- مسألة: المتحلِّي بالذهب أوالفضة لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون ذكرًا، وتحته قسمان:
القسم الأول: التحلي بالفضة: يحرم على الرجل؛ لحديث بُريدة ﵁: أن النبي ﷺ سئل عن الخاتم: من أي شيء أتخذه؟ قال: «اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ، وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا» [أحمد: ٢٣٠٣٤، وأبو داود: ٤٢٢٣، والترمذي: ١٧٨٥، والنسائي: ٥١٩٥، وقال أحمد: حديث منكر]، فدل على تحريم استعمال الفضة، وإلا لما توجهت الإباحة إلى اليسير منه، ولأن الشارع سوَّى بينها وبين الذهب في الآنية، وفي كونهما تُقَوَّم بهما المبيعات وأُرُوش الجنايات والمتلَفات وغير ذلك، فكانت محرمة على الرجال كالذهب، ولأن الصحابة ﵃ نقلوا عنه - ﷺ - استعمال يسير الفضة؛ كتحلية قبيعة السيف، فدل على
[ ١ / ٤٩٠ ]
اختصاص الإباحة به (١).
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه تباح الفضة مطلقًا للرجال؛ لعدم وجود الدليل على التحريم، ولما يأتي من استعمال النبي ﷺ والصحابة الفضةَ، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ، فَالْعَبُوا بِهَا» [أحمد: ٨٩١٠، وأبو داود: ٤٢٣٦].
- فرع: يستثنى من تحريم الفضة على الرجل أمور:
١ - الخاتم: وأشار إليه المؤلف بقوله: (وَأُبِيحَ لِرَجُلٍ مِنَ الفِضَّةِ خَاتَمٌ) إجماعًا؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «اتَّخَذَ رَسُولُ الله ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ» [البخاري: ٥٨٦٥، ومسلم: ٢٠٩١].
٢ - (وَقَبِيعَةُ سَيْفٍ)، وهي ما يجعل على طرف القبضة؛ لقول أنس ﵁: «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ الله ﷺ فِضَّةً» [أبوداود: ٢٥٨٣، والترمذي: ١٦٩١، والنسائي: ٥٣٧٤، وأعله أحمد، وحسنه الحافظ]، وكان سيف الزبير - ﵁ - محلًّى بفضة [البخاري: ٣٩٧٤]، وصح أن سيف عمر - ﵁ - كان محلًّى [ابن أبي
_________________
(١) قال شمس الدين محمد بن مفلح في النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر [١/ ١٣٩]: (ولم أجد أحدًا احتج لتحريم لباس الفضة على الرجال في الجملة، ودليل ذلك فيه إشكال، وحُكِي عن الشيخ تقي الدين أنه كان يستشكل هذه المسألة، وربما توقف فيها، وكلامه في موضع يدل على إباحة لبس الفضة للرجال إلا ما دل دليل شرعي على تحريمه) ثم ساق بعض الأدلة المذكورة.
[ ١ / ٤٩١ ]
شيبة: ٢٥١٨٢].
٣ - (وَحِلْيَةُ مِنْطَقَةٍ)، وهي ما يشد به الوسط؛ قياسًا على الخاتم، ولأن الصحابة اتخذوا المناطق المحلاة بالفضة. [ذكره في المبدع، ولم نجد من خرجه].
٤ - (وَنَحْوُهُ)، أي: نحو ما ذُكِر؛ كحلية الخُوذة، والخف، والران: وهو شيء يُلْبَس تحت الخف، وحمائل السيف، ورأس الرمح، والمِغْفَر؛ لأن ذلك يساوي قبيعة السيف والمِنْطَقَة معنًى، فوجب أن يساويها حكمًا.
القسم الثاني: التحلي بالذهب: فالأصل تحريم التحلي بالذهب على الرجال؛ لقول علي بن أبي طالب ﵁: إن نبي الله ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: «إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» [أحمد: ٩٣٥، وأبو داود: ٤٠٥٧، والنسائي: ٥١٤٤، وابن ماجه: ٣٥٩٥]، وعن أبي موسى - ﵁ - نحوه. [أحمد: ١٩٥١٥، والترمذي: ١٧٢٠، والنسائي: ٥١٤٨].
- فرع: يستثنى من تحريم الذهب على الرجال:
١ - قبيعة السيف: وأشار إليه المؤلف بقوله: (وَمِنَ الذَّهَبِ قَبِيعَةُ سَيْفٍ)؛ لما ورد: أن قائم سيف سهل بن حُنَيْف ﵁ مسمار ذهب. [ابن أبي شيبة: ٢٥١٨١]، وعن ابن عمر ﵄ قال: كان سيف عمر بن الخطاب الذي شهد بدرًا فيه سبائك من ذهب. [أحمد في فضائل الصحابة: ٣٢٥، وفيه ضعف].
