- مسألة: (وَتَسْقُطُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ) أي: على الميت، (بِـ) صلاة (مُكَلَّفٍ) واحد، رجلًا كان أو امرأة؛ لأن الصلاة على الميت فرضٌ على الكفاية، فسقطت بالواحد، كغسله وتكفينه.
قال البهوتي في شرح المنتهى: (وظاهره: لا تسقط بالمميز؛ لأنه ليس من أهل الوجوب، وقدم في المحرر: تسقط؛ كما لو غسله).
- مسألة: (وَتُسَنُّ) الصلاة على الميت في (جَمَاعَةٍ) إجماعًا، ولو
[ ١ / ٤٣٣ ]
لنساء؛ لأن النبي ﷺ كان يفعلها هو وأصحابه جماعة؛ ففي حديث جابررضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ، فَصَفَّنَا وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ» [البخاري: ٣٨٧٨، ومسلم: ٩٥٢]، إلا النبيَّ ﷺ فلم يصلوا عليه بإمام، احترامًا له وتعظيمًا لقدره.
- مسألة: (وَ) يسن (قِيَامُ إِمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ) في الصلاة (عِنْدَ صَدْرِ رَجُلٍ)؛ رواه إبراهيم النخعي من فعل ابن مسعود ﵁ [رواه سحنون في المدونة، وفيه راو مبهم ١/ ٢٥٢]، ولما رواه أبو غالب قال: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ رَجُلٍ، فَقَامَ حِيَالَ رَأْسِهِ، فَجِيءَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى، بِامْرَأَةٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ لَهُ العَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَكَذَا رَأَيْتَ رَسُولَ الله ﷺ قَامَ مِنَ الجِنَازَةِ مَقَامَكَ مِنَ الرَّجُلِ، وَقَامَ مِنَ المَرْأَةِ مَقَامَكَ مِنَ المَرْأَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» [أحمد: ١٣١١٤، وأبو داود: ٣١٩٤، والترمذي: ١٠٣٤، وابن ماجه: ١٤٩٤]، والواقف عند الرأس واقف عند الصدر؛ لتقاربهما.
وعنه: يقوم عند رأس الرجل؛ لظاهر حديث أنس المتقدم.
قال ابن قدامة: (قول من قال: يقف عند رأس الرجل غير مخالف لقول من قال بالوقوف عند الصدر؛ لأنهما متقاربان، فالواقف عند أحدهما واقف عند الآخر).
- مسألة: (وَ) يسن قيام الإمام والمنفرد عند (وَسَطِ امْرَأَةٍ)؛ لما روى
[ ١ / ٤٣٤ ]
سمرة بن جندب ﵁ قال: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا» [البخاري: ١٣٣١، ومسلم: ٩٦٤].
- فرع: فإن وقف في غير هذين الموضعين خالف السنة، وصحت صلاته.
- مسألة: صفة الصلاة على الميت: أن يقف الإمام أو المنفرد الموقف المتقدم من الميت (ثُمَّ) يأتي بما يلي:
١ - القيام في الفرض، وهو من واجباتها اتفاقًا؛ لعموم قوله ﷺ في حديث عمران بن حصين - ﵁ -: «صَلِّ قَائِمًا» [البخاري: ١١١٧].
٢ - (يُكَبِّرُ أَرْبَعًا) إجماعًا، وهو من واجباتها؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» [البخاري: ١٣٣٣، ومسلم: ٩٥١]، وقد قال ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [البخاري: ٦٣١]، فدل على وجوب التكبيرات الأربع.
٣ - (يَقْرَأُ بَعْدَ) التكبيرة (الأُولَى وَ) بعد (التَّعَوُّذِ) والبسملة -؛ لأنهما مشروعان للقراءة - سورةَ (الفَاتِحَةِ) سرًّا ولو ليلًا؛ لما روى أبو أمامة ﵁ قال: «السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الجنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ مُخَافَتَةً، ثُمَّ يُكَبِّرَ ثَلَاثًا، وَالتَّسْلِيمُ عِنْدَ الْآخِرَةِ» [النسائي: ١٩٨٩].
