- مسألة: (وَلَا) يجزئ أن (تُدْفَعَ) الزكاة لثمانية أصناف:
الصنف الأول: (لِبَنِي هَاشِمٍ)، ولا نعلم فيه خلافًا، قاله ابن قدامة، وهم سلالة هاشم بن عبد مناف ذكورًا وإناثًا، وهم ستة فروع: آل عباس،
[ ١ / ٥٢٤ ]
وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب، سواءٌ أُعطوا من الخمس أو لا؛ لعموم حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث مرفوعًا: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» [مسلم: ١٠٧٢].
- فرع: ظاهر كلام أحمد والأصحاب: أنه لا يحرم أخذ الزكاة على أزواجه ﷺ؛ لدخولهن في عموم الآية، وعدم المخصص.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تحريم أخذ الصدقة على أزواج النبي ﷺ؛ لما روى خالد بن سعيد: أنه بعث إلى عائشة ﵂ ببقرة من الصدقة، فردتها، وقالت: «إنَّا آل محمدٍ ﷺ لَا تَحِلُّ لنَا الصَّدَقة» [ابن أبي شيبة: ١٠٧٠٨]، ولأنهن من أهل بيته.
- فرع: يجوز أخذ الهاشمي من الزكاة في ثلاثة مواضع:
١ - إذا كان غازيًا، أو غارمًا لإصلاح ذات البين، أو مؤلفًا؛ لجواز الأخذ مع الغنى، وعدم المنة فيه.
٢ - عند شيخ الإسلام خلافًا للمذهب: إذا مُنعوا خُمُس الخُمُس أُعطوا من الزكاة؛ لأنهم إنما منعوا من الزكاة لأجل أخذهم هذا السهم من الغنيمة واستغنائهم به، فإذا منعوا منه صار موضع ضرورة فأُعطوا من الزكاة.
٣ - عند شيخ الإسلام، خلافًا للمذهب: إذا كانت من الهاشمي إلى الهاشمي.
[ ١ / ٥٢٥ ]
الصنف الثاني: (وَ) لا تدفع الزكاة لـ (مَوَالِيهِمْ) أي: الذين أعتقهم بنو هاشم؛ لحديث أبي رافع ﵁ مرفوعًا: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» [أحمد: ٢٣٨٧٢، وأبو داود: ١٦٥٠، والترمذي: ٦٥٧، والنسائي: ٢٦١٢].
الصنف الثالث: (وَلَا) تدفع الزكاة (لِأَصْلِ) المزكي كأبيه وأمه وإن علوا، حكاه ابن المنذر إجماعًا، وارثين أو غير وارثين، حتى ذوي الأرحام منهم كأبي الأم؛ لوجوب النفقة عليهم مطلقًا، فهم مستغنون بالنفقة عن الزكاة، ولاتصال منافع الملك بينهما عادة، فيكون صارفًا لنفسه.
الصنف الرابع: (وَ) لا تدفع الزكاة لـ (فَرْعِ) المزكي، حكاه ابن المنذر إجماعًا، ويشمل ولده وإن سفل من ولد الابن وولد البنت، وارثين أو غير وارثين؛ لما تقدم في إعطاء الزكاة لأصوله.
- فرع: يجوز دفع الزكاة إلى الأصل أو الفرع في مواضع:
١ - إذا كان عاملًا؛ لأنهم يأخذون أجرة عملهم، أشبه ما لو استعملوا على غير الزكاة.
٢ - إذا كان مؤلفًا؛ لأنه مصلحة عامة، أشبهوا الأجانب.
٣ - إذا كان غازيًا؛ لأن الغزاة لهم الأخذ مع عدم الحاجة، فأشبهوا العاملين.
[ ١ / ٥٢٦ ]
٤ - إذا كان غارمًا لإصلاح ذات البين؛ لجواز أخذهم مع غناهم، ولأنه مصلحة عامة.
