أي: مفسداته، وهي (ثَمَانِيَةٌ) بالاستقراء:
الناقض الأول: (خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ) أي: مخرج بول أو غائط، ولا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون الخارج معتادًا؛ كالبول والغائط والمَذْيِ والريح؛ فينقض إجماعًا، قليلًا كان أو كثيرًا، طاهرًا كان أو نجسًا؛ لحديث صفوانَ بن عَسَّالٍ ﵁ قال: قال رسول ﷺ: «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ» الحديث [أحمد ١٨٠٩١، والترمذي ٩٦، والنسائي ١٢٧، وابن ماجه ٤٧٨]، ولحديث علي ﵁: قال رسول ﷺ في المذي: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» [البخاري ٢٦٩، ومسلم ٣٠٣]، ولحديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: قال رسول ﷺ: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» [البخاري ١٣٧، ومسلم ٣٦١].
الثاني: أن يكون غير معتاد؛ كالدم والدود والحصى، وأشار إليه بقوله:
[ ١ / ٧٥ ]
(مُطْلَقًا)، أي: نادرًا كان أو معتادًا، قليلًا كان أو كثيرًا، طاهرًا كان أو نجسًا؛ لحديث فاطمة بنت أبي حُبَيْشٍ أَنها قالت: يا رسول الله إني امرأة أُستحاضُ فلا أطهُرُ أفأَدَعُ الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكِ الوَقْتُ» [البخاري ٢٢٨]، فأمرها بالوضوء لكل صلاة، ودمها غير معتاد، فيقاس عليه ما سواه، وللإجماع على النقض بالوَدْيِ، وهو غير معتاد.
وعند الإمام مالك: أنه لا ينقض؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر المستحاضة بالوضوء، وأما الأمر بالوضوء في حديث فاطمة بنت أبي حُبيش ﵂ فقال ابن رجب: (الصواب: أن هذا من قول عروة).
(وَ) الناقض الثاني: (خَارِجٌ مِنْ بَقِيَّةِ البَدَنِ مِنْ) غير السبيلين، ولا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون (بَوْلـ) ـًا (وَغَائِطـ) ـًا، فينقض قليلًا كان أو كثيرًا، من تحت المعدة أو فوقها؛ لعموم قوله تعالى: (أو جاء أحد منكم من الغائط) [النساء: ٤٣]، وقوله ﷺ: «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ»، فجعل الاعتبار بالغائط، أي: بالخارج، لا بالمَخْرَج.
(وَ) الأمر الثاني: أن يكون (كَثِير) ًا (نَجِسـ) ـًا (غَيْرَهُمَا) أي: غير البول
[ ١ / ٧٦ ]
والغائط، كالقيء والدم، فينقض بهذين الشرطين؛ لحديث أبي الدرداء ﵁: «اسْتَقَاءَ رَسُولُ الله ﷺ فَأَفْطَرَ، فَأُتِيَ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ» [أحمد ٢٧٥٣٧، والترمذي ٨٧]، ولقول ابن عباس ﵄ في الدم: " إذا كان فاحشًا فعليه الإعادة " [الأوسط لابن المنذر ٦٤]، وأما اليسير فلا ينقض، قال أحمد: (عدة من الصحابة تكلموا فيه، وابن عمر عصر بَثْرَة، فخرج الدم، فصلَّى ولم يتوضأ [الأوسط لابن المنذر ٦٥]، وابن أبي أوفى عصر دُمَّلًا)، قال ابن قدامة: (ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، فكان إجماعًا).
واختار شيخ الإسلام: أنه لا ينقض الوضوء، بل يستحب؛ لحديث جابر ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ»، وقال الحسن: «مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ» [البخاري تعليقًا ١/ ٤٦]، ولعدم الدليل على النقض، والأصل بقاء الطهارة، وتحمل آثار الصحابة على الاستحباب.
- فرع: قال الخلال: (والذي استقرت عليه الروايات عن أحمد: أن حد الفاحش: ما استفحشه كل إنسان في نفسه).
وعنه، واختاره ابن عقيل: الفاحش: ما فحش في نفس أوساط الناس.
(وَ) الناقض الثالث: (زَوَالُ عَقْلٍ) بجنون، أو تغطيتُهُ بإغماء أو نوم، ولا يخلو من أمرين:
الأول: غير النوم، وهو الإغماء والجنون والسكر، فينقض الوضوء يسيره وكثيره إجماعًا.
