الاستسقاء: الدعاء بطلب السقيا على صفة مخصوصة.
- مسألة: (وَ) تسن صلاة (اسْتِسْقَاءٍ)، والاستسقاء على ثلاثة أنواع:
١ - الاستسقاء بالصلاة، وهو أكملها، وهو سنة مؤكدة؛ لقول عبد الله بن زيد ﵁: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ» [البخاري: ١٠٢٤، ومسلم: ٨٩٤].
[ ١ / ٤٠١ ]
٢ - استسقاء الإمام يوم الجمعة في خطبتها، كما فعل النبي ﷺ في حديث أنس ﵁ [البخاري: ٩٣٣، ومسلم: ٨٩٧].
٣ - الاستسقاء بالدعاء المجرد دون صلاة؛ لما روى عُمير مولى آبِي اللحمِ ﵁: " أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ الله ﷺ يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِمًا، يَدْعُو يَسْتَسْقِي رَافِعًا كَفَّيْهِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ، مُقْبِلٌ بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ إِلَى وَجْهِهِ " [أحمد: ٢١٩٤٤، وأبو داود: ١١٦٨، والترمذي: ٥٥٧، والنسائي: ١٥١٤].
- مسألة: تشرع صلاة الاستسقاء (إِذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ) أي: أمحلت، والجدب نقيض الخصب، (وَقُحِطَ المَطَرُ) أي: احتبس فلم ينزل وضر ذلك، أو غار ماء الأنهار، أو نَقَصَ ماء العيون، وهي سنة مؤكدة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأَمر بمنبر، فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، ثم قال: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ» الحديث. [أبو داود: ١١٧٣].
- مسألة: (وَصِفَتُهَا) أي: صلاة الاستسقاء (وَأَحْكَامُهَا)، وموضعها ووقتها (كَـ) صلاة وأحكام وموضع صلاة (عِيدٍ)؛ قال ابن عباس ﵄: «سُنَّةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةُ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدَيْنِ» [الحاكم: ١٢١٧، والدارقطني: ١٨٠٠، والبيهقي: ٦٤٠٥، وفيه ضعف]، وقال ابن عباس ﵄ أيضًا: «صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ
[ ١ / ٤٠٢ ]
رَكْعَتَيْنِ، كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ» [أحمد: ٢٠٣٩، وأبو داود: ١١٦٥، والترمذي: ٥٥٨، والنسائي: ١٥٠٨، وابن ماجه: ١٢٦٦].
- فرع: ليس لصلاة الاستسقاء وقت محدد، إلا أنها لا تفعل أوقاتَ النهي، والأفضل فعلها في وقت صلاة العيد؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ» [أبو داود: ١١٧٣].
- مسألة: (وَهِيَ) أي: صلاة الاستسقاء، كونها تصلى في جماعة أفضل؛ لظاهر حديث عبد الله بن زيد السابق، (وَ) كذا (الَّتِي قَبْلَهَا) أي: صلاة الكسوف، كونها تصلى في (جَمَاعَةٍ أَفْضَلُ)؛ لقول عائشة ﵂: «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ وَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ» [البخاري: ١٠٤٦، ومسلم: ٩٠١]، وتصح فرادى؛ كسائر النوافل.
- مسألة: (وَإِذَا أَرَادَ الإِمَامُ الخُرُوجَ لَهَا) أي: صلاة الاستسقاء:
١ - (وَعَظَ النَّاسَ) أي: ذَكَّرَهُم بما يُلَيِّنُ قلوبهم من الثواب والعقاب.
٢ - (وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ وَالخُرُوجِ مِنَ المَظَالِمِ) وذلك بِرَدِّها إلى مُستحِقِّيها؛ لأن المعاصيَ سبب القحط، والتقوى سبب البركات، قال تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض).
[ ١ / ٤٠٣ ]
٣ - (وَ) أمرهم بـ (تَرْكِ التَّشَاحُنِ)، من الشحناء، وهي العداوة، لأنها تحمل على المعصية، وتمنع نزول الخير؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعًا: «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ، فَرُفِعَتْ» [البخاري: ٢٠٢٣].
