الأصول: جمع أصلٍ، وهو ما يَتفرع عنه غيره، والمراد هنا: الدُّور والأرض والشجر.
والثمار: جمع ثمرٍ كجبل وجبال، وواحده ثمرة.
- مسألة: اشتمل الفصل على عدة مباحث:
أولًا: بيع الدُّور ونحوها: وأشار إليه المؤلف بقوله: (وَإِذَا بَاعَ دَارًا) أو وهبها أو رهنها أو وقفها أو أقر أو أوصى بها (شَمِلَ البَيْعُ):
١ - (أَرْضَهَا) أي: إذا كانت الأرض يصح بيعها، فتدخل في البيع باتفاق الأئمة؛ لأنه داخل في مسمى الدار، فإن لم يجز كالأرض الموقوفة فلا يصح.
٢ - (وَبِنَاءَهَا)؛ لأنه داخل في مسمى الدار.
٣ - أشجارها وزروعها، ويأتي تفصيله.
٤ - ما كان متصلًا بها، (وَ) يشمل ذلك: (سَقْفَهَا)؛ لما سبق، (وَبَابًا
[ ٢ / ٢٥٩ ]
مَنْصُوبًا) وحَلْقَتَه؛ لأنه متصل بالدار لمصلحتها، أشبه الحيطان، فإن كان الباب غير منصوب لم يتناوله البيع ونحوه؛ لأنه منفصل عنه أشبه الطعام والشراب، (وَسُلَّمًا وَرَفًّا مَسْمُورَيْنِ)؛ لما تقدم، فإن لم يكن السلم أو الرف مسمَّرًا فلا يتناوله البيع ونحوه؛ لما سبق، (وَخَابِيَةً) وهي إناءٌ من فَخَّار يُجعل فيه التمر وشبهه، (مَدْفُونَةً)؛ لما تقدم، فإن لم تكن الخابية مدفونة لم يَتناولها البيع ونحوه؛ لما سبق.
- فرع: (لَا) يدخل في بيع الدار ما كان منفصلًا عنها؛ لأن اللفظ لا يتناوله، فعلى هذا فلا يشمل: (قُفْلًا، وَ) لا (مِفْتَاحًا، وَ) لا (دَلْوًا، وَ) لا (بَكْرَةً، وَ) لا (نَحْوَهَا) كفرشٍ وحبل.
ثانيًا: بيع الأراضي: وأشار إليه المؤلف بقوله: (أَوْ) باع (أَرْضًا) أو وهبها أو وقفها أو رهنها أو أقر أو أوصى بها (شَمِلَ):
١ - (غَرْسَهَا)، وهي أشجارها ونحو ذلك؛ لأنه من حقوق الأرض، ويتبع الأرض من كل وجه؛ لأنه يُتخذ للبقاء فيها، وليس لانتهائه مدة معلومة، بخلاف الزرع والثمرة.
٢ - (وَبِنَاءَهَا)؛ لما تقدم.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
٣ - الزروع: وتنقسم إلى قسمين:
الأول: ما يجز مرة واحدة، كالبر والشعير ونحوه: وأشار إليه بقوله: (لَا) يشمل البيع (زَرْعًا) موجودًا في الأرض المباعة، (وَ) لا (بَذْرَهُ) أي: بذر الزرع، وإنما يكون ذلك للبائع ونحوه؛ لأنها في حكم الثمرة، (إِلَّا بِشَرْطٍ) من المشتري ونحوه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» [أبو داود: ٣٥٩٤].
(وَيَصِحُّ) اشتراط المشتري ونحوه كون الزرع داخلًا في الأرض المباعة ولو (مَعَ جَهْلِ ذَلِكَ) كما لو جهل قَدْر الزرع؛ لأنه يدخل تبعًا، والقاعدة: (يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا).