[ ١ / ٤٣٥ ]
- فرع: قراءة الفاتحة من واجبات صلاة الجنازة؛ لعموم حديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعًا: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» [البخاري: ٧٥٦، ومسلم: ٣٩٤]، وقال طلحة بن عبد الله بن عوف: صلَّيت خلف ابن عبَّاس ﵄ على جنازةٍ، فقرأ بفاتِحَة الكتاب ثم قال: «لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ» [البخاري: ١٣٣٥].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه تستحب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ولا تجب؛ لأن المقصود الأعظم هو الدعاء للميت، وما ورد من الأمر بقراءة الفاتحة في الصلاة فالمراد به الصلاة المطلقة المشتملة على ركوع وسجود، أما هذه فتقيد، ويقال: صلاة الجنازة.
- فرع: تكون الصلاة (بِلَا) دعاء (اسْتِفْتَاح)؛ لأنه لم يثبت عن النبي - ﷺ -، ولأن الصلاة على الجنازة مبنية على التخفيف، ولذلك ليس فيها ركوع ولا سجود.
٤ - (وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ) التكبيرة (الثَّانِيَةِ) باتفاق الأئمة، (كَـ) ما يصلي (فِي) الـ (تَّشَهُّد)؛ لما روى أبو أمامة بن سهل، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ: «أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الجنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى سِرًّا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَيُخْلِصُ الدُّعَاءَ لِلْجنَازَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ، لَا يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ، ثُمَّ يُسَلِّمُ سِرًّا فِي نَفْسِهِ» [مسند الشافعي ١/ ٣٥٩]، وصفته كالتشهد الأخير في الصلاة؛ لأنه
[ ١ / ٤٣٦ ]
ﷺ لما سألوه: (كيف نصلي عليك)؟ علمهم ذلك. [البخاري: ٣٣٦٩، ومسلم: ٤٠٧].
- فرع: الصلاة على النبي ﷺ من واجبات صلاة الجنازة، وهو من المفردات؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ مرفوعًا: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ» [ابن ماجه: ٤٠٠].
وعند الثلاثة: لا تجب الصلاة على النبي ﷺ؛ لعدم الدليل على وجوبها، وتقدم أنها لا تجب في الصلاة المعهودة، فهنا أولى.
٥ - (وَيَدْعُو) للميت (بَعْدَ) التكبيرة (الثَّالِثَةِ)؛ لحديث أبي أمامة بن سهل السابق، وفيه: «وَيَخْلُصُ الدُّعَاءَ لِلْجنَازَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ»، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ، فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» [أبو داود: ٣١٩٩، وابن ماجه: ١٤٩٧]، وهو من واجبات الصلاة على الجنازة؛ لأنه هو المقصود، فلا يجوز الإخلال به.
- فرع: (وَالأَفْضَلُ) أن يكون الدعاء (بِشَيْءٍ مِمَّا وَرَدَ) عن النبي ﷺ أو صحابته، (وَمِنْهُ):
أ) (اللهمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا)؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁، وتمامه: «اللهمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ»، [أحمد: ٨٨٠٩،
[ ١ / ٤٣٧ ]
وأبو داود: ٣٢٠١، والترمذي: ١٠٢٤، والنسائي: ١٩٨٦، وابن ماجه: ١٤٩٨]، زاد أبو داود وابن ماجه: «اللهمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ».
- فرع: قول المؤلف: (إِنَّكَ تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِمَا)، لم يرد في حديث.
ب) (اللهمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ، ونَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ)، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، (وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ) كما في حديث عوف بن مالك ﵁ [مسلم: ٩٦٣]، ولفظ: «مِنَ الذُّنَوبِ» عند ابن ماجه [١٥٠٠].
ت) (وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ)؛ كما في حديث أم سلمة ﵂
[ ١ / ٤٣٨ ]
[مسلم: ٩٢٠].