٥ - وعند شيخ الإسلام خلافًا للمذهب: إذا لم تجب عليه نفقتهم، كأن يكون عاجزًا عن ذلك وعنده زكاة، جاز أن يعطيَهم تلك الزكاة؛ لانطباق وصف الفقر على الأصل أو الفرع، أو كان عليهم دَيْن ليس سببه النفقة.
٦ - وعند شيخ الإسلام خلافًا للمذهب: يجوز إعطاؤه من الزكاة إذا كان غارمًا لنفسه أو مكاتبًا أو ابن سبيل؛ لأن المانع من دفع الزكاة إليه هو انتفاع المزكي بالمال، وهذا إنما يأخذ الزكاة ليصرفها في طريق لا ينتفع بها المزكي، ولأن قضاء الدين ليس من النفقة الواجبة، فلا يجب على المزكي أن يعطيه ما يقضي به دينه.
الصنف الخامس: (وَ) لا تدفع الزكاة لـ (عَبْدٍ) كامل الرق، ولو كان سيدُه فقيرًا؛ لأن نفقته واجبة على سيده.
- تنبيه: يُعطى العبد من الزكاة في ثلاثة مواضع:
١ - إذا كان مكاتَبًا؛ لما تقدم من دخوله في عموم قوله تعالى: (وفي الرقاب).
٢ - إذا كان عاملًا؛ لأن ما يأخذه أجرة يستحقها.
٣ - إذا كان مُبَعَّضًا، فيُعطى من الزكاة بقدر حريته بنسبته من كفايته، فمن
[ ١ / ٥٢٧ ]
نصفه حر يأخذ تمام نصف كفايته؛ لأن السيد تجب عليه النفقة بقدر ما يملك منه، فيأخذ المبَعَّض باقي كفايته من الزكاة إن كان فقيرًا.
الصنف السادس: (وَ) لا تدفع الزكاة لـ (كَافِرٍ) إجماعًا؛ لحديث ابن عباس ﵄ السابق: «فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» أي: فقرائهم المسلمين، ولأنها مواساة تجب للمسلم على المسلم فلم تجب للكافر كالنفقة، إلا أن يكون من المؤلفة قلوبهم، على ما تقدم.
الصنف السابع: زوج، فلا يجزئ الزوجة دفع زكاتها إلى الزوج؛ لأن الزكاة تعود إليها بإنفاقه عليها.
وعند المالكية: يجوز إعطاء الزوج من الزكاة إذا كان يصرفها في غير النفقة على زوجته وأبنائه منها؛ لأن العلة التي مُنِع من أجلها دفع الزكاة إليه منتفية، وعليه يحمل حديث ابن مسعود ﵁: «زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ» [البخاري: ١٤٦٢].
وعلى هذا، فيدخل في ذلك صور:
١ - إذا كان يصرفها في حاجاته الخاصة، كشراء ملابسه.
٢ - إذا كان يصرفها في نفقة أبنائه من غيرها.
٣ - إذا كان يقضي بها دَينًا ليس سببه النفقة.
الصنف الثامن: زوجة، فلا يجزئ الزوجَ دفعُ زكاته إلى زوجته إجماعًا؛
[ ١ / ٥٢٨ ]
لأن نفقتها واجبة عليه، فتستغني بها عن أخذ الزكاة.
وعلى قول المالكية المتقدم، واختاره ابن عثيمين: يستثنى من ذلك صور:
١ - إذا كانت ستنفق على أولادها من غيره.
٢ - إذا كانت تقضي به دينًا ليس سببه النفقة؛ لأن الزوج لا يجب عليه قضاء دين زوجته.
- فرع: (فَإنْ دَفَعَهَا) أي: الزكاة (لِمَنْ ظَنَّهُ أَهْلًا) لها، كمن ظنه مكاتبًا، أو غارمًا، (فَلَمْ يَكُنِ) الآخِذُ أهلًا للزكاة: لم تجزئه؛ لأنه ليس بمستحق، ولا يخفى حاله غالبًا، فلم يعذر بجهالته كدين الآدمي.