[ ١ / ٧٧ ]
الثاني: النوم، فينقض الوضوء مطلقًا، قليلًا كان أو كثيرًا، على أي هيئة كان؛ لقوله ﷺ: «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ ونَومٍ»، (إِلَّا):
١ - نومَ النبي ﷺ، فلا ينقض؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ: «تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» [أحمد ١٩١١، وأبو داود ٢٠٢].
٢ - (يَسِيرَ نَوْمٍ) عرفًا (مِنْ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ)، غير مُحْتَبٍ أو مُتَّكِئٍ أو مُستنِدٍ، فلا ينقض؛ لقول ابن عباس ﵄ في قصة تهجده ﷺ: «فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي» [مسلم ٧٦٣]، ولقول أنس ﵁: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ يَنْتَظِرُونَ العِشَاءَ الآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤُونَ» [أبو داود ٢٠٠، وأصله في مسلم ٢٧٦].
واختار شيخ الإسلام: أن النوم لا ينقض الوضوء مطلقًا إن ظن بقاء الطهارة؛ جمعًا بين الأدلة، ويؤيده حديث معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن العَيْنَيْنِ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ العَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الوِكَاءُ» [أحمد ١٦٨٧٩].
(وَ) الناقض الرابع: (غُسْلُ مَيِّتٍ)، مسلمًا كان أو كافرًا، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا كان أو كبيرًا، وهو من المفردات؛ لأن ابن عمر وابن عباس ﵃: «كَانَا يأْمُرَانِ غَاسِلَ الميِّتِ بِالوُضُوءِ» [عبدالرزاق ٦١٠١، ٦١٠٧]، ولأن الغاسل لا يَسْلَمُ من مس عورة الميت غالبًا، فأقيم مقامه؛ كالنوم مع الحدث.
[ ١ / ٧٨ ]
وعنه وفاقًا للثلاثة، واختاره ابن قدامة وشيخ الإسلام: لا ينقض؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، وَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجَسٍ، حَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» [الدارقطني ١٨٣٩، وحسنه الحافظ]، قال الشارح: (وكلام أحمد يدل على أنه مستحب غير واجب، فإنه قال: أحب إليَّ أن يتوضأ)، وقال شيخ الإسلام: (وأما الاستحباب: فمتوجه ظاهر).
- فرع: الغاسل من يَقْلِبُه ويباشره ولو مرة، لا من يصب عليه الماء، ولا من ييممه.
(وَ) الناقض الخامس: (أَكْلُ لَحْمِ إِبِلٍ)، نيًّا كان أو مطبوخًا، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام (١)؛ لحديث جابر بن سَمُرَةَ ﵁: أن رجلًا سأل رسولَ الله ﷺ: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ» قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» [مسلم ٣٦٠]، قال أحمد: (فيه حديثان صحيحان، حديث البراء،
_________________
(١) نقل المرداوي في الإنصاف (٢/ ٥٤) أن اختيار شيخ الإسلام استحباب الوضوء لا النقض، وقال البعلي في الاختيارت (١٦): (ويستحب الوضوء من أكل لحم الإبل وفي المسائل: يجب الوضوء من لحم الإبل؛ لحديثين صحيحين، ولعله آخر ما أفتى به)، والذي في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٥٢٢ - ٥٢٤)، (٢١/ ٢٦٠ - ٢٦٥): أنه ينقض، وقال ابن عبد الهادي في الاختيارات (٣٩): (وأما لحم الإبل فذهب إلى أنه يستحب أيضًا، ومال في موضع إلى وجوب الوضوء منه، ومرة توقف في الوجوب).
[ ١ / ٧٩ ]
وجابر بن سَمُرَة).
وأما حديث جابر - ﵁ -: «كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ تَرْكَ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» [أبوداود ١٩٢]، فهو حديث عام، وحديث جابر والبراء خاصَّانِ، والخاص يقدم على العام، وظاهر حديث البراء أنه كان بعد نسخ الوضوء مما مست النار لا قبله، قال شيخ الإسلام: (بيَّن فيه أنه لا يجب الوضوء من لحوم الغنم، وقد أمر فيه بالوضوء من لحوم الإبل، فعلم أن الأمر بذلك بعد النسخ).