(وَ) الثاني: (مَا يُجَزُّ) مرارًا كالبِرْسيم والنعناع ونحوه، (أَوْ يُلْقَطُ مِرَارًا) كالطماطم والباذنجان ونحوها: (فَـ) لا يخلو من أمرين:
أ) (أُصُولُهُ) أي: أصول ما يُجز ويُلقط مرارًا: تكون (لِمُشْتَرٍ)؛ لأن هذه الأصول تراد للبقاء كالشجرة.
ب) (وَجَزَّةٌ وَلَقْطَةٌ ظَاهِرَتَانِ) عند البيع: تكونان (لِبَائِعٍ)؛ لأنه يُجنى مع بقاء أصله، فأشبه ثمر الشجر المؤبر، (مَا لَمْ يَشْرِطْهُ مُشْتَرٍ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ»، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: قال
[ ٢ / ٢٦١ ]
رسول الله ﷺ: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» [البخاري: ٢٣٧٩، ومسلم: ١٥٤٣] أي: المشتري.
ثالثًا: بيع القرية، ويشمل:
١ - الدُّورَ؛ لأنها داخلة في مسمى القرية، فهي مأخوذة من القرِّ، وهو الجمع؛ لأنها تجمع الناس.
٢ - الحصنَ الدائر عليها؛ لما تقدم.
٣ - الشجرَ بين بنيانها؛ لما تقدم.
٤ - لا تدخل مزارع القرية إلا بنص أو قرينة؛ فإن قال: بعتك القرية بمزارعها، أو دلت قرينة على دخولها؛ كمساومة على الجميع، أو بذل ثمن لا يصلح إلا فيها وفي مزارعها؛ دخلت؛ عملًا بالنص أو القرينة.
رابعًا: بيع الشجر: وأشار إليه بقوله: (وَمَنْ بَاعَ) أو وهب أو وقف أو رهن (نَخْلًا) ونحوه من الأشجار، كشجر التفاح والبرتقال وغيرها، شمل ما يلي:
١ - ذات الشجرة؛ كجريدها وأغصانها وأوراقها ونحوه؛ فيدخل في البيع؛ لأنه داخل في مسمى الشجر ومن أجزائه وخُلق لمصلحته، فهو كسائر المبيع.
- فرع: أرض هذه الشجرة لا تدخل في البيع؛ لعدم تناول مسمى الشجرة لأرضها؛ ولذا لو بادَتْ الشجرة لم يملك غرس شجرة مكانها.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
٢ - الثمر: وهو على قسمين:
الأول: ثمر النخيل: فما (تَشَقَّقَ طَلْعُهُ) ولو لم يؤبر، -والطلع: بفتح الطاء، ما يطلع من النخلة ثم يصير ثمرًا إن كانت أنثى -، (فَالثَّمَرُ لَهُ) أي: للبائع، ولا يدخل في البيع؛ لحديث ابن عمر السابق: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ»، والتأبير: التلقيح، وإنما نص عليه والحكم منوطٌ بالتشقق؛ لملازمته له غالبًا.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: أن الحكم معلق بالتأبير وهو التلقيح، ولا يكفي مجرد تشقُّقِ الطلع؛ لظاهر الحديث، ولأن البائع إذا أبر النخل فقد عمل فيه عملًا يُصلِحُه فتعلقت نفسه به، بخلاف ما إذا لم يؤبره.
- فرع: يكون الثمر للبائع ونحوه (مُبَقًّى إِلَى جَدَادٍ)، فلا يُلزم بإزالته قبل ذلك؛ لأن تفريغ المبيع بحسب العُرف والعادة كدارٍ فيها أطعمة أو متاع، إلا في ثلاث حالات:
١ - ما لم تجر عادةٌ بأخذه بُسْرًا أو يكن بُسْره خيرًا من رُطَبِه؛ لأن ذلك عادةُ أخذِهِ.
