- مسألة: (وَسُنَّ لِرِجَالٍ) لا نساء (زِيَارَةُ قَبْرِ مُسْلِمٍ)، وحكاه النووي إجماعًا؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا» [مسلم: ٩٧٧]، وفي رواية: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ» [أبو داود: ٣٢٣٥، والترمذي: ١٠٥٤، وابن ماجه: ١٥٧١].
- فرع: لا يسن للنساء زيارة القبور، بل يكره؛ لحديث أم عطية ﵂: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» [البخاري: ١٢٧٨، ومسلم: ٩٣٨]، فإن علم أنه يقع منهن محرم؛ حرمت، وعليه يحمل حديث أبي هريرة ﵁: «لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ زَوَّارَاتِ القُبُورِ» [الترمذي: ١٠٥٦، وابن ماجه: ١٥٧٥]، غيرَ قبر النبي ﷺ وصاحبيه فيسن.
وعنه واختارها شيخ الإسلام: يحرم مطلقًا؛ لظاهر الحديث السابق،
[ ١ / ٤٤٩ ]
وجاء في حديث ابن عباس ﵄ أيضًا: «لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ زَائِرَاتِ القُبُورِ، وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» [أحمد: ٢٠٣٠، وأبو داود: ٣٢٣٦، والترمذي: ٣٢٠، والنسائي: ٢٠٤٣]، وأما قول أم عطية ﵂: «وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» فهذا فهمها للنهي، والحجة فيما روى الراوي لا فيما رأى.
- فرع: تباح زيارة قبر الكافر، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي» [مسلم: ٩٧٦].
- مسألة: (وَ) سُن (القِرَاءَةُ عِنْدَهُ) أي: عند القبر، لما ورد عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللَّجْلاج، عن أبيه قال: «إِذَا أَدْخَلْتُمُونِي قَبْرِي اقْرَؤُوا عِنْدَ رَأْسِي أَوَّلَ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتَهَا، فَإِنِّي رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ» [البيهقي: ٧٠٦٨، واحتج به أحمد].
وعنه، واختارها شيخ الإسلام: أن القراءة عند الدفن لا بأس بها؛ لأثر ابن عمر السابق، وأما بعد الدفن - مثل الذين ينتابون القبر للقراءة عنده - فذلك بدعة؛ لأنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك (١).
- مسألة: (وَ) سُن لزائرِ ميت فعلُ (مَا يُخَفِّفُ عَنْهُ) أي: عن الميت بعد
_________________
(١) قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم [٢/ ٢٦٤]: (القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها، كما نقل عن ابن عمر ﵄، وبعض المهاجرين، وأما القراءة بعد ذلك - مثل الذين ينتابون القبر للقراءة عنده - فهذا مكروه، فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلًا، وهذه الرواية لعلها أقوى من غيرها، لما فيها من التوفيق بين الدلائل)، ومراده بقوله: (فهذا مكروه) أي: بدعة، كما قال في مجموع الفتاوى [٢٤/ ٣١٧]: (ولهذا فرق في القول الثالث بين القراءة حين الدفن، والقراءة الراتبة بعد الدفن، فإن هذا بدعة لا يعرف لها أصل). وصريح كلام شيخ الإسلام أن القراءة الراتبة بعد الدفن بدعة، وأما القراءة غير الراتبة فلم نقف على كلامه فيها.
[ ١ / ٤٥٠ ]
وضعه في القبر (وَلَوْ بِجَعْلِ جَرِيدَةٍ رَطْبَةٍ) ونحوها (فِي القَبْرِ)؛ لحديث ابن عباس ﵄: مر النبي ﷺ بقبرين، وفيه: ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله، لم فعلت هذا؟ قال: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» [البخاري: ٢١٨، ومسلم: ٢٩٢].
واختار ابن باز وابن عثيمين: أنه لا يشرع ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يغرز الجريدة إلا على قبور عَلِمَ تعذيب أهلها، ولم يفعل ذلك لسائر القبور، ولو كان سنةً لفعله بالجميع، ولأن الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة لم يفعلوا ذلك.
