الربا لغة: الزيادة؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] أي: علت.
وشرعًا: تفاضل في أشياء؛ كمكيل بجنسه، ونسأ في أشياء؛ كمكيل بمكيل، مختص بأشياء ورد الشرع بتحريمها.
وانعقد الإجماع على تحريمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهو من الكبائر.
- مسألة: (الرِّبَا نَوْعَانِ):
النوع الأول: ربا الدَّين: وهو محرم بالإجماع، وهو قسمان:
١ - اشتراط الزيادة في القرض، وهو الذي تعمل به بعض البنوك الآن.
٢ - اشتراط الزيادة إذا حل أجل الدَّين، فإنه يطالبه بأن يسدد أو يربيه كما يفعل أهل الجاهلية، وهذا الآن له صور في البنوك وهو ما يسمى بقلب الدين.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
النوع الثاني: ربا البيوع، وهو قسمان:
١ - (رِبَا فَضْلٍ): وهو الزيادة في أحد الربويين المتحدَي الجنس.
٢ - (وَرِبَا نَسِيئَةٍ): وهو التأخير في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل، ليس أحد الجنسين نقدًا.
- مسألة: (فَرِبَا الفَضْلِ: يَحْرُمُ فِي):
١ - (كُلِّ مَكِيلٍ) مطعوم كالبر، أو غير مطعوم كالأُشنان، بِيعَ بجنسه متفاضلًا، ولو يسيرًا لا يتأتى كَيْلُه؛ كتمرة بتمرتين؛ لعدم التماثل.
٢ - (وَ) في كل (مَوْزُونٍ) من نقد أو غيره، مطعوم كالسكر، أو غير مطعوم كالقطن، (بِيعَ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا وَلَوْ يَسِيرًا لَا يَتَأَتَّى)؛ كحبة صغيرة من الذهب والفضة ونحوهما؛ لعدم التماثل.
والدليل على ذلك: حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» [مسلم ١٥٨٧]، وعلة الربا في النقدين: كونهما موزوني جنس، وفي الأعيان الباقية: كونها
[ ٢ / ٢٥٣ ]
مكيلات جنس، وألحق بذلك كل مكيل، أو موزون؛ لوجود العلة فيه.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام:
١ - أن العلة في الذهب والفضة: الثمنية؛ لحديث عبادة ﵁ السابق؛ لأن العلة فيهما لا تخلو: إما أن تكون الوزن أو الثمنية، والأول باطل؛ لإجماع العلماء على جواز السَّلَم في الموزونات؛ كالحديد والرصاص، فيتعين القول بالثمنية؛ لأن التعليل بها تعليل بوصف مناسب، فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارًا للأموال يتوسل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها، فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية، وتتعدى العلة على كل ما صدق عليه هذا الوصف؛ كالفلوس والنقود، ويلحق بها الأوراق النقدية.
٢ - والعلة في بقية الأصناف الأربعة: الطعم مع الكيل، أو الطعم مع الوزن؛ لحديث مَعْمَرِ بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» [مسلم ١٥٩٢]، والمماثلة لا تكون إلا بالكيل أو الوزن، فدل على أنه لا يحرم إلا في مطعوم يكال أو يوزن.
- ضوابط في الربا:
الضابط الأول: كل رِبَوِيَيْنِ اتحدا في الجنس فإنه يشترط عند مبادلة أحدهما بالآخر شرطان: التماثل، والحلول والتقابض؛ لحديث عبادة ﵁ السابق، وأشار إليه بقوله: (وَيَصِحُّ بِهِ) أي: بيعه بجنسه (مُتَسَاوِيًا)، فإن بيع
[ ٢ / ٢٥٤ ]
بجنسه غير متساوٍ لم يصح؛ لأنه ربًا.
مثاله: لو بادل تمرًا بتمر، فلابد من: التماثل، والحلول والتقابض.
الضابط الثاني: كل ربويين اتحدا في علة ربا الفضل واختلفا في الجنس؛ فيشترط عند مبادلة أحدهما بالآخر شرط واحد فقط، وهو: الحلول والتقابض، وأشار إليه بقوله: (وَ) يصح بيعه (بِغَيْرِهِ) أي: بغير جنسه إذا اتفقا في علة ربا الفضل (مُطْلَقًا) متساويًا أو لا (بِشَرْطِ قَبْضٍ قَبْلَ تَفَرُّقٍ)؛ لحديث عبادة ﵁ السابق، وفيه: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ».