٢ - (مَا لَمْ يَشْرِطْهُ) أي: يَشترِط قَطْعَه (مُشْتَرٍ) ونحوه، فإن شرط المشتري ونحوه قطعه؛ أجبر البائع؛ لوجوب العمل بالشرط كما تقدم.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
٣ - إذا تضرر الأصل ببقاء الثمر عليه؛ فيجبر البائع ونحوه على القطع؛ إزالةً للضرر.
الثاني: ثمرُ غيرِ النخيل من الأشجار: فما ظهر من الثمر فلا يشمله البيع، وأشار إليه بقوله: (وَكَذَا) أي: وكالنخل إذا بيع بعد تشقق طلعه (حُكْمُ شَجَرٍ) غير النخل (فِيهِ ثَمَرٌ بادٍ) أي: ظاهِرٌ لا قِشر عليه ولا زَهر، كتوت وتين، (أَوْ ظَهَرَ مِنْ نَوْرِهِ) أي: زَهره (كَمِشْمِشٍ) وتفاح وخوخ، (أَوْ خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ) جمع كِمٍّ: بكسر الكاف وهو الغلاف (كَوَرْدٍ وَقُطْنٍ) وياسمين وبنفسج، فما ظهر من ذلك فهو للبائع؛ لصيرورته في حكم عين أخرى، فلم يدخل في مسمى الشجرة، ولأنه بمثابة تشقق الطلع.
(وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ) أي: قبل ظهور الثمرة، فهو للمشتري؛ كالطلع قبل تشققه، (وَالوَرَقُ مُطْلَقًا)، سواء كان ورق توت يقصد أخذه لتربية دود قزٍّ أو غيره، والأغصان والعراجين وسائر أجزاء الشجر، فهي (لِمُشْتَرٍ)؛ لأنه داخل في مسمى الشجر ومن أجزائه وخلق لمصلحته، فهو كسائر المبيع.
خامسًا: بيع الثمار، وأشار إليه بقوله: (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ ثَمَرٍ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ)؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى
[ ٢ / ٢٦٤ ]
يَبْدُوَ صَلاحُهَا، نَهَى البَائِعَ وَالمُبْتَاعَ» [البخاري: ٢١٩٤، ومسلم: ١٥٣٤]، والنهي يقتضي الفساد، قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث).
سادسًا: بيع الزروع، وأشار إليه بقوله: (وَلَا) يصح بيع (زَرْعٍ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ)؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَيَأْمَنَ العَاهَةَ، نَهَى البَائِعَ وَالمُشْتَرِيَ» [مسلم: ١٥٣٥]، قال ابن المنذر: (لا أعلم أحدًا يَعدِل عن القول به).
- فرع: لا يجوز بيع الثمر قبل بدو صلاحه والزرع قبل اشتداد حبه إلا في ثلاث حالات:
الأولى: أن يباع الثمر مع أصوله أو الزرع مع أرضه، فيجوز بالإجماع؛ لمفهوم الحديث السابق: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ»، ولأنهما دخلا تبعًا في البيع فلم يضر احتمال الغرر، كما احتُملت الجهالة في بيع اللبن في الضرع مع الشاة، والنوى في التمر مع التمر.
الثانية: أن يباع ذلك لمالك الأصل؛ لأنهما إذا بيعا لمالك الأصل فقد حصل التسليم للمشتري على الكمال، لملكه الأصل والقرار، فصح البيع كما لو بيعت مع الأصل.
فإن بِيع الثمر (لِغَيْرِ مَالِكِ أَصْلِ) الشجر، (أَوْ) بِيع الزرع لغير مالك
[ ٢ / ٢٦٥ ]
(أَرْضِهِ) أي: أرض الزرع، فلا يصح البيع؛ لعموم النهي السابق.
وفي وجه، واختاره ابن عثيمين: تحريم بيعها على مالك الأصل أو الأرض؛ لعموم النهي.