وقيل: تجزئه؛ لأنه مأذون له أن يعمل بغلبة ظنه، وما ترتب على المأذون غير مضمون، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وفيه: «لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، قَالَ: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى غَنِيٍّ»، ثم قال في الحديث: «فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ» [البخاري: ١٤٢١، ومسلم: ١٠٢٢].
- فرع: إن دفع الزكاة لمن يظنه غير أهل لها، فبان أنه أهل لها؛ لم تجزئه؛ وإليه أشار بقوله: (أَوْ بِالعَكْسِ؛ لَمْ تُجْزِئْهُ)؛ لعدم جزمه بنية الزكاة في تلك الحال.
[ ١ / ٥٢٩ ]
- فرع: يستثنى من مسألة ما لو دفعها لمن يظنه أهلًا فبان غير أهل: إذا دفعها لغني يظنه فقيرًا، وإليه أشار بقوله: (إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا)؛ فإنها تجزئه؛ لحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار ﵁ قال: أخبرني رجلان: أنهما أتيا النبي ﷺ في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه، فرآنا جلدين، فقال: «إِنَّ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» [أحمد: ١٧٩٧٢، وأبو داود: ١٦٣٣، والنسائي: ٢٥٩٨]، ولو اعتبر حقيقة انتفاء الغنى لما اكتفى بقولهما، ولحديث أبي هريرة السابق.
- مسألة: (وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ بِالفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ، وَكِفايَةِ مَنْ يَمُونُهُ) أي: ينفق عليه، (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ)؛ لأن الله - ﷿ - حث عليها في آيات كثيرة، ولحديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» [الترمذي: ٦٦٤]؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» [البخاري: ١٤٢٦، ومسلم: ١٠٣٤].
- فرع: يحرم أن يتصدق بما يَنْقُصُ كفايتَه وكفايةَ من يمونه؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: «كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» [أحمد: ٦٤٩٥، وأبو داود: ١٦٩٢].
- فرع: من أراد الصدقة بما يَنْقُصُ كفايته ولا عيال له، فلا يخلو من أمرين:
[ ١ / ٥٣٠ ]
الأول: أن يتصدق بماله كله: فإن كان يعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة: استحب له ذلك (١)؛ لقصة الصدِّيق ﵁ لما تبرع بماله كله [أبو داود: ١٦٨٧، والترمذي: ٣٦٧٥].
وإن لم يعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة: حرم؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعًا: «يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ! خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» [أبو داود: ١٦٧٣].
الثاني: أن يتصدق بما يُنقِص عن نفسه الكفاية التامة: فيكره لمن لا صبر له على الضيق أو لا عادة له به؛ لأنه نوع إضرار به، فإن صبر على ذلك استحب له؛ لما تقدم.
- مسألة: (وَ) تتأكد الصدقة في مواطن:
١ - (فِي رَمَضَانَ)؛ لحديث ابن عباس ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» [البخاري: ٦، ومسلم: ٢٣٠٨].
٢ - (وَ) في (زَمَنٍ) فاضل، كالعشر الأول من ذي الحجة؛ لحديث ابن
_________________
(١) صرح بذلك في الإقناع وشرحه، وفي الإنصاف [٣/ ٢٦٧]: (ظاهر ذلك: الجواز، لا الاستحباب، وصرح به بعضهم، وجزم المجد في شرحه وغيره بالاستحباب، قال في الفروع: ودليلهم يقتضي ذلك).
[ ١ / ٥٣١ ]
عباس ﵄: أنه ﷺ قال عن الأيام العشر: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ» [البخاري: ٩٦٩].
٣ - (وَ) في (مَكَانٍ فَاضِلٍ) كالحرمين؛ لتضاعف الحسنات بالأمكنة والأزمة الفاضلة.
٤ - (وَ) في (وَقْتِ حَاجَةٍ أَفْضَلُ) كمجاعة وجهاد؛ لقوله تعالى: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) [البلد: ١٤].
[ ١ / ٥٣٢ ]