- مسألة: المبيع لا يخلو من قسمين:
القسم الأول: ما بيع بتقدير، وهو ستة أشياء، وأشار إليه بقوله: (وَمَنِ اشْتَرَى مَكِيلًا وَنَحْوَهُ)، وهو الموزون والمعدود والمذروع، وكذا ما بيع برؤية متقدمة، أو بوصف، طعامًا كان أو غيره؛ صح البيع، و(لَزِمَ بِالعَقْدِ) إن لم يكن فيه خيار؛ كباقي المبيعات، ويترتب عليه مسائل، منها:
أولًا: التصرف فيه قبل قبضه: فقال ﵀: (وَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ) أي: المشتري (فِيهِ) ببيع، أو هبة ولو بلا عوض، أو إجارة، أو رهن، أو حوالة (قَبْلَ قَبْضِهِ)؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ»، قال ابن عباس: «وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ» [البخاري ٢١٣٣، ومسلم ١٥٢٥]، وكان الطعام يومئذ مستعملًا غالبًا فيما يُكال ويوزن، وقيس عليهما المعدود والمذروع؛ لاحتياجهما لحق التوفية.
ويستثنى من ذلك ثلاثة أمور:
[ ٢ / ٢٤٥ ]
١ - عتقه: كما لو اشترى عشرة أعبد مثلًا فأعتقها قبل قبضها، فيصح إجماعًا؛ لقوة سرايته.
٢ - جعله مهرًا أو عوض خلع: فيصح؛ لاغتفار الغرر اليسير فيهما.
٣ - الوصية به: فيصح؛ لأنها ملحقة بالإرث، وتصح بالمعدوم.
واختار شيخ الإسلام: أن ذلك لا يخلو من أمرين:
أ - أن يكون التصرف فيه بغير البيع؛ كالرهن والهبة وجعله مهرًا ونحوه: فيجوز؛ لأن النهي في حديث ابن عباس ﵄ إنما هو في البيع فقط، فيبقى ما عداه على الأصل وهو الحِلُّ.
ب - أن يكون التصرف فيه بالبيع: فلا يجوز؛ لظاهر الحديث السابق، إلا في موضعين:
١ - إذا باعه على بائعه، وهي رواية عن أحمد؛ لأن علة النهي عن بيع المبيع قبل قبضه هي عجز المشتري عن تسليمه؛ لأن البائع قد يسلمه وقد لا يسلمه، لا سيما إذا رأى المشتري قد ربح، فإنه يسعى في رد البيع إما بجحد أو احتيال في الفسخ، وتأكد بالنهي عن ربح ما لم يضمن، وإذا كان في يد بائعه انتفت العلة، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
٢ - إذا باعه تولية أو شركة (١)؛ لأن العلة في النهي أنه إذا باعه بربح، فقد
_________________
(١) التولية: هي أن يبيعه برأس ماله، كأن يشتري سيارة بألف، ثم يبيعها قبل أن يقبضها بألف. والشركة: هي بيع بعض السلعة بقسطها من الثمن.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
ربح ما لم يدخل في ضمانه، وأما إذا باعه تولية أو شركة فلم يربح ما لم يضمن، فانتفت العلة، قال شيخ الاسلام: (وهو مخرَّجٌ من جواز بيع الدين).
ثانيًا: ضمان المبيع: إن تلف المبيع بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع، أو بيع برؤية متقدمة، أو بوصف، والثمر على الشجر إذا بيع بعد بدو الصلاح، لم يخل من أمرين:
الأمر الأول: أن يتلف بعد قبضه: فمن ضمان المشتري إجماعًا؛ لأن البيع تقرر بقبض المبيع، فتقرر الثمن.
الأمر الثاني: أن يتلف قبل قبضه؛ فمن ضمان البائع، ولا يخلو من أمرين:
أ - أن يتلف بآفة سماوية لا صنع لآدمي فيها: فالضمان من مال بائع؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ!» [مسلم ١٥٥٤].
لكن إن عرض البائع المبيع على المشتري فامتنع من قبضه ثم تلف؛ كان من ضمان المشتري؛ لتفريطه.
ب - أن يتلفه آدمي، سواء كان هو البائع أو أجنبيًا: خُيِّر مشتر بين
[ ٢ / ٢٤٧ ]
فسخ البيع ويرجع على بائع بما أخذ من ثمنه، وبين إِمضاءٍ ومطالبة متلفه ببدله، أي: بمثله إن كان مثليًا أو قيمته إن كان متقومًا؛ لأن الإتلاف كالعيب، وقد حصل في موضع يلزم البائع ضمانه، فكان للمشتري الخيار؛ كالعيب.
ولكن إن تلف بفعل مشتر -وإن كان غير متعمد- فلا خيار له؛ لأن إتلافه كقبضه.
القسم الثاني: وهو ما عدا القسمَ الأولَ، أي: ما عدا ما اشتُرِي بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع، أو رؤية سابقة أو صفة، كما لو اشترى عبدًا معينًا أو أرضًا معينة ولم يذكر ذرعها، أو اشترى المكيل ونحوه جِزافًا؛ صح البيع ولزم بالعقد؛ كالقسم الأول، ويترتب عليه مسائل، منها:
أولًا: التصرف فيه قبل قبضه: فيجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه، ببيع وهبة وإجارة وعتق وغير ذلك؛ لقول ابن عمر: كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير وبالعكس، فسألْنا رسول الله ﷺ فقال: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَبَيْنَهُمَا شَيْءٌ» [أحمد ٥٥٥٥، وأبو داود ٣٣٥٤، والترمذي ١٢٤٢، والنسائي ٤٥٨٢، وابن ماجه ٢٢٦٢]، وهذا تصرف بالثمن قبل قبضه، وهو أحد العوضين، ولأن النبي ﷺ اشترى من جابر ﵁ جَمَلَه ونقده ثمنه، ثم وهبه إياه قبل قبضه [مسلم ٧١٥].