الثالثة: أن يبيع الثمر والزرع منفردًا على غير مالك الأصل، ولا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام:
١ - أن يبيعه بشرط القطع: وأشار إليه بقوله: (إِلَّا بِشَرْطِ قَطْعِ) الثمر أو الزرع في الحال، فيجوز بيعه بالإجماع كما في المغني وغيره؛ لأن المنع من البيع لخوف التلف وحدوث العاهة، وهذا مأمون فيما يُقطع، وإنما يجوز ذلك بشرطين:
أ) (إِنْ كَانَ) المشترى (مُنْتَفَعًا بِهِ)، فإن لم يكن يُنْتَفَع به فلا يصح؛ لما تقدم أن من شروط البيع كون المبيع مالًا منتفعًا به.
ب) (وَ) كان المبيع (لَيْسَ مُشَاعًا)، فإن كان مشاعًا كأن باع نصفه بشرط القطع لم يصح البيع؛ لأنه إذا بِيع مشاعًا لم يُمكنه قطعه إلا بقطع ملك غيره.
٢ - أن يبيعه بشرط التبقية: فلا يصح البيع؛ لوجود الغرر، ولدخوله في عموم النهي الوارد في الحديث السابق.
٣ - أن يبيعه مطلقًا بدون شرط قطع ولا تبقية: فلا يصح البيع؛ لما تقدم.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
- فرع: تنقسم الزروع من حيث هي إلى ثلاثة أقسام:
الأول: زروع ظاهرة تُحصد مرة واحدة؛ كالبر والشعير ونحوها، وتقدم الكلام عليها.
الثاني: زروع ظاهرة تحصد مرة بعد مرة، وأشار إليها بقوله: (وَكَذَا) لا يصح بيع (بَقْلٍ) وهو كل نبات اخضرَّت به الأرض كالنعناع والجِرْجير والكَرَفْس ونحوه، (وَ) لا بيع (رَطْبَةٍ) وهي البِرْسِيم، (وَلَا) بيع ما تتكرر ثمرته كـ (قِثَّاءٍ وَنَحْوِهِ) من باذنجان وخيار وكوسا وبامياء ونحوها بعد بدو صلاحها (إِلَّا) في حالتين:
١ - أن يبيعه (لَقْطَةً لَقْطَةً) لما يلقتط مرارًا كالقثاء ونحوه، وجزةً جزةً لما يجز مرارًا كالبقول ونحوه، فيجوز بيع اللَّقطة والجزَّة الظاهرتين فقط بشرط قطعه في الحال؛ لأنه معلوم لا جهالة فيه ولا غرر، وأما المعدوم منه فلا يجوز؛ لأن ما لم يخلق لا يجوز بيعه.
واختار شيخ الإسلام: جواز بيع المعدوم منها إلى أن تيبس المَقْثأة وإن كانت تلك معدومة لم توجد؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، إذ لا يمكن بيعها إلا كذلك، وبيعها لقطة لقطة متعذر أو متعسر لعدم التمييز، وكلاهما منتفٍ شرعًا، والشريعة استقرت على أن ما يُحتاج إلى بيعه يجوز بيعه وإن كان معدومًا كالمنافع، ولأنها معلومة في العرف والعادة.
٢ - (أَوْ) أن يبيعه (مَعَ أَصْلِهِ)؛ لأنه دخل تبعًا في البيع، أشبه الثمر مع الشجر.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
الثالث: زروع مستترة في الأرض، كالجزر والفُجْل والثوم والبصل ونحوها: لا يجوز بيعها؛ لأنها مجهولة، فأشبهت بيع الحَمْل، ولأنه من الغرر.
واختار شيخ الإسلام: جواز بيعه إذا رأى ما ظهر منه على الوجه المعروف؛ لأنه لا تتم مصلحة الناس إلا بهذا؛ فإن تأخير بيعه إلى حين قلعه يتعذر تارة ويتعسر أخرى، ويفضي إلى فساد الأموال، وأما كون ذلك مغيبًا فيكون غررًا: فليس كذلك؛ بل إذا رُئي من المبيع ما يدل على ما لم يُرَ جاز البيع باتفاق المسلمين في مثل بيع العقار والحيوان، وكذلك ما يحصل الحرج بمعرفة جميعه يُكتفى برؤية ما يمكن منه، كما في بيع الحيطان وما مأكوله في جوفه.