- فرع: ينقض لحم الإبل خاصة دون بقية أجزائه، كالكبد والطِّحال والسَّنام ونحوها، وكذا شرب لبنها ومرق لحمها؛ لأنه تعبدي لا يعقل معناه، فلا يتعدى إلى غيره، والنص لم يتناوله.
واختار شيخ الإسلام وابن القيم: أن العلة معقولة المعنى، وهي لما في لحم الإبل من القوة الشيطانية، لحديث أبي لاسٍ الخزاعي مرفوعًا: «مَا مِنْ بَعِيرِ إِلَّا عَلَى ذُرْوَتِهِ شَيْطَانٌ» [أحمد ١٧٩٣٨]، قال شيخ الإسلام: (فيها من القوة الشيطانية ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «فَإِنَّهَا جِنٌّ مِنْ جِنٍّ خُلِقَتْ» [مسند الشافعي ١/ ٢١]، وقد قال ﷺ فيما رواه أبو داود [٤٧٨٤]: «إِنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ»، فأمر بالتوضؤ من الأمر العارض من الشيطان، فأكل لحمها يورث قوة شيطانية تزول بما أمر به النبي ﷺ من الوضوء من لحمها).
[ ١ / ٨٠ ]
ويمكن أن يقال: إن أجزاء الإبل بالنسبة للنقض لا تخلو من أربعة أقسام:
١ - اللحم: فينقض؛ لما تقدم من حديث جابر بن سمرة والبراء.
٢ - الهبر غير اللحم: كالكبد والكرش والشحم، ينقض، وهي رواية اختارها السعدي؛ لأنه داخل في حكمها، ولهذا أجمع العلماء أن شحم الخنزير محرم، مع أن الله تعالى لم يذكر في القرآن إلا اللحم، والتفريق بين أجزائها ليس عليه دليل ولا تعليل.
٣ - اللبن: لا ينقض بل يستحب؛ لحديث أنس ﵁ في قصة العُرَنِيِّينَ، فقد أمرهم النبي ﷺ بالشرب من أبوالها وألبانها. [البخاري ٢٣٣، ومسلم ١٦٧١]، ولم يأمرهم بالوضوء منها مع كونهم حديثي عهد بجاهلية، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإنما يستحب؛ لحديث أسيد بن الحضير ﵁ مرفوعًا: «لَا تَتَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الغَنَمِ، وَتَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الإِبِلِ» [أحمد: ١٩٠٩٧، وابن ماجه: ٤٩٦، وفيه ضعف]، ورواه الشالنجي من حديث البراء بن عازب، قال شيخ الإسلام: (إسناده جيد).
٤ - ما خالط لحم الإبل، كمرق لحمها: فقال ابن عثيمين: الأحوط: الوضوء إن ظهر طعمه، وإلا فلا يضر.
- فائدة: بقية اللحوم في النقض وعدمه على قسمين:
١ - اللحوم المباحة: مثل لحم الضأن والطير؛ ليست ناقضة بالإجماع،
[ ١ / ٨١ ]
ولا يستحب الوضوء منها.
واختار شيخ الإسلام: استحباب الوضوء منها؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» [مسلم: ٣٥٢].
٢ - اللحوم المحرمة: كلحم الميتة ولحم السباع، ففيها روايتان مبنيتان على العلة في النقض من لحم الإبل: هل هو تعبدي فلا يتعدى إلى غيره، وهو المذهب، أم هو معقول المعنى لما فيها من القوة الشيطانية وأولى، واختاره شيخ الإسلام.
(وَ) الناقض السادس: (الرِّدَّةُ) عن الإسلام، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام، فيبطل بها الوضوء؛ لحديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» [مسلم ٢٢٣]، فإذا بَطَل الإيمان بالكلية فشطره أولى، ولأن ما منع ابتداء الوضوء منع استدامته.
- مسألة: (وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ غُسْلًا)، كإسلام، وانتقال مني، وغيرهما، أوجب وضوءًا؛ لأنه إذا قام الحدث الأكبر في البدن فقد قام الحدث الأصغر من باب أولى، فلا يكفي رفع الحدث الأكبر، (غَيْرَ مَوْتٍ)، فيوجب الغسل دون الوضوء؛ لأن تغسيل الميت ليس عن حدث.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يوجب الوضوء، بناء على دخول الحدث الأصغر في الأكبر، ويأتي في باب الغسل.
