التطوع لغة: فعل الطاعة، وشرعًا: طاعة غير واجبة.
- مسألة: (آكَدُ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ: كُسُوفٌ)؛ لأنه ﷺ أمر بها في حديث
[ ١ / ٢٦٨ ]
عائشة ﵂ وغيره [البخاري ١٠٥٨، ومسلم ٩٠١]، ولم يتركها عند وجود سببها، بخلاف الاستسقاء، فإنه كان يستسقي تارة ويترك أخرى، (فَاسْتِسْقَاءٌ)؛ لأنه يشرع لها الجماعة مطلقًا، أشبهت الفرائض، (فَتَرَاوِيحُ)؛ لأنه ﷺ لم يداوم عليها خشية أن تفرض، لكنها أشبهت الفرائض من حيث مشروعيةُ الجماعة لها، (فَوَتْرٌ)؛ لأن الجماعة شرعت للتراويح مطلقًا، بخلاف الوتر، فإنه إنما تشرع له الجماعة تبعًا للتراويح، ثم السنن الرواتب؛ لأنها لا تفعل جماعة.
واختار ابن عثيمين: أن ما تنوزع في وجوبه فهو آكد، وعلى هذا فالأفضل: الكسوف؛ لأنه قيل بوجوبها، وتشرع لها الجماعة مطلقًا، ويأتي في صلاة الكسوف، ثم الوتر؛ لأنه قيل بوجوبه أيضًا، ثم الاستسقاء؛ لأنه لدفع حاجة، ثم التراويح.
أولًا: صلاة الوتر:
- مسألة: حكم الوتر: سنة مؤكدة؛ لمداومة النبي ﷺ عليها حضرًا وسفرًا، قال الإمام أحمد: (من ترك الوتر فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل له شهادة)، وليس بواجب؛ لحديث طلحة بن عبيد الله - ﵁ - قال: جاء رجل من أهل نجد، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»، فقال: هل علي غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» [البخاري ٣٦، ومسلم ١١]، وعن علي ﵁ قال: «الوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَصَلاتِكُمُ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّها رَسُولُ الله ﷺ» [أحمد ١٢٦١، والترمذي ٤٥٣،
[ ١ / ٢٦٩ ]
والنسائي ١٦٧٥، وابن ماجه ١١٦٩].
واختار شيخ الإسلام: أن الوتر واجب على من يتهجد من الليل؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» [البخاري ٩٩٨، ومسلم ٧٥١].
- مسألة: (وَوَقْتُهُ) أي: الوتر، لا يخلو من أمرين:
الأول: وقت الجواز: يبدأ (مِنْ صَلَاةِ العِشَاءِ)، ولو مجموعةً مع المغرب تقديمًا (إِلَى) طلوع (الفَجْرِ)؛ لحديث عائشة ﵂: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ، إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» [مسلم ٧٣٦]، ولحديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا» [مسلم ٧٥٤].
الثاني: وقت الاستحباب: وهو آخِرُ الليل لمن يثق من نفسه أن يقوم فيه، وإلا أوتر قبل أن ينام؛ لحديث جابر - ﵁ -: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ، ثُمَّ لِيَرْقُدْ، وَمَنْ وَثِقَ بِقِيَامٍ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ» [مسلم ٧٥٥].
- مسألة: عدد ركعات الوتر:
أ- (وَأَقَلُّهُ) أي: الوتر: (رَكْعَةٌ)؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل فقال: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» [البخاري ٩٩٠، ومسلم
[ ١ / ٢٧٠ ]
٧٣٩]، ولا يكره الإيتار بها مفردة؛ لثبوته عن بعض الصحابة، كسعد بن أبي وقاص ﵁ [ابن أبي شيبة ٦٨٠٩].
ب (وَأَكْثَرُهُ) أي: أكثر الوتر: (إِحْدَى عَشْرَةَ) ركعةً، يصليها (مَثْنَى مَثْنَى)، فيسلم من كل ركعتين، (وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ)؛ لحديث عائشة ﵂: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ، إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» [مسلم ٧٣٦]، ولحديث ابن عمر السابق: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى».
وهذا هو الأفضل، وله أن يسرد عشرًا، ثم يجلسَ فيتشهدَ ولا يسلمَ، ثم يأتيَ بالركعة الأخيرة، ويتشهدَ ويسلم؛ قياسًا على ما يأتي في وتره تسع ركعات وسبع.
ت (وَأَدْنَى الكَمَالِ: ثَلَاثُ) ركعات، ولها صفتان:
١ - أن يصلِّيَها (بِسَلَامَيْنِ)، فيصلي ركعتين ويسلم، ثم الثالثة ويسلم؛ لحديث ابن عمر ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالوَتْرِ بِتَسْلِيمٍ يُسْمِعُنَاهُ» [أحمد ٥٤٦١، وابن حبان ٢٤٣٥].