- فرع: (وَإِنْ تُرِكَ) قطعُ (مَا شُرِطَ قَطْعُهُ) لصحة بيعه منفردًا مما تقدم ذكره: (بَطَلَ البَيْعُ)؛ لئلا يجعل ذلك ذريعة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها وتركها حتى يبدو صلاحها، فيبطل البيع (بِزِيَادَةٍ غَيْرِ يَسِيرَةٍ) عرفًا، (إِلَّا) في صورتين:
١ - الزيادةَ اليسيرةَ عرفًا؛ كيوم ويومين: فيعفى عنها؛ لعسر التحرز منها.
٢ - (الخَشَبَ) إذا اشتراه بشرط قطعه في الحال فأخر قطعه حتى زاد (فَلَا) يبطل البيع؛ لأن المبيع اختلط بغيره ولم يتعذر تسليمه، والفرق بين
[ ٢ / ٢٦٨ ]
هذه والتي قبلها اتخاذه حيلة على شراء الثمرة قبل بدو صلاحها، (وَيَشْتَرِكَانِ) أي: البائع والمشتري (فِيهَا) أي: في زيادة الخشب؛ لأنها حصلت في ملكهما، فإن الخشب ملك للمشتري وأصله ملك البائع، وهما سبب الزيادة، فيقوَّم الخشب يوم العقد ويوم الأخذ، فالزيادة ما بين القيمتين، فيشتركان فيها.
- فرع: (وَحَصَادٌ) لزرع، (وَلَقَاطٌ) لقثاء ونحوها، (وَجدَادٌ) لثمر (عَلَى مُشْتَرٍ)؛ لأنه نقل لملكه وتفريغ لملك البائع عنه، فهو كنقل الطعام.
- فرع: (وَ) يجب (عَلَى بَائِعٍ سَقْيُ) شجر بِيع من ثمرته ما بدا صلاحه، وسقيُ زرع بِيع من حبه ما اشتد، ونحوِ ذلك، سواء احتيج إليه أو لم يحتج إليه؛ لأنه يجب عليه تسليمه كاملًا، ولا يحصل كاملًا إلا به.
واختار ابن عثيمين: إن لم يحتج المبيع إليه فلا يجبر البائع على السقي.
- فرع: يجب على بائعٍ السقيُ على ما تقدم (وَلَوْ تَضَرَّرَ أَصْلٌ) بالسقي؛ لأنه دخل على ذلك.
- مسألة: (وَمَا تَلِفَ) من ثمرٍ بِيع بعد بدو صلاحه دون أصله بآفة سماوية فلا يخلو من ثلاثة أحوال:
الأولى: إذا تلفت قبل التخلية: فمن ضمان البائع اتفاقًا.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
الثانية: إذا تلفت بعد جَذِّ المشتري: فمن ضمان المشتري اتفاقًا.
الثالثة: إذا تلفت بعد التخلية وقبل الجذاذ، أو قبل بدو صلاحه بشرط القطع قبل التمكن منه (سِوَى يَسِيرٍ) منه لا ينضبط؛ لما يأتي، (بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ) لا صنع لآدمي فيها كالريح والحر والبرد، ومثل ذلك ما لا يُمكن تضمينه كالجراد ونحوه، (فَـ) ـضمانه (عَلَى بَائِعٍ) واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ!» [مسلم: ١٥٥٤]. إلا في ثلاث حالات:
١ - إذا بيعت الثمرة مع أصلها، وأشار إليه بقوله: (مَا لَمْ يُبَعْ) ثمر (مَعَ أَصْلٍ)؛ فإن اشتراها مع أصلها وتلفت فضمانها على مشترٍ؛ لحصول القبض التام وانقطاع عُلَقِ البائع عنه. (١)
٢ - (أَوْ يُؤَخِّرْ) مشتر (أَخْذَ) الثمر (عَنْ عَادَتِهِ)، فإن تأخر المشتري في أخذه عن عادته فمن ضمانه؛ لتلفه بتقصيره.