- فرع: وإن كان الميت أنثى أنث الضمير، وإن جهله أنَّث باعتبار الجنازة أو ذكَّر باعتبار الشخص.
- فرع: (وَإِنْ كَانَ) الميت (صَغِيرًا) ذكرًا أو أنثى، (أَوْ مَجْنُونًا، قَالَ) بعد: (ومن توفيته منا فتوفه عليهما) مكان الاستغفار: (اللهمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ، وَفَرَطًا) أي: سابقًا مهيِّئًا لمصالح أبويه في الآخرة، (وَأَجْرًا، وَشَفِيعًا مُجَابًا، اللهمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ المُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ، وقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الجَحِيمِ)؛ ولم يرد هذا الدعاء بلفظه، وإنما هو لائق بالمحل، مناسب لما هو فيه، فشرع فيه؛ كالاستغفار للبالغ، لكن ورد عن المغيرة بن شعبة ﵁ مرفوعًا: «وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» [أحمد: ١٨١٨١، وأبو داود: ٣١٨٠]، وجاء عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يصلي على الصغير ويقول: «اللهمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَفَرَطًا وَذُخْرًا» [البيهقي: ٦٧٩٤، وفيه ضعف].
- فرع: لا يستغفر للصغير؛ لأنه شافع غير مشفوع فيه، ولا جرى عليه قلم.
[ ١ / ٤٣٩ ]
٦ - ثم يكبر (وَيَقِفُ بَعْدَ) التكبيرة (الرَّابِعَةِ قَلِيلًا) ولا يدعو؛ لما روى زيد بن أرقم ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَقِفُ مَا شَاءَ الله»، قال في المبدع: (رواه الجوزجاني) [لم نقف عليه].
وعنه: يقف ويدعو بعد الرابعة؛ لما روى إبراهيم الهَجَري عن عبد الله بن أبي أَوْفى ﵁ قال: «ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَكَبَّرَ أَرْبَعًا، فَقَامَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ، يَسْتَغْفِرُ لَهَا وَيَدْعُو، ثُمَّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصْنَعُ هَكَذَا» [ابن ماجه: ١٥٠٣، وحسنه الألباني]، ولأنه قيام في جنازة، أشبه الذي قبله.
٧ - (وَيُسَلِّمُ) بعد التكبيرة الرابعة؛ تسليمة واحدة عن يمينه؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً» [الحاكم: ١٣٣٢، والبيهقي: ٦٩٨٢]، وعليه عمل الصحابة: علي، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وابن أبي أَوْفى، وواثلة بن الأسقع، وأبي أمامة ﵃. [البيهقي: ٦٩٨٣، وما بعده].
وقيل: يسلم تسليمتين؛ لما ورد عن ابن مسعود أنه قال: «ثَلَاثُ خِلَالٍ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَفْعَلُهُنَّ، تَرَكَهُنَّ النَّاسُ، إِحْدَاهُنَّ: التَّسْلِيمُ عَلَى الْجِنَازَةِ مِثْلُ التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ» [البيهقي: ٦٩٨٩].
ولكن حديث ابن مسعود يحتمل أن المراد به الجهر، ويحتمل أن المراد أصل التسليم، ويحتمل أن المراد تسليمتان، فيقال: بأنه من السنن المتنوعة،
[ ١ / ٤٤٠ ]
فتارة يسلم تسليمة واحدة، وتارة يسلم تسليمتين.
- فرع: التسليم من واجبات الصلاة على الجنازة؛ لفعله ﷺ، وقد قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
٨ - (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) ندبًا (مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ)؛ لما صحَّ عن ابن عمر ﵄ أنه: «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجِنَازَةِ» [ابن أبي شيبة: ١١٣٨٠].
- فرع: واجبات صلاة الجنازة ستة: القيام في الفرض، وأربع تكبيرات، والفاتحة، والصلاة على النبي ﷺ، ودعوة للميت، والسلام.