٤ - (وَ) أمرهم بـ (الصِّيَامِ)؛ لأنه وسيلة إلى نزول الغيث، لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ثَلَاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ» الحديث. [أحمد: ٨٠٤٣، والترمذي: ٣٥٩٨، وابن ماجه: ١٧٥٢].
قال ابن عثيمين: (فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله، لكن لو اختار يوم الاثنين ولم يجعله سنة راتبة؛ ليصادف صيام بعض الناس، لم يكن به بأس).
٥ - (وَ) أمرهم بـ (الصَّدَقَةِ)؛ لأنها متضمنة للرحمة، وفي حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ» [ابن ماجه: ٤٠١٩].
٦ - (وَيَعِدُهُمْ) أي: يُعيِّن لهم (يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ» [أبو داود: ١١٧٣]، وليتهيؤوا للخروج على الصفة المسنونة.
٧ - (وَيَخْرُجُ) الإمام وغيره (مُتَوَاضِعًا) أي: متقصدًا التواضع، وهو ضد الكبر، (مُتَخَشِّعًا) أي: خاضعًا، بسكون الأعضاء، ورمي البصر إلى
[ ١ / ٤٠٤ ]
الأرض، وخفض الصوت، (مُتَذَلِّلًا) من الذل وهو الهوان، استكانةً وتعظيمًا لله، (مُتَضَرِّعًا) أي: مستكينًا لله تعالى؛ لقول ابن عباس ﵄: «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَضَرِّعًا» [أحمد: ٢٠٣٩، والترمذي: ٥٥٨، والنسائي: ١٥٢١، وابن ماجه: ١٢٦٦]،
٨ - ويخرج الإمام وغيره (مُتَنَظِّفًا) لها؛ لئلا يؤذي، والمراد بالتنظف ثلاثة أمور:
أ) إزالة ما ينبغي إزالته شرعًا؛ كتقليم الأظفار، ونتف الإبْط، وحلق العانة، وقص الشارب.
ب) إزالة ما ينبغي إزالته طبعًا؛ كقطع العرق، والرائحة الكريهة.
ت) الغسل، وسبق في باب الغسل.
٩ - و(لَا) يخرج (مُطَيَّبًا)؛ لأنه يوم استكانة وخضوع.
وقيل: لا يمنع من الطيب؛ لعدم ورود المانع، والطيب مسنون كل وقت؛ وفي حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ فَلَا يَرُدَّهُ، فَإِنَّهُ طَيِّبُ الرِّيحِ، خَفِيفُ الْمَحْمَلِ» [أحمد: ٨٢٦٤، وأبو داود: ٤١٧٢، والنسائي: ٥٢٥٩]، ولا منافاة بين الطيب وبين الخضوع والاستكانة.
١٠ - ويخرج الإمام (وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ، وَالشُّيُوخُ)؛ لأن عمر
[ ١ / ٤٠٥ ]
استسقى بدعاء العباس ﵄ [البخاري: ١٠١٠]، ولأنه أسرع لإجابتهم، (وَ) يخرج معه (مُمَيّزُ الصِّبْيَانِ)؛ لأنهم لا ذنوب لهم، فترجى إجابتهم.
١١ - (فَيُصَلِّي) بهم ركعتين كالعيد؛ لما تقدم من حديث ابن عباس ﵄.
١٢ - (ثُمَّ يَخْطُبُ) خطبة (وَاحِدَةً)؛ لأنه لم ينقل أن النبي ﷺ خطب بأكثر منهما.
١٣ - وتكون الخطبة بعد الصلاة؛ كما في خطبة العيد؛ لقول ابن عباس السابق: «وَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ رَكْعَتَيْنِ، كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ».
وعنه: يخطب قبل الصلاة كالجمعة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ، حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ ﷺ، وَحَمِدَ الله ﷿، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ» الحديث، «ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» [أبو داود: ١١٧٣].
والأقرب أن يقال: هذا من السنن المتنوعة، فيخطب قبل الصلاة أحيانًا، ويخطب بعدها أحيانًا.