٣ - أن يكون التلف يسيرًا لا ينضبط، فضمانه على المشتري ولا يرجع
_________________
(١) قال البهوتي في كشاف القناع (٣/ ٢٨٦): (ومقتضاه: أنها لو بيعت وحدها لمالك الأصل فالحكم كذلك، ولم أجده منقولًا)، وقطع بذلك في شرحه على المنتهى (٢/ ٨٦).
[ ٢ / ٢٧٠ ]
بقسطه من الثمن؛ لقلته.
- فرع: وأما ما يمكن تضمينه، فيخير مشتر بين فسخ ومطالبة البائع بما دفع من الثمن، وبين الإمضاء وبقاء البيع ومطالبة المتلِف بالبدل، وتقدم في فصل التصرف في المبيع قبل قبضه.
- مسألة: (وَصَلَاحُ بَعْضِ ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ صَلَاحٌ لِجَمِيعِ نَوْعِهَا الَّذِي فِي البُسْتَانِ)؛ لأن اعتبار الصلاح في الجميع يشق، ولا يكون صلاحًا لسائر الجنس الذي بالبستان؛ لأن الأنواع تتباعد ويتميز بعضها عن بعض ولا يخشى اختلاطها.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: إذا بدا صلاح الثمرة فإنه يكون صلاحًا لجميع ثمر البستان الذي جرت العادة بأن يباع جملة ولو كان من جنس الآخر؛ لأن ذلك يفضي إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدي، ولما في تفريق الصفقة من الضرر على البائع، ولأنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
- فرع: ضابط بدو الصلاح:
١ - (فَصَلَاحُ ثَمَرِ نَخْلٍ: أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ)؛ لحديث أنس ﵁: عن النبي ﷺ: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وَعَنِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ»، قيل: وما يزهو؟ قال: «يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ» [البخاري: ٢١٩٧].
[ ٢ / ٢٧١ ]
٢ - (وَ) صلاح (عِنَبٍ: أَنْ يَتَمَوَّهَ بِالمَاءِ الحُلْوِ)؛ لحديث أنس ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ العِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ» [أحمد: ١٣٣١٤، وأبو داود: ٣٣٧١، والترمذي: ١٢٢٨، وابن ماجه: ٢٢١٧].
٣ - (وَ) صلاح (بَقِيَّةِ ثَمَرٍ: بُدُوُّ نُضْجٍ وَطِيِبُ أَكْلٍ)؛ لحديث جابر ﵁ قال: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ» فقيل: وما تشقح؟ قال: «تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا» [البخاري: ٢١٩٦، ومسلم: ١٥٣٦].
٤ - وصلاح زرع أن يبيضَّ أو يشتد؛ لأنه ﷺ جعل اشتداد الحب غاية لصحة بيعه كما في حديث أنس السابق.
سابعًا: (وَيَشْمَلُ بَيْعُ دَابَّةٍ) كفرسٍ: (عِذَارَهَا) أي: لِجامها، (وَمِقْوَدَهَا) بكسر الميم، وهو الحبل الذي يقاد به، (وَنَعْلَهَا) وهو حديد متقوس يوقى به حافر الدابة؛ لتبعية ذلك له في العرف؛ ولأنه مما تتعلق به حاجة المبيع ومصلحته.
ثامنًا: (وَ) إذا بِيع (قِنٌّ) فلا يخلو ما معه من قسمين:
الأول: أمواله: فهي للبائع إلا أن يشترطه المشتري؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» [البخاري: ٢٣٧٩، ومسلم: ١٥٤٣].
[ ٢ / ٢٧٢ ]