- مسألة: (وَ) سُن (قَوْلُ زَائِرٍ) القبرَ (وَمَارٍّ بِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بِكُمْ لَاحِقُونَ)، كما في حديث أبي هريرة ﵁ [مسلم: ٢٤٩]، والاستثناء المذكور إما للتبرك، أو لِلُّحوق على صفة الإيمان، أو إلى البقاع، ويقول: (يَرْحَمُ الله المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرِينَ)، كما في
[ ١ / ٤٥١ ]
حديث عائشة ﵂ [مسلم: ٩٧٤]، وفيه بدل (مِنْكُمْ): (مِنَّا)، ويقول: (نَسْأَلُ الله لَنَا وَلَكُمُ العَافِيَةَ)، كما في حديث بريدة ﵁ [مسلم: ٩٧٥]، ويقول: (اللهمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ) كما في حديث عائشة ﵂ [أحمد: ٢٤٤٢٥، وابن ماجه: ١٥٤٦]، ويقول: (وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ) كما في حديث عائشة مرفوعًا، وفيه: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللهمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ» [مسلم: ٩٧٤].
- مسألة: (وَتَعْزِيَةُ) المسلم (المُصَابِ بِالمَيِّتِ) ولو كان المعزى صغيرًا أو جارًا أو صديقًا؛ (سُنَّةٌ) اتفاقًا، قبل الدفن وبعده، وسواء كان الميت مسلمًا أو كافرًا؛ لحديث عمرو بن حزم ﵁ مرفوعًا: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ، إِلَّا كَسَاهُ الله سُبْحَانَهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [ابن ماجه: ١٦٠١]، ولفعل النبي ﷺ حين عزَّى ابنته بفقد ابنها، فقال لها: «إِنَّ لله مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ» [البخاري: ١٢٨٤، ومسلم: ٩٢٣].
- فرع: تحرم تعزية الكافر بالمصاب؛ لأن الدعاء والاستغفار له منهي عنه.
واختار شيخ الإسلام: أنه يجوز تعزية الذمي للمصلحة الراجحة؛ كرجاء
[ ١ / ٤٥٢ ]
الإسلام، وتقدَّم حكم عيادتهم أولَ كتاب الجنائز.
- مسألة: (وَيَجُوزُ البُكَاءُ عَلَيْهِ) أي: على الميت؛ لحديث ابن عمر ﵁: أنَّ النَّبِيُّ ﷺ أتَى سعد بن عبادة يوم مات، فبكى، وقال: «إِنَّ الله لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ» [البخاري: ١٣٠٤، ومسلم: ٩٢٤].
واختار شيخ الإسلام: استحباب البكاء على الميت رحمة له؛ لفعل النبي ﷺ، وحاله أكمل الأحوال، حيث جمع بين الرضا بالقدر، والرحمة بالميت.
قال ﵀: (البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب، وذلك لا ينافي الرضا، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه).
ويمكن أن يقال: البكاء على الميت ينقسم إلى قسمين:
الأول: بكاء محمود: وهو البكاء الطبيعي الذي تمليه الطبيعة، وهو على الخلاف السابق.
الثاني: بكاء مذموم: وهو البكاء المتكلَّف الذي يتضمن محظورًا شرعيًّا من التسخط أو النياحة ونحو ذلك.
[ ١ / ٤٥٣ ]
- مسألة: (وَحَرُمَ نَدْبٌ)، وهو البكاء مع تعداد محاسن الميت بلفظ النداء، كقوله: واسَيِّداهْ؛ لأنه من النياحة المنهي عنها.
وعنه واختاره المجد: يباح يسير الندب الصدق؛ لحديث أنس ﵁ قال: «لَمَّا مَاتَ - أي: النبي ﷺ- قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا أَبَتَاهْ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ، إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ» [البخاري: ٤٤٦٢].
- مسألة: (وَ) حرم (نِيَاحَةٌ) وهي رفع الصوت بالندب؛ لحديث أم عطية ﵂ قالت: «أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ البَيْعَةِ أَلَّا نَنُوحَ» [البخاري: ١٣٠٦، ومسلم: ٩٣٦].
- مسألة: (وَ) حرم (شَقُّ ثَوْبٍ، وَلَطْمُ خَدٍّ، وَنَحْوُهُ)؛ كصراخ ونتف شعر؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» [البخاري: ١٢٩٤، ومسلم: ١٠٣].
[ ١ / ٤٥٤ ]