[ ١ / ٨٢ ]
- تنبيه: جعل المصنف الردة وما أوجب غسلًا ناقضًا واحدًا، وهي طريقة لبعض الأصحاب؛ لأن المرتد إذا عاد إلى الإسلام وجب الغسل، وإذا وجب الغسل وجب الوضوء.
(وَ) الناقض السابع: (مَسُّ فَرْجٍ)، لا العانةِ ولا الأُنثيين، فينقض بشروط خمسة:
١ - أن يكون المس لفرج أصلي لا زائد، سواء من نفسه أم من غيره.
٢ - أن يكون الفرج الممسوس من (آدَمِيٍّ)، صغيرًا كان أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، فلا ينقض مسه من بهيمة اتفاقًا.
٣ - أن يكون المس لفرجٍ (مُتَّصِلٍ) لا بائنٍ؛ لذهاب حرمته، ولو من ميت، تعمده أم لا.
(أَوْ) مسُّ (حَلْقَةِ دُبُرِهِ) أي: الأدمي، فينقض؛ لأنه فرج.
٤ - أن يكون المس (بِيَدٍ) أي: بالكف، لا بالذراع أو غيره، ولا فرق في ذلك بين بطن الكف وظهرها وحرفها، زائدةً كانت أم أصلية.
٥ - أن يكون المس بلا حائل.
والدليل على ذلك: حديث بُسرَةَ بنتِ صَفوانَ ﵂: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» [أحمد ٢٧٢٩٣، وأبو داود ١٨١، والترمذي ٨٣، والنسائي ١٦٣، وابن ماجه ٤٧٩]، وفي رواية للنسائي [٤٤٥]: «إِذَا
[ ١ / ٨٣ ]
أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ»، قال البخاري: (هو أصح شيء في هذا الباب)، وقال شيخ الإسلام: (وقد روي النقض به عن بضعةَ عشَرَ من الصحابة عن النبي ﷺ، وجاء النقض بمسه عن: عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وزيد بن خالد، والبراء بن عازب، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك ﵃، وهو شيء لا يدرك بالرأي والقياس، فعُلِم أنهم قالوا عن توقيف).
وأما حديث قيسِ بن طَلْقِ بن عَلي، عن أبيه ﵁ قال: سأل رجل رسولَ الله ﷺ أيتوضأ أحدنا إذا مس ذكره؟ قال: «إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ أَوْ جَسَدِكَ» [أحمد ١٦٢٨٦، وأبو داود ١٨٢، والترمذي ٨٥، والنسائي ١١٩، وابن ماجه ٤٨٣]، فقد ضعفه أحمد ويحيى، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: (قَيْسٌ لا تقوم به حجة)، ويمكن أن يكون المراد بحديث ترك الوضوء: ما إذا لمسه من وراء حائل؛ لأن في رواية النسائي [١٦٠]: ما تقول في رجل مس ذكره في الصلاة، فقال: «وَهَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ؟» والمصلي في الغالب إنما يمسه من فوق ثيابه، ولو قدرنا التعارض، فأحاديث الوضوء أكثر رواة، وأصح إسنادًا، وأقرب إلى الاحتياط فتُرجَّح.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام (١): يستحب الوضوء ولا يجب، جمعًا بين الأدلة.
_________________
(١) كما في الإنصاف (٢/ ٢٧)، وقال البعلي في الاختيارات (١٧): (ويستحب الوضوء عَقِيبَ الذَّنْب، ومن مس الذَّكَرِ إذا تحركت الشهوة بمسه، وتردد فيما إذا لم تتحرك).
[ ١ / ٨٤ ]
(وَ) الناقض الثامن: (لَمْسُ ذَكَرٍ) أنثى لشهوة، وسواء كان اللمس باليد أم غيرها، ولو بزائد؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦]، قال ابن مسعود ﵁: (القبلة من اللمس، ومنها الوضوء) [مصنف عبدالرزاق ٥٠٠]، والأنثى تشمَلُ: الأجنبيةَ، وذاتَ المَحْرَمِ، والميتةَ، والكبيرةَ، والصغيرةَ المميِّزةَ، وهي بنت سبع فأكثرَ.
(أَوْ) لمسُ (أُنْثَى الآخَرَ) أي: الذَّكَرَ (لِشَهْوَةٍ)؛ لأنها ملامسة تنقض الوضوء، فاستوى فيها الذَّكَر والأنثى؛ كالجماع.
