاشُ ذِرَاعَيْهِ سَاجِدًا)، بأن يمدهما على الأرض مُلْصِقًا لهما بها؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ» [البخاري ٨٢٢، ومسلم ٤٩٣].
رابعًا: (وَ) كره في الصلاة (عَبَثٌ)؛ لأنه ينافي الخشوعَ في الصلاة.
- ضابط: (كل ما يَشْغَلُ المصليَ عن كمال الصلاة كره فعله)؛ لحديث عائشة ﵂ في قصة الأنبجانية، قال ﷺ: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَائتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاتِي» [البخاري ٣٧٣، ومسلم ٥٥٦].
خامسًا: (وَ) كره في الصلاة (تَخَصُّرٌ)، بأن يضع يده على خاصرته؛
[ ١ / ٢٣٨ ]
لحديث أبي هريرة ﵁: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا» [البخاري ١٢٢٠، ومسلم ٥٤٥]، وعن عائشة ﵂: " أنه من فعل اليهود " [البخاري ٣٤٥٨].
سادسًا: (وَ) كره في الصلاة (فَرْقَعَةُ أَصَابِعَ)؛ لحديث علي ﵁ مرفوعًا: «لَا تُفَقِّعْ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ» [ابن ماجه ٩٦٥، وهو ضعيف]، وعن شعبة مولى ابن عباس ﵄، قال: صليت إلى جنب ابن عباس ففقعت أصابعي، فلما قضيت الصلاة، قال: «لَا أُمَّ لَكَ! أَتَفْقَع أَصَابِعَك وَأَنْتَ فِي الصَّلاة؟ !» [ابن أبي شيبة ٧٣٥٨].
سابعًا: (وَ) كره في الصلاة (تَشْبِيكُهَا) أي: أصابعه، ولا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام:
١ - أن يُشَبِّكَها من خروجه من البيت إلى الصلاة، فهذا مكروه، لحديث كعب بن عُجْرَةَ ﵁ قال: قال ﷺ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى المَسْجِدِ، فَلا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَإِنَّهُ فِي صَلاةٍ» [أبو داود ٥٦٢، والترمذي ٣٨٦].
٢ - أن يُشَبِّكَها حال انتظار الصلاة، فهذا مكروه أيضًا؛ لما روى أبو ثُمامة القماح، قال: لَقِيتُ كعبًا وأنا بالبلاط قد أدخلت بعض أصابعي في بعض، فضرب يدي ضربًا شديدًا، وقال: «نُهينا أن نشبك بين أصابعنا في الصلاة»، قال: قلت له: يرحمك الله تراني في صلاة؟ فقال: «من توضأ فعمد إلى المسجد، فهو في صلاة» [ابن أبي شيبة ٤٨٦١].
[ ١ / ٢٣٩ ]
٣ - أن يُشَبِّكَها في الصلاة، فيكره باتفاق الأئمة، لحديث كعب السابق، فإذا كان في أثناء خروجه منهيًّا عن تشبيكها ففي الصلاة من باب أولى، وقال ابن عمر ﵄ في التشبيك في الصلاة: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» [أبو داود ٩٩٣].
٤ - أن يُشَبِّكَها بعد نهاية الصلاة: فلا بأس به، لأن النبي ﷺ شَبَّك بين أصابعه، كما في حديث أبي هريرة ﵁ في قصة ذي اليدين [البخاري ٤٨٢].
ثامنًا: (وَ) تكره صلاته مع (كَوْنِهِ حَاقِنًا) أي: محتبِسَ البول، باتفاق الأئمة، (وَنَحْوَهُ) ككونه حاقبًا، أي: محتبِسَ الغائط، أو حازقًا، وهو محتبِسُ الريح؛ لحديث عائشة ﵂: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» [مسلم ٥٦٠]، ولأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة وخشوعها.
تاسعًا: كره صلاته بحضرة طعام، بشروط ثلاثة:
١ - أن يكون الطعام حاضرًا.
٢ - أن يكون قادرًا على تناوله حسًّا وشرعًا.
٣ - (وَ) أن يكون (تَائِقًا لِطَعَامٍ وَنَحْوِهِ) من شراب وجماع، ولو خاف فوات الجماعة، ما لم يَضِقِ الوقت فلا يكره؛ لحديث عائشة السابق، ولأن ذلك يمنعه من إكمال الصلاة وخشوعها.
[ ١ / ٢٤٠ ]
- مسألة: (وَإِذَا نَابَه) أي: عَرَضَ للمصلي (شَيْءٌ)، كسهوِ إمامه، أو استئذانِ إنسان عليه، (سَبَّحَ رَجُلٌ)، ولا تبطل وإن كثر؛ لأنه قول من جنس الصلاة، (وَصَفَّقَتِ امْرَأَةٌ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الأُخْرَى)، وتبطل إن كثر؛ لأنه عمل من غير جنس الصلاة، ويدل لذلك: حديث أبي هريرة ﵁: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» [البخاري ١٢٠٣، ومسلم ٤٢٢]، زاد النسائي [١٢٠٧]: «فِي الصَّلَاةِ».
- مسألة: البصاق في الصلاة لا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون المصلي في المسجد، وأشار إليه بقوله: (وَيُزِيلُ بُصَاقًا وَنَحْوَهُ) كمخاط، (بِثَوْبِهِ) أي: في ثوبه، فيَبصُقُ فيه ويَحُكُّ بعضه ببعض، أو يبصُقُ بالمنديل ونحوه؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ، فَلا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمهِ» ثم أخذ طرف ردائه، فبَصَقَ فيه، ثم رَدَّ بعضه على بعض، فقال: «أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا» [البخاري ٤٠٥]، ولحديث أنس ﵁ قال: قال ﷺ: «البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» [البخاري ٤١٥، ومسلم ٥٥٢].
والثاني: أن يكون المصلي خارجَ المسجد، وأشار إليه بقوله:
[ ١ / ٢٤١ ]
(وَيُبَاحُ) البصاق ونحوه، (فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ عَنْ يَسَارِهِ) وتحتَ قدمه اليسرى، (وَيُكْرَهُ أَمَامَهُ، وَيَمِينَهُ)؛ لحديث أنس السابق.
- فرع: في جهة البصاق خارج الصلاة، ولا يخلو من ثلاثة أمور:
١ - في اتجاه القبلة: فيكره باتفاق الأئمة؛ لحديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» [أبو داود ٣٨٢٤].
وقيل: يحرم، واختاره الشوكاني.
٢ - أن يبصُقَ عن يمينه: فيكره باتفاق الأئمة أيضًا، لحديث أنس السابق، ففي رواية: «لا يَتْفِلَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ رِجْلِهِ»، ولم يذكر: (في الصلاة)، وذِكْرُ بعض أفراد العام بحكم يوافق حكم العام؛ لا يقتضي التخصيص، وعن معاذ: «مَا بَصَقْتُ عَنْ يَمِينِي مُنْذُ أَسْلَمْتُ» [عبد الرزاق ١٧٠٠].
٣ - أن يبصُقَ عن يساره، أو تحت قدمه: فيجوز، لما تقدم من حديث أنس - ﵁ -.
[ ١ / ٢٤٢ ]