- مسألة: (وَسُجُودُ تِلَاوَةٍ) سنة مؤكدة؛ للأوامر الواردة فيه، ولا يجب؛ لما روى زيد بن ثابت ﵁ قال: «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (وَالنَّجْمِ) فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» [البخاري ١٠٧٣، ومسلم ٥٧٧]، وقال عمر ﵁: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ، فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» [البخاري ١٠٧٧].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه واجب مطلقًا في الصلاة وغيرها؛ للأمر به، كقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١].
وأجيب: بأن الأمر صُرف للاستحباب عن الوجوب للأدلة السابقة، وبأن الذم لمن تركه تكذيبًا واستكبارًا، ولهذا قال تعالى قبلها: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠].
[ ١ / ٢٨١ ]
- مسألة: يسن سجود التلاوة (لِقَارِئٍ وَمُسْتَمِعٍ) وهو الذي يَقْصِدُ الاستماعَ؛ لقول ابن عمر ﵄: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ، فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعًا لجَبْهَتِهِ»، ولمسلم: «فِي غَيْرِ صَلَاةٍ» [البخاري ١٠٧٩، ومسلم ٥٧٥].
- فرع: إن لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع؛ لما روى سليمان بن حنظلة قال: قرأت عند ابن مسعود - ﵁ - السجدة، فنظرت إليه، فقال: «مَا تَنْظُرُ؟ أَنْتَ قَرَأْتَهَا، فَإِنْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا» [عبدالرزاق ٥٩٠٧].
- فرع: لا يسن السجود للسامع، وهو من لم يقصد الاستماع، وهو من المفردات؛ لما ثبت عن عثمان ﵁: «إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ»، ونحوه عن ابن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين ﵃ [عبد الرزاق ٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥]، ولم يُعْلَمْ لهم مخالف في عصرهم، ولأن السامع لا يشارك التالي في الأجر، فلم يشاركه في السجود كغيره.
- مسألة: سجود التلاوة والشكر صلاة؛ لقول ابن عمر ﵄: «لا يَسْجُدُ الرَّجُلُ إِلاَّ وَهُوَ طَاهِرٌ» [البيهقي ٤٢٧]، ولأنه سجود يقصد به التقرب إلى الله تعالى، فكان صلاة كسجود الصلاة، فيشترط لهما ما يشترط لصلاة نافلة، من الطهارة واستقبال القبلة وستر العورة وغيرها.
واختار شيخ الاسلام: أنه ليس صلاة؛ لحديث عبادة ﵁ مرفوعًا: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» [البخاري ٧٥٦، ومسلم ٣٩٤]، ولحديث علي
[ ١ / ٢٨٢ ]
﵁ مرفوعًا: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الْوُضُوءُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» [أحمد ١٠٧٢، وأبو داود ٦١، والترمذي ٣، وابن ماجه ٢٧٥]، وسجود التلاوة والشكر لم يثبت لهما قراءة الفاتحة، ولا تكبير، ولا تسليم، ولما ورد عن ابن عمر ﵄: «أنه يَسْجُدُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ» [البخاري تعليقًا مجزومًا ٢/ ٤١، ووصله ابن أبي شيبة ٤٣٥٤]، لكن قال شيخ الإسلام: (هي بشروط الصلاة أفضل، ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر)، وعليه يحمل أثر ابن عمر السابق.
- ضابط: الصلاة عند شيخ الإسلام: ما كانت مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم، ويقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
- مسألة: صفة سجود التلاوة:
١ - التكبير له، ولا يخلو سجود التلاوة من أمرين:
الأول: أن يكون داخل الصلاة: فيكبِّر عند الهَوِيِّ والرفع باتفاق الأئمة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ: «كان يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ، وَرَفَعَ» [البخاري ٧٨٥، ومسلم ٣٩٢].
(وَ) الثاني: أن يكون خارجَ الصلاة: فـ (يُكَبِّرُ) تكبيرتين، اتفاقًا، تكبيرة (إِذَا سَجَدَ)، بلا تكبيرة إحرام، لحديث ابن عمر ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ، وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ» [أبو داود ١٤١٣]، (وَ) تكبيرةً (إِذَا رَفَعَ) من السجود؛ لأنه سجود مفرد، فشرع التكبير
[ ١ / ٢٨٣ ]
في ابتدائه وفي الرفع منه، كسجود السهو وصلب الصلاة.
واختار شيخ الاسلام: أنه لا يسن التكبير للهوي ولا للرفع منه، لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ، وليس هو بصلاة، وأما حديث ابن عمر ﵄ في التكبير في أوله، فضعفه النووي والحافظ.
- فرع: يرفع يديه عند تكبيرة السجود، سواء سجد في الصلاة أم خارجها؛ لعموم حديث وائل بن حُجْرٍ ﵁: " أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ الله ﷺ، فَكَانَ يُكَبِّرُ إِذَا خَفَضَ، وَإِذَا رَفَعَ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ " [أحمد ١٨٨٥٣]، ولأنها تكبيرة افتتاح.