[ ١ / ٤٩٢ ]
واختار شيخ الإسلام: أنه يباح الذهب في السلاح مطلقًا؛ لأنه إذا جاز في السيف جاز في غيره من باب أولى.
٢ - (وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ؛ كَأَنْفٍ) ورباط أسنان؛ لما روى عَرْفَجَة بن أسعد ﵁: «أَنَّه قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ، فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» [أحمد: ١٩٠٠٦، وأبو داود: ٤٢٣٢، والترمذي: ١٧٧٠، والنسائي: ٥١٦١].
٣ - وعند شيخ الإسلام خلافًا للمذهب: أنه يجوز من الذهب اليسير التابع؛ لحديث المِسْوَر بن مَخْرَمة ﵄: أنه ذهب هو وأبوه إلى النبي ﷺ لما جاءته أقبية، وفيه: «فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرٌ بِالذَّهَبِ» [البخاري: ٥٨٦٢]، ولحديث معاوية ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا» [أحمد: ١٦٩٠٩، وأبو داود: ٤٢٣٩، والنسائي: ٥١٤٩].
وعلى هذا: فيحرم:
أ) الكثير مطلقًا؛ لأن الإباحة وردت في اليسير، فيبقى الكثير داخلًا في عموم أحاديث التحريم السابقة.
ب) اليسير المنفرد؛ لأن الوارد استثناؤه في التابع دون المنفرد، ولحديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه، وقال: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ» [مسلم: ٢٠٩٠].
[ ١ / ٤٩٣ ]
(وَ) الأمر الثاني: أن يكون المتحلِّي أنثى: فيباح (لِنِسَاءٍ مِنْهُمَا) أي: من الذهب والفضة (مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ)، قلَّ أو كَثُرَ، محلَّقًا كان أو غيرَ محلَّق؛ لقوله تعالى: (أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين)، ولعموم حديث علي وأبي موسى السابق ذكرهما.
- فرع: يستثنى من إباحة الذهب للنساء:
١ - ما لم تجر عادتهن بلبسه، كحُلي الرجل ونعال الذهب ونحوه، فيحرم؛ لانتفاء التجمل، ولأنه من لباس الشهرة.
٢ - ما وصل إلى حد الإسراف، فيكره؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا، مَا لَمْ يُخَالِطْهُ إِسْرَافٌ، أَوْ مَخِيلَةٌ» [أحمد: ٦٦٩٥، والنسائي: ٢٥٥٩، وابن ماجه: ٣٦٠٥، وعلقه البخاري بصيغة الجزم ٧/ ١٤٠].
وعند شيخ الإسلام: يحرم الإسراف في المباح؛ لقوله تعالى: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين).
- مسألة: زكاة الحلي على أقسام:
الأول: الحلي المباح، وأشار إليه بقوله: (وَلَا زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ مُبَاحٍ) لرجل أو امرأة إذا (أُعِدَّ) الحلي (لِاسْتِعْمَالٍ) ولو لم يستعمل؛ لحديث جابر
[ ١ / ٤٩٤ ]
﵁ مرفوعًا: «لَيْسَ فِي الحُلِيِّ زَكَاةٌ» [ابن الجوزي في التحقيق: ٩٨١، وقال البيهقي: باطل لا أصل له]، وقال أحمد: (هو قول خمسة من الصحابة)، ورد ذلك عن جابر وابن عمر وأنس وعائشة وأسماء ﵃، وقال الحسن: (لا نعلم أحدًا من الخلفاء قال: «في الحلي زكاة» [ابن أبي شيبة: ١٠١٧٣، وما بعده])، ولأنه مرصد للاستعمال المباح، فلم يجب فيه الزكاة كثياب القُنْية.
وعنه، واختاره ابن باز وابن عثيمين: تجب الزكاة في الحلي؛ لعمومات الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في الذهب والفضة، ولحديث عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ، فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟»، فقلت: صنعتهن أتزيَّن لك يا رسول الله، قال: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ؟»، قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: «هُوَ حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ» [أبو داود: ١٥٦٥]، ولحديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مَسْكَتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟»، قالت: لا، قال: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ الله بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟» [أحمد: ٦٩٠١، وأبو داود: ١٥٦٣، والترمذي: ٦٣٧، والنسائي: ٢٤٧٩، قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء].