١٤ - و(يَفْتَتِحُهَا) أي: الخطبة (بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ عِيدٍ)، وهو من المفردات؛ لقول ابن عباس ﵄: «فَصَنَعَ فِيهِ كَمَا يَصْنَعُ فِي الفِطْرِ وَالْأَضْحَى» [الحاكم: ١٢١٨، والدارقطني: ١٨٠٦، والبيهقي: ٦٤٠٤].
[ ١ / ٤٠٦ ]
وعنه، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام: يفتتحها بالحمد، كما تقدم في خطبة العيد.
١٥ - (وَيُكْثِرُ فِيهَا) أي: في الخطبة من (الاسْتِغْفَارِ، وَقِرَاءَةِ الآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الأَمْرُ بِهِ)؛ لأن الاستغفار سبب نزول الغيث، لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا﴾ [نوح: ١٠].
١٦ - (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) استحبابًا في الدعاء؛ لقول أنس ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» [البخاري: ١٠٣١، ومسلم: ٨٩٥].
١٧ - (وَ) تكون (ظُهُورُهُمَا) أي: يديه (نَحْوَ السَّمَاءِ)؛ لما روى أنس بن مالك ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى، فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ» [مسلم: ٨٩٥].
وفي وجه اختاره شيخ الإسلام: أن دعاء الاستسقاء كغيره، فتكون بطون أصابعه نحو السماء، وإنما صار كفهما نحو السماء لشدة الرفع.
١٨ - (فَيَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ) تأسيًا به، (وَمِنْهُ):
أ) (اللهمَّ اسْقِنَا غَيْثًا) والغيث: المطر، (مُغِيثًا) أي: منقذًا من الشدة،
[ ١ / ٤٠٧ ]
(إِلَى آخِرِهِ) أي: آخر الدعاء: «مَرِيئًا مَرِيعًا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ» [أبو داود: ١١٦٩]. مريئًا: هو السهل النافع المحمود العاقبة، ومريعًا: مخصبًا كثير النبات.
ب) «اللهمَّ اسْقِ عِبَادَكَ، وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ» [أبو داود: ١١٧٦].
ت) «اللهمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، وَلَا سُقْيَا عَذَابٍ وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ» [البيهقي: ٦٤٤٣].
١٩ - ويسن أن يحوِّل الإمام رداءه، فيجعلَ الأيمنَ على الأيسر، والأيسرَ على الأيمن؛ لحديث عبد الله بن زيد السابق: «وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ»، وفي رواية البخاري: «جَعَلَ اليَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ»، ويفعل الناس كذلك؛ لأن الأصل التأسي، ويتركونه حتى يَنْزِعُوه مع ثيابهم؛ لعدم نقل إعادته.
- مسألة: (وَإِنْ كَثُرَ المَطَرُ حَتَّى خِيفَ) منه (سُنَّ قَوْلُ: اللهمَّ حَوَالَيْنَا) أي: أنزله حوالَيِ المدينة في مواضع النبات، (وَلَا عَلَيْنَا) في المدينة ولا في غيرها من المباني، (اللهمَّ عَلَى الظِّرَابِ) أي: الروابي الصغار، (وَالآكَامِ) على وزن آصال وجبال، قال مالك: هي الجبال الصغار، (وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ) أي: الأمكنة المنخفضة، (وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) أي: أصولها؛ لأنه أنفع لها؛ لما
[ ١ / ٤٠٨ ]
روى أنس - ﵁ - أنه ﷺ كان يقول ذلك [البخاري: ١٠١٤، ومسلم: ٨٩٧]، (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) أي: لا تُكلِّفْنا من الأعمال ما لا نُطيق، (الآيَةَ) أي: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قال ابن عثيمين: (لو قالها على سبيل الدعاء فلا بأس، أما على سبيل السنية فلا؛ لعدم وروده).
- فرع: لا يصلي إذا كثر المطر حتى خيف منه؛ لعدم وروده، ويدعو؛ لأنه أحد الضررين، فاستحب الدعاء لانقطاعه.
[ ١ / ٤٠٩ ]