- مسألة: اقتداء المأموم بالإمام لا يخلو من قسمين:
القسم الأول: أن يكون المأموم داخل المسجد: وأشار إليه بقوله: (وَإِذَا جَمَعَهُمَا) أي: الإمامَ والمأمومَ (مَسْجِدٌ؛ صَحَّتِ القُدْوَةُ) أي: الاقتداء (مُطْلَقًا)، سواء رأى المأمومُ الإمامَ أو من وراءه أم لم يرهم، وسواء اتصلت الصفوف أم لا، حكاه النووي والمجد إجماعًا؛ لأن المسجد بُني للجماعة
[ ١ / ٣٢٧ ]
فكل من حصل فيه حصل في محل الجماعة، (بِشَرْطِ):
١ - (العِلْمِ بِانْتِقَالَاتِ الإِمَام) بسماع التكبير، أو بمشاهدة الإمام أو من خلفه، لتمكنه من الاقتداء.
٢ - زوالِ الفَذِّيَّة؛ لما سبق.
القسم الثاني: (وَإِنْ لَمْ يَجْمَعْهُما) أي: الإمامَ والمأمومَ مسجدٌ، بأن كانا خارجًا عنه، أو المأمومُ وحده خارجًا عنه، (شُرِطَ) لصحة الاقتداء:
١ - (رُؤْيَةُ الإِمَامِ، أَوْ) رؤية (مَنْ وَرَاءَهُ أَيْضًا)، ولو لم تتصل الصفوف، فإن لم ير أحدَهما لم يصح اقتداؤه به، ولو سمع التكبير؛ لما ورد عن الشافعي أنه قال: (قد صلى نسوة مع عائشة زوج النبي ﷺ في حجرتها فقالت: لا تصلين بصلاة الإمام، فإنكن دونه في حجاب) [البيهقي معلقًا ٥٠٢٨]، ولأنه لا يمكن الاقتداء به في الغالب.
وعنه: يصح إن سمع التكبير، ولو لم يره؛ لإمكان الاقتداء.
وتكفي الرؤية (وَلَوْ فِي بَعْضِهَا)، أي: في بعض الصلاة أو من شباك ونحوه، إن أمكن الاقتداء؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ
[ ١ / ٣٢٨ ]
النَّبِيِّ ﷺ، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ» [البخاري ٣٧٨، ومسلم ٤١١]، والظاهر أنهم كانوا يرونه حال قيامه.
٢ - عدم الفاصل من نهر تجري فيه السفن أو طريق؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قال في الرجل يصلي بصلاة الإمام: «إِذَا كَانَ بَيْنَهُما نَهْرٌ أَوْ طَرِيقٌ أَوْ جِدَارٌ فَلا يَأْتَمُّ بِهِ» [عبد الرزاق ٤٨٨٠]، إلا إذا اتصلت الصفوف في هذا الطريق حيث صحت فيه، كالجمعة والعيد ونحوهما؛ للحاجة، أما الصلوات الخمس فلا تصح؛ لما تقدم من عدم صحة الصلاة في قارعة الطريق.
وعنه واختاره ابن قدامة: تصح ولو وجد فاصل من نهر تجري فيه السفن أو طريق، وقيده شيخ الاسلام بالحاجة؛ لأنه لا يمنع الاقتداء.
ويمكن أن يقال: يجوز اقتداء المأموم بالإمام إن كان خارج المسجد بشرطين:
١ - اتصال الصفوف، قال شيخ الإسلام: (فإن كانت الصفوف متصلة جاز باتفاق الأئمة)، فإن لم تتصل الصفوف لم تصح الصلاة، واختاره شيخ الإسلام.
٢ - إمكان الاقتداء بالإمام برؤية أو سماع، لحديث عائشة السابق.
- مسألة: (وَكُرِهَ):
١ - (عُلُوُّ إِمَامٍ عَلَى مَأْمُومٍ ذِرَاعًا فَأَكْثَرَ)؛ لأن عمار بن ياسر ﵄ صلى
[ ١ / ٣٢٩ ]
بالمدائن على دكان والناسُ أسفلَ منه، فتقدم حذيفة - ﵁ - فأخذ على يديه، فاتَّبَعَه عمار، حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة ﵄: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ»، قال عمار: «لذلك اتَّبَعْتُك حين أخذتَ على يدي» [أبو داود ٥٩٨]، ولا تبطل؛ لأن عمارًا أتم صلاته؛ ولو كانت فاسدة، لاستأنفها.
ولا بأس بعلو يسير، كدرجة منبر ونحوها مما دون ذراع؛ جمعًا بين ما تقدم وبين حديث سهل ﵁ أنه ﷺ صلَّى على المنبر، ثم نزل القهقرى فسجد وسجد معه الناس، ثم عاد حتى فرغ، ثم قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» [البخاري ٩١٧، ومسلم ٥٤٤]، والظاهر أنه كان على الدرجة السفلى؛ لئلا يحتاج إلى عمل كثير في الصعود والنزول، فيكون الارتفاع يسيرًا.