مثاله: لو بادل لحم إبل بلحم غنم، فإنه يشترط الحلول والتقابض دون التماثل، لاتفاقهما في علة ربا الفضل، واختلافهما في الجنس.
الضابط الثالث: ما اشترط فيه التساوي، فلا بُدَّ أن يكون التساوي والتماثل بمعياره الشرعي: كيلًا في المكيلات، ووزنًا في الموزونات، وأشار إليه بقوله: (لَا) يصح بيع (مَكِيلٍ بِجِنْسِهِ وَزْنًا)، ككيلو تمر بكيلو تمر، (وَلَا عَكْسِهِ)، أي: بيع موزون بمثله كيلًا؛ كصاع ذهب بصاع ذهب؛ لأن ما خولف معياره الشرعي لا يتحقق فيه التماثل، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، (إِلَّا إِذَا عُلِمَ تَسَاوِيهِمَا فِي المِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ)، فيصح البيع؛ للعلم بالتماثل، ويدل لذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
[ ٢ / ٢٥٥ ]
«الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا» [مسلم ١٥٨٨]، فاعتبر الشارع المساواة في الموزونات بالوزن وفي المكيلات بالكيل، فمن خالف ذلك خرج عن المشروع المأمور به، إذ المساواة المعتبرة فيما يحرم فيه التفاضل: هي المساواة في معياره الشرعي.
فلو باع ألف غِرام من الدهن بألف غرام لم يجز؛ لأنه يحصل من الدهن الخفيف أكثر مما يحصل من الدهن الثقيل، فيختلفان في الكيل، إلا إذا علم مساواته في معياره الشرعي، بأن يُكالا فيعلم تساويهما؛ فيجوز.
وقال شيخ الإسلام: (وما لا يختلف فيه الكيل والوزن مثل الأدهان يجوز بيع بعضه ببعض كيلًا ووزنًا، وعن أحمد ما يدل عليه)؛ لتماثلهما.
- فرع: اختار شيخ الإسلام: جواز بيع الموزونات الربوية بالتحري؛ للحاجة عند تعذر الوزن؛ قياسًا على العرايا، حيث جاز بيع التمر بالرُّطَب خَرْصًا.
- مسألة: (وَ) النوع الثاني من نوعي الربا: (رِبَا النَّسِيئَةِ) من النَّساء -بالمد- وهو التأخير، (يَحْرُمُ فِيمَا) أي: في مبيعين (اتَّفَقَا فِي عِلَّةِ رِبَا فَضْلٍ؛ كَـ) بيع (مَكِيلٍ بِمَكِيلٍ، وَ) بيع (مَوْزُونٍ بِمَوْزُونٍ نَسَاءً) وإن اختلف
[ ٢ / ٢٥٦ ]
الجنس، وسبق في الضابط الثاني، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ) أو المثمن (أَحَدَ النَّقْدَيْنِ) أي: الذهب والفضة؛ (فَيَصِحُّ)، ولا يحرم النَّساء؛ كبيع حديد بذهب أو بفضة، قال في المبدع: (بغير خلاف)؛ لأن الشارع أرخص في السلم، والأصل في رأس ماله النقدان، فلو حرم النساء فيه لانسد باب السلم في الموزونات غالبًا.
الضابط الرابع: كل ربويين اختلفا في علة ربا الفضل، فلا يشترط عند مبادلة أحدهما بالآخر لا الحلول والتقابض، ولا التساوي والتماثل، وأشار إليه بقوله: (وَيَصِحُّ بَيْعُ مَكِيلٍ بِمَوْزُونٍ، وَعَكْسِهِ) أي: موزون بمكيل (مُطْلَقًا) حالًّا أو نَساءً، متساويًا أو لا.
مثاله: عند مبادلة بر بذهب، لا يُشترط شيء؛ لاختلافها في علة ربا الفضل.
الضابط الخامس: عند مبادلة ربوي بغير ربوي، أو مبادلة عوضين غير ربويين؛ فإنه لا يشترط الحلول والتقابض ولا التساوي والتماثل؛ لحديث عبدالله بن عمرو ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا، فَنَفِدَتِ الإِبِلُ، قَالَ: فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ آخُذَ فِي قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ، فَكُنْتُ آخُذُ البَعِيرَ بِالبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ» [أحمد ٦٥٩٣]، وإذا جاز في الجنس الواحد ففي الجنسين أولى.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
مثال مبادلة الربوي بغير الربوي: ذهب بكتب، ومثال مبادلة غير الربوي بغير الربوي: كتب بأقلام.