وعنه: لا يرفعهما في الصلاة، قال في الشرح: (إنه قياس المذهب)؛ لقول ابن عمر ﵄: «وَكَانَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ» [البخاري ٧٣٥، ومسلم ٣٩٠]، وهو مقدم على حديث وائل ﵁؛ لأنه أخص منه.
وأما خارجَها: فتَقَدَّم أنه لا يكبر عند شيخ الإسلام.
٢ - (وَيَجْلِسُ) بعد الرفع منه إذا كان في غير الصلاة؛ ليكون سلامه في حال جلوسه.
ولا يتشهد اتفاقًا؛ لأنه لم ينقل.
٣ - (وَيُسَلِّمُ) وجوبًا، وتجزئ واحدة؛ لحديث علي ﵁ قال: قال ﷺ: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»، قال النووي: (لما رواه ابن أبي داود بإسناده الصحيح
[ ١ / ٢٨٤ ]
عن عبد الله بن مسعود ﵁: «أنه كان إذا قرأ السجدة سجد ثم سلم» [التبيان في آداب حملة القرآن ١٥٢).
وقال شيخ الاسلام: لا يسلم؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، قال أحمد: (أما التسليم فلا أدري ما هو).
- فرع: أركان سجود التلاوة ثلاثة: السجود على الأعضاء السبعة، والرفع من السجود، والتسليمة.
وواجباته ثلاثة: تكبيرة السجود، وتكبيرة الرفع، وقول سبحان ربي الأعلى مرة واحدة.
وعلى الصحيح: ركنها السجود على الأعضاء السبعة، وواجبها التسبيح مرة.
- مسألة: (وَكُرِهَ لِإِمَامٍ قِرَاءَتُهَا) أي: آية السجدة (فِي) صلاة (سِرِّيَّة، وَ) كره أيضًا (سُجُودُهُ لَهَا) في السرية؛ لأنه إن لم يسجد لها كان تاركًا للسنة، وإن سجد لها أوجب الإيهام والتخليط على المأموم.
واختار ابن قدامة: أنه لا يكره؛ لما روى ابن عمر ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ، فَرَأَيْنَا أَنَّهُ قَرَأَ تَنْزِيلَ السَّجْدَةِ» [أحمد ٥٥٥٦، وأبو داود ٨٠٧، وفيه ضعف]، ولما ورد عن ابن عمر وابن الزبير ﵃: أنهما صلَّيَا بأصحابهما الظهر، فسجدا فيها [ابن أبي شيبة: ٤٣٨٧، ٤٣٨٨].
[ ١ / ٢٨٥ ]
- فرع: متابعة المأموم لإمامه في سجود التلاوة لا تخلو من أمرين:
الأول: في الصلاة الجهرية: فتجب متابعته، وأشار إليه بقوله: (وَعَلَى مَأْمُومٍ مُتَابَعَتُهُ فِي غَيْرِهَا)، أي: في غير الصلاة السرية؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» [البخاري ٧٢٢، ومسلم ٤١٤].
الثاني: في الصلاة السرية: فيخير المأموم بين المتابعة وتركها، وهو من المفردات؛ لأنه ليس بمسنون، ولأن المأموم ليس بتال ولا مستمع، لكن الأفضل المتابعة.
واختار ابن قدامة: أنه يلزمه المتابعة؛ لحديث أبي هريرة السابق.
- مسألة: (وَ) يسن في غير صلاة (سُجُودُ شُكْرٍ) لله تعالى، (عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعَمٍ، وَانْدِفَاعِ نِقَمٍ)، مطلقًا سواء كانت النعمة عامة أم خاصة، دينية أم دنيوية؛ لحديث أبي بَكْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْ بُشِّرَ بِهِ، خَرَّ سَاجِدًا، شُكْرًا لله ﵎» [أحمد ٢٠٤٥٥، وأبو داود ٢٧٧٤، والترمذي ١٥٧٨، وابن ماجه ١٣٩٤]، ولحديث كعب بن مالك ﵁ لمَّا بُشِّرَ بتوبة الله عليه قال: «فَخَرَرْتُ سَاجِدًا» [البخاري ٤٤١٨، ومسلم ٢٧٦٩]، وعن علي ﵁: أنه «سجد حين وجد ذا الثُّدَيَّةِ في الخوارج» [أحمد ٨٤٨].
- فرع: لا يُشرع سجود الشكر للنعم الدائمة؛ لأنه يقتضي أن يكون
[ ١ / ٢٨٦ ]
المسلم طيلة عمره ساجدًا.
- مسألة: (وَتَبْطُلُ بِهِ) أي: بسجود الشكر في الصلاة (صَلَاةُ غَيْرِ جَاهِلٍ وَنَاسٍ)؛ لأنه لا تعلق به في الصلاة، بخلاف سجود التلاوة، فأما الجاهل والناسي فلا تبطل، كما لو زاد فيها سجودًا.
- مسألة: (وَهُوَ) أي: سجود الشكر في صفته وأحكامه (كَسُجُودِ تِلَاوَةٍ) على ما تقدم.
فصل