٢ - (وَ) تكره (صَلَاتُهُ) أي: الإمامِ (فِي مِحْرَابٍ يَمْنَعُ مُشَاهَدَتَهُ)؛ لأنه يستتر عن بعض المأمومين أشبه ما لو كان بينه وبينهم حجاب، وعليه يحمل قول ابن مسعود ﵁: " اتَّقُوا هَذِهِ الْمَحَارِيبَ " [ابن أبي شيبة ٤٧٣٥]، إلا من حاجة: كضيق المسجد وكثرة الجمع، فلا يكره لدعاء الحاجة إليه.
وعنه: لا تكره، كسجوده فيه؛ لجريان عمل المسلمين عليه، ولما روي عن أم عمرو المرادية، أنها قالت: " رأيت البراء بن عازب يصلي في الطاق " [ابن أبي شيبة ٤٧٤٢].
[ ١ / ٣٣٠ ]
٣ - (وَ) يكره (تَطَوُّعُهُ) أي: الإمام (مَوْضِعَ المَكْتُوبَةِ)؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ فِي مُقَامِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ المَكْتُوبَةَ حَتَّى يَتَنَحَّى عَنْهُ» [ابن ماجه ١٤٢٨]، ولقول علي ﵁: " إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ لَمْ يَتَطَوَّعْ حَتَّى يَتَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ، أَوْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِكَلامٍ "، وورد أيضًا عن ابن عمر، وعبدالله بن عمرو ﵃ [ابن أبي شيبة ٢/ ٢٠٩]، ولأن في تحوله من مكانه إعلامًا لمن أتى المسجد أنه قد صلى، فلا ينتظره ويطلب جماعة أخرى، فإن احتاج إلى ذلك كضيق المسجد لم يكره.
وأما المأموم فلا بأس أن يتطوع مكانه؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: أنه كره إذا صلى الإمام أن يتطوع في مكانه، ولم ير به لغير الإمام بأسًا [ابن أبي شيبة ٦٠٢٢، وفيه ضعف]، وتركه أولى؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ، أَوْ يَتَأَخَّرَ، أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ» يعني: في السبحة [أحمد ٩٤٩٦، وأبو داود ١١٠٦، وابن ماجه ١٤٢٧].
٤ - (وَ) كرهت (إِطَالَتُهُ) أي: الإمام (الاسْتِقْبَالَ) للقبلة (بَعْدَ السَّلَامِ)؛ لقول عائشة ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللهمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» [مسلم ٥٩٢]، ولأنه خلاف السنة، وفيه حبس للمأمومين؛ لنهيهم عن الانصراف حتى ينصرف الإمام.
[ ١ / ٣٣١ ]
ويستثنى من الكراهة:
أ) إن كان هناك نساء، فإنه يلبث قليلًا لينصرفن؛ لما روت أم سلمة ﵂: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ» قال الزهري: (نُرَى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء، قبل أن يدركهن أحد من الرجال) [البخاري ٨٧٠].
ب) أن يكون ذلك لحاجة؛ لأن الحاجة ترفع الكراهة.
ت) القعود اليسير؛ لظاهر حديث عائشة السابق.
٥ - (وَ) كره (وُقُوفُ مَأْمُومٍ) لا إمام (بَيْنَ سَوَارٍ تَقْطَعُ الصُّفُوفَ عُرْفًا)؛ لقول أنس ﵁: «كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ» [أحمد ١٢٣٣٩، وأبو داود ٦٧٣، والترمذي ٢٢٩، والنسائي ٨٢٠]، (إِلَّا لِحَاجَةٍ) كضيق مسجد، وكثرة جماعة، فلا يكره.
وكذا تزول الكراهة للحاجة (فِي الكُلِّ) أي: في كل ما سبق ذِكْرُه من علوِّ إمام، وصلاتِه في محراب، وتطوعِه موضعَ مكتوبة، وإطالتِه الاستقبالَ بعد الإمام، والقاعدة: (أن الكراهة تزول عند الحاجة).
٦ - (وَ) كره (حُضُورُ مَسْجِدٍ، وَ) حضورُ (جَمَاعَةٍ) ولو بغير مسجد (لِمَنْ رَائِحَتُهُ كَرِيهَةٌ)، كآكل (مِنْ بَصَلٍ أَوْ غَيْرِه)، كثوم أو كراث، أو من له صُنانٌ
[ ١ / ٣٣٢ ]
أو بَخَرٌ، حتى يذهب ريحه، ولو لم يكن بالمسجد أحد؛ لتأذي الملائكة؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» [مسلم ٥٩٢].
فصلٌ