واختار شيخ الإسلام: أن حكمه حكم ما تقدم من التفصيل في القسم الأول.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
- فرع: حكم كل عوض مُلِك بعقد معاوضة حكمُ عوض في بيع فيما سبق في جواز التصرف فيه قبل قبضه ومنعه؛ كالأجرة المعينة، والعوض في الصلح بمعنى البيع، والعوض في الخلع، والعوض في العتق، والمصالح به عن دم العمد.
وأما إن تعين ملكه في موروث أو وصية أو غنيمة؛ فله التصرف فيه قبل القبض؛ لعدم ضمانه بعقد معاوضة، فملكه عليه تام لا يتوهم غرر الفسخ فيه.
وقال شيخ الإسلام: (كل ما مُلِك بعقد سوى البيع فإنه يجوز التصرف فيه قبل قبضه بالبيع وغيره؛ لعدم قصد الربح).
ثانيًا: ضمان المبيع: إن تلف المبيع بغير كيل ونحوه، فلا يخلو من أمرين:
١ - أن لا يمنع البائعُ المشتري من قبضه: فيكون من ضمان المشتري، تمكن المشتري من قبضه أم لا؛ لحديثِ: «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» [أحمد ٢٤٢٢٤، وأبو داود ٣٥٠٨، والترمذي ١٢٨٥، والنسائي ٤٤٩٠، وابن ماجه ٢٢٤٣]، وهذا المبيع للمشتري فضمانه عليه.
٢ - أن يمنع البائعُ المشتري من قبضه حتى تلف: فيكون من ضمان البائع، وضمانه ضمان غصب؛ لأنه كالغاصب.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
- مسألة: (وَيَحْصُلُ قَبْضُ) المبيع بما دل عليه العرف؛ لأن القبض مطلق في الشرع، فيرجع فيه إلى العرف كالحرز والتفرق، ومن ذلك:
١ - (مَا بِيعَ بِكَيْلٍ وَنَحْوِهِ) كالوزن والعد والذرع (بِذَلِكَ) أي: بالكيل أو بالوزن أو بالعد أو بالذرع؛ لحديث عثمان يرفعه: «إِذَا بِعْتَ فَكِلْ، وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ» [أحمد ٤٤٤، وابن ماجه ٢٢٣٠]، فلا يشترط نقله، وشرطه: أن يكون كيله أو وزنه أو عده أو ذرعه (مَعَ حُضُورِ مُشْتَرٍ)؛ للخبر السابق، (أَوْ) حضور (نَائِبِهِ)؛ لأن النائب يقوم مقامه، (وَوِعَاؤُهُ) أي: المستحق (كَيَدِهِ)؛ لأنهما لو تنازعا فيه كان لربه، فلو اشترى منه مكيلًا بعينه، ودفع إليه الوعاء وقال: كِلْهُ فإنه يصير مقبوضًا.
- فرع: لا يشترط نقل ما بيع بكيل ونحوه من مكانه؛ لحصول القبض بذلك.
واختار ابن عثيمين: لا يحصل قبضه إلا بذلك التقدير من الكيل أو الوزن أو العد أو الذرع مع النقل؛ لما روى ابن عمر ﵄ قال: «كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَبْتَاعُ الطَّعَامَ، فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ المَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ» [مسلم ١٥٢٧].
[ ٢ / ٢٥٠ ]
٢ - (وَ) يحصل قبض (صُبْرَةٍ) وهي: الطعام المجتمع كالكُومة، (وَ) قبض (مَنْقُولٍ) كثياب وحيوان (بِنَقْلٍ)؛ لحديث ابن عمر ﵄: «كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ جِزَافًا، فَنَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ» [البخاري ٢١٦٦، ومسلم ١٥٢٧].
٣ - (وَ) يحصل قبض (مَا يُتَنَاوَلُ) كالأثمان والجواهر (بِتَنَاوُلِهِ)؛ إذ العرف فيه ذلك.
٤ - (وَ) يحصل قبض (غَيْرِهِ) أي: غير ما تقدم من عقار وثمر على الشجر (بِتَخْلِيَةٍ) مع عدم مانع، بأن يخلي بينه وبين المشتري، كأن يفتح له باب الدار أو يسلمه مفتاحها؛ عملًا بالعرف.
- مسألة: (وَالإِقَالَةُ) وهي نقض البيع وإبطاله (فَسْخٌ) للعقد لا بيع؛ لأنها عبارة عن الرفع والإزالة، يقال: أقال الله عثرتك، أي: أزالها، وبدليل جوازها في السلم مع إجماعهم على المنع من بيعه قبل قبضه.
ويترتب على كونها فسخ مسائل، منها: أنها تصح بعد نداء الجمعة، ولا يثبت فيها خيار المجلس، وتصح قبل قبض المبيع، ولو نحو مكيل، وغيرها.
- مسألة: (تُسَنُّ) الإقالة (لِلنَّادِمِ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا، أَقَالَهُ اللهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» [ابن ماجه ٢١٩٩].
[ ٢ / ٢٥١ ]
(فَصْلٌ)