٢ - بسلام واحد، فيصلي الثلاث سردًا، لا يجلس إلا في آخرهن؛ لحديث أُبي بن كعب ﵁: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِقُلْ
[ ١ / ٢٧١ ]
هُوَ الله أَحَدٌ، وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ» [النسائي ١٧٠١].
والصفة الأولى أفضل؛ لأنها أكثر عملًا، قال أحمد: (لأن الأحاديث فيه أقوى وأكثر).
وخَيّر شيخ الإسلام بين الصورتين؛ لورود السنة بهما جميعًا، والقاعدة: (أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة، الأفضل فيها أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة).
وأما إن صلى ثلاثًا بتشهدين وسلام كصلاة المغرب، فقطع في الإقناع بالصحة، وقال القاضي: (لا تكون وترًا)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ، أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ، أَوْ بِسَبْعٍ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِصَلَاةِ المَغْرِبِ» [ابن حبان ٢٤٢٩، والدارقطني ١٦٥٠].
- فرع: في ذكر صفات الوتر الثابتة في السنة:
الصفة الأولى: أن يوتر بإحدى عشرة ركعة، وسبق أنها تصلى ركعتين ركعتين، ويوتر بواحدة، ويسرد عشرًا ولا يسلم، ثم يأتي بركعة.
الصفة الثانية: أن يوتر بتسع، فيسرد ثمان ركعات، ثم يتشهد التشهد الأول، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم، وهو من المفردات؛ لحديث عائشة ﵂: «وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ الله وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ الله وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ» [مسلم ٧٤٦].
[ ١ / ٢٧٢ ]
الصفة الثالثة: أن يوتر بسبع، ولها صفتان:
١ - يسردها ولا يجلس إلا في آخرها، وهو من المفردات؛ لحديث أم سلمة ﵁: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُوتِرُ بِسَبْعٍ أَوْ بِخَمْسٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ» [أحمد ٢٦٤٨٦، والنسائي ١٧١٤، وابن ماجه ١١٩٢]، وهذه الصفة أفضل من التي تليها.
٢ - وفي وجه، واختاره ابن قدامة: له أن يسرد ستًا، ثم يتشهد التشهد الأول، ولا يسلم، ثم يصلي السابعة، ويتشهد ويسلم؛ لحديث عائشة ﵂: «ثُمَّ يُصَلِّي سَبْعَ رَكَعَاتٍ، وَلَا يَجْلِسُ فِيهِنَّ إِلَّا عِنْدَ السَّادِسَةِ، فَيَجْلِسُ وَيَذْكُرُ الله وَيَدْعُو» [ابن حبان ٢٤٤١]، فتكون من العبادات الواردة على وجوه متنوعة.
الصفة الرابعة: أن يوتر بخمس، فيسردها ولا يجلس إلا في آخرها، وهو من المفردات؛ لحديث أم سلمة السابق.
الصفة الخامسة: أن يوتر بثلاث، وسبق أن لها صفتين.
الصفة السادسة: أن يوتر بواحدة، وسبق.
- مسألة: (وَيَقْنُتُ) في الوتر (بَعْدَ الرُّكُوعِ نَدْبًا)؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ، قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ» [البخاري ٤٥٦٠، ومسلم ٦٧٥]، وعن أبي عثمان النَّهْدي أنه سئل عن القنوت، فقال: " بَعْدَ الرُّكُوعِ "، فقيل: عَمَّنْ؟ فقال: " عَنْ أَبِي بَكْرٍ
[ ١ / ٢٧٣ ]
وَعُمر وَعُثْمَانَ " [ابن أبي شيبة ٧٠٨٥].
فإن قنت قبل الركوع بعد القراءة جاز، ولم يسن.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: يسن ذلك؛ لحديث أُبي بن كعب ﵁: " أن النبي ﷺ قَنَتَ فِي الوَتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ " [أبو داود ١٤٢٧]؛ وعن علقمة: " أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الوَتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ " [ابن أبي شيبة ٦٩٨٣، قال الألباني: هذا سند جيد على شرط مسلم].
وعلى ذلك فيكون من السنن المتنوعة.
- فرع: يسن القنوت جميعَ السنة؛ لحديث علي ﵁: أنه ﷺ كان يقول في وتره: " اللهمَّ إنّا نعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفَوكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ " [أحمد ٧٥١، وأبو داود ١٤٢٧، الترمذي ٣٥٦٦، والنسائي ١٧٤٦، وابن ماجه ١١٧٩]، و(كان) للدوام غالبًا.
وخير شيخ الإسلام في دعاء القنوت بين فعله وتركه.
وقال ابن عثيمين: (الأحسن عدم المداومة عليه، وإنما يفعله أحيانًا؛ لأن النبي ﷺ لم يداوم عليه، ولكنه علّم الحسن بن علي الدعاء في الوتر، فدل على سنيته).
- مسألة: (فَيَقُولُ) في قنوته جهرًا إن كان إمامًا أو منفردًا، نصًّا، وقياس المذهب: يخير المنفرد بين الجهر بالقنوت