فيشترط للنقض شرطان:
١ - أن يكون بشهوة، جمعًا بين الآية وبين حديث عائشة ﵂ قال: " فَقَدْتُ رَسُولَ الله ﷺ لَيْلَةً مِنَ الفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ" [مسلم ٤٨٦]، ولأن الشهوة هي التي تدعو للحدث.
٢ - أن يكون اللمس (بِلَا حَائِلٍ فِيهِمَا) أي: في لمس الذكر والأنثى؛ لأنه لم يَلْمَسِ البشرة.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا ينقض لمس المرأة مطلقًا؛ لحديث عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» [أحمد ٢٥٧٦٦، أبوداود ١٧٩، الترمذي ٨٦، ابن ماجه ٥٠٢]، والملامسة في الآية المراد بها: الجماع، كذلك فسرها علي، وابن عباس ﵃ [ابن أبي شيبة ١٧٧١، ١٧٦٨].
[ ١ / ٨٥ ]
- مسألة: (لَا) ينقض مسٌّ (لِشَعْرٍ، وَسِنٍّ، وَظُفُرٍ) منه أو منها، (وَلَا) المسُّ (بِهَا) أي: بشعر وسنٍّ وظفر، منه أو منها؛ لأنه في حكم المنفصل.
(وَلَا) ينقض كذلك مسُّ (مَنْ دُونَ سَبْعِ) سنينَ من طفل أو طفلة ولو لشهوة؛ لأنه ليس محلًّا لها.
- مسألة: (وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ مَلْمُوسٍ) بدنُهُ (مُطْلَقًا) ولو وُجد منه شهوة، ذكرًا كان أو أنثى؛ لأنه لا نص فيه، وقياسه على اللامس لا يصح؛ لفرط شهوة اللامس.
وعنه: ينتقض إن وجدت منه شهوة؛ لأن ما ينتقض بالتقاء البشرتين يستوي فيه اللامس والملموس؛ كالجماع.
- تنبيه: محل الخلاف في الملموس إذا قلنا: ينتقض وضوء اللامس، أما إذا قلنا: لا ينتقض، فالملموس لا ينتقض وضوؤه بطريقٍ أولى.
- مسألة: (وَمَنْ شَكَّ فِي طَهَارَةٍ) وتيقن الحدث، بنى على اليقين وهو الحدث، (أَوْ) شك في (حَدَثٍ) وتيقن الطهارة (بَنَى عَلَى يَقِينِهِ) وهو الطهارة، سواء كان داخل الصلاة أم خارجها، تساوى عنده الأمران أم غلب على ظنه أحدهما؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي
[ ١ / ٨٦ ]
بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» [مسلم ٣٦٢].
وقال شيخ الاسلام: يُعمَل بالظن في عامة أمور الشرع.
- مسألة: (وَحَرُمَ عَلَى مُحْدِثٍ) حدثًا أصغر ثلاثة أمور:
١ - (مَسُّ مُصْحَفٍ)، أو بعضِه، حتى جلدِه وحواشيه، بيد أو غيرها، بلا حائل، باتفاق الأئمة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ الواقعة: ٧٩، والصحيح: أن المراد به اللوح المحفوظ الذي بأيدي الملائكة، لكن قال شيخ الإسلام: (فإذا كان مِن حُكْمِ الكتاب الذي في السماء ألَّا يمسه إلا المطهرون، وجب أن يكون الكتاب الذي في الأرض كذلك؛ لأن حرمته كحرمته)، ولحديث عمرِو بن حزمٍ ﵁ مرفوعًا: «أَلَّا يَمَسَّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» [النسائي ٤٨٦٨، والدارقطني ١/ ١٢٢]، وثبت ذلك: عن سعد بن أبي وقاص [الموطأ ١/ ٨٥]، وابن عمر [عبد الرزاق ٧٥٠٦]، وسلمان [الدارقطني ١/ ١٢٣] ﵃، قال شيخ الإسلام: (من غير خلاف يعرف عن الصحابة والتابعين).
٢ - (وَ) حرم عليه الـ (صَلَاةُ)، بالإجماع؛ لما روى ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ» [مسلم ٢٢٤].
- فرع: ضابط الصلاة التي يشترط لها الطهارة: صلاة الفرض والنفل، حتى صلاة جنازة، وسجود تلاوة، وشكر.