الثاني: الحلي المحرم، كآنية محرمة والذهب للرجل: تجب فيه الزكاة إن بلغ نصابًا وزنًا اتفاقًا؛ لأنها إنما سقطت في المباح المعد للاستعمال لصرفه عن جهة النماء، فيبقى ما عداه على مقتضى الأصل من وجوب الزكاة.
[ ١ / ٤٩٥ ]
الثالث: الحلي المعد للعارية ولو لم يُعَر: لا تجب فيه الزكاة؛ لأن عاريته تقوم مقام استعماله، وأشار إليه بقوله (أَوْ عَارِيَةٍ).
الرابع: الحلي المعد للكراء - وهو التأجير - والنفقة والادخار: ففيه الزكاة؛ لعموم أدلة وجوب الزكاة في الذهب والفضة، ولأنها إنما سقطت في المباح المعد للاستعمال لصرفه عن جهة النماء، فيبقى ما عداه على مقتضى الأصل من وجوب الزكاة.
- فرع: المعتبر في نصاب زكاة الحلي وقدر المخرَج منه على ثلاثة أقسام:
١ - أن يكون معدًّا للكراء والنفقة، أو يكون محرَّمًا: فالمعتبر في النصاب والإخراج الوزن؛ لحديث أبي سعيد السابق: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ»، والصنعة المحرمة يجب إتلافها شرعًا.
٢ - أن يكون معدًّا للتجارة: فالمعتبر في النصاب والإخراج القيمة؛ كالعُروض.
٣ - أن يكون مباح الصناعة، ووجبت فيه الزكاة لعدم الاستعمال أو لعدم العارية، ولم يكن للتجارة: فالمعتبر في النصاب الوزن؛ لما تقدم، والمعتبر في الإخراج القيمة، كالعروض؛ لأنه لو اعتبر بالوزن عند الإخراج لفاتت الصنعة المتقوَّمة شرعًا على الفقراء.
[ ١ / ٤٩٦ ]
- مسألة: تجب الزكاة فيما أُعد للبيع اتفاقًا، وقال المجد: (هو إجماع متقدم)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤)﴾ ﴿المعارج: ٢٤﴾، ولحديث سمرة بن جندب ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ» [أبو داود: ١٥٦٢، وفيه ضعف]، ولما صح عن ابن عمر ﵄ أنه قال: " لَيسَ فِي العُرُوضِ زَكاةٌ إلَّا مَا كَانَ للتِّجَارَةِ " [البيهقي: ٧٦٠٥] ولا يعرف له مخالف، ولأن هذه العروضُ يشتريها الإنسان لقيمتها لا لذاتها، فتكون ملحقة بالذهب والفضة.
- فرع: (وَيَجِبُ تَقْوِيمُ عَرْضِ التِّجَارَةِ) عند تمام الحول؛ لأنه وقت الوجوب، ولا يعتبر ما اشتريت به؛ لأن في تقويمها بما اشتريت به إبطالًا للتقويم بالأنفع، فيقومها (بِالأَحَظِّ لِلفُقَرَاءِ مِنْهُمَا) أي: من الذهب والفضة، فإذا بلغ العَرْض بأحدهما نصابًا وجبت فيه الزكاة؛ لأن التقويم لحظ أهل الزكاة، فتُقَوَّم بالأحظ لهم.
- فرع: (وَتُخْرَجُ) زكاة عَرْض التجارة (مِنْ قِيمَتِهِ)؛ لأنها محل الوجوب لاعتبار النصاب بها، ولا يجزئ إخراج الزكاة من العرْض نفسه؛ لأنها ليست محل الوجوب، فإخراجها كالإخراج من غير الجنس.
واختار شيخ الإسلام: أنه يجوز إخراج زكاة العروض من القيمة أو من العروض؛ لأن الزكاة مواساة، فلا يكلفها من غير ماله، ولأنها مال تجب فيه
[ ١ / ٤٩٧ ]
الزكاة فجاز إخراجها منه كسائر الأموال.
- فرع: (وَإِنِ اشْتَرَى) إنسان (عَرْضًا) للتجارة (بِنِصَابٍ) من الذهب أو الفضة أو عروض أخرى، كمن اشترى أقلامًا للتجارة بذهب أو فضة، أو اشترى كتبًا للتجارة بأثواب معدة للتجارة (غَيْرِ) نصاب (سَائِمَةٍ؛ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ)؛ لأنها كالجنس الواحد.
وإن اشترى عرض تجارة بنصاب سائمة لم يَبْنِ على حوله؛ لاختلافهما في النصاب والواجب، وتقدمت المسألة في أول كتاب الزكاة عند قول الماتن: (وإن أبدله بجنسه فلا).