[ ١ / ٨٧ ]
وعند شيخ الإسلام وابن القيم: ما كان تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فسجود التلاوة والشكر ليسا بصلاة، ويأتي.
٣ - (وَ) حرم عليه الـ (طَوَافُ) ولو نفلًا؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلاَّ بِخَيْرٍ» [الترمذي ٩٦٠]، ولحديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال لها: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» [مسلم ١٢١١].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يستحب ولا يجب؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، أنه أمر بالوضوء للطواف، مع الحاجة إلى البيان، وأما حديث عائشة ﵂: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ» [البخاري ١٦١٤، ومسلم ١٢٣٥] فمجرد فعل لا يدل على الوجوب، وإنما ي دل على الاستحباب، وحديثُ ابن عباس ﵄ لا يصح مرفوعًا، ولو صح فلا يلزم منه التشبيه من كل وجه، لعدم اشتراط استقبال القبلة ولا قراءة الفاتحة للطواف، وأما الحائض: فإنما منعت من الطواف لأجل المسجد، لا لأجل الطواف.
- مسألة: (وَ) يحرم (عَلَى جُنُبٍ وَنَحْوِهِ) ممن لزمه الغسلُ خمسةُ أمور:
(ذَلِك) أي: ما سبق من:
١ - مس المصحف.
٢ - الصلاة.
٣ - الطواف، لأنه لما حرم ذلك في حق المحدث حدثًا أصغرَ، فالمحدث
[ ١ / ٨٨ ]
حدثًا أكبرَ أولى.
٤ - (وَ) يحرم على من لزمه الغسل (قِرَاءَةُ آيَةِ قُرْآنٍ) فصاعدًا، ولا يخلو من حالين:
أأن يكون جنبًا: فيحرم عليه قراءة القرآن باتفاق الأئمة؛ لحديث علي ﵁ مرفوعًا: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَا يَحْجُبُهُ - وَرُبَّمَا قَالَ: لَا يَحْجُزُهُ - عَنِ القُرْآنِ شَيْءٌ إِلَّا الجَنَابَةُ» [أحمد ١٠١١، وأبوداود ٢٢٩، وابن ماجه ٥٩٤]، وورد ذلك عن عمر [البيهقي ١/ ٨٩]، وعلي [ابن أبي شيبة ١٠٩٢] وابن عباس - ﵃ -[الأوسط لابن المنذر ٢/ ٩٨].
ب أن تكون حائضًا: فيحرم عليها قراءة القرآن؛ لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لَا تَقْرَأُ الحَائِضُ وَلا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ» [الترمذي ١٣١، وابن ماجه ٥٩٥]، وقياسًا على الجنب.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا تُمنَع الحائض من قراءة القرآن مطلقًا، وإن خَشِيَتْ نسيانَه وجب؛ لعدم الدليل على المنع، وأما حديث ابن عمر ﵄ فلا يصح، وقياسها على الجنب قياس مع الفارق؛ لأن الحائض تطول مدتها غالبًا، ولا يمكنها رفع الحدث، بخلاف الجنب.
٥ - (وَ) يحرم على من لزمه الغسل (لُبْثٌ فِي مَسْجِدٍ بِغَيْرِ وُضُوءٍ)، باتفاق الأئمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، قال ابن عباس - ﵃ -: " تمر به مرًّا ولا تجلس " [تفسير ابن كثير ٢/ ٣١١]،
[ ١ / ٨٩ ]
ولحديث عائشة ﵂ قالت: قال ﷺ: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» [أبو داود ٢٣٢]، ولحديث أم عطية ﵂ قالت: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى المُسْلِمِينَ» [البخاري ٣٢٤، ومسلم ٨٩٠].
فإن توضأ الجنب، وتوضأت الحائض بعد انقطاع الدم إن أمنت التلويث: جاز لهما المكث في المسجد، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول عطاء بن يسار: «رأيت رجالًا من أصحاب النبي ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضؤوا وضوء الصلاة» [سعيد بن منصور ٦٤٦، وصححه في المبدع]، وحكم الحائض بعد انقطاع الدم حكم الجنب.
- فرع: يجوز عبور المسجد للمحدث حدثًا أكبر، ولو لغير حاجة؛ لقوله تعالى: (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا)، قال جابر - ﵁ -: (كَانَ الجُنُبُ يَمُرُّ فِي المَسْجِدِ مُجْتَازًا) [ابن أبي شيبة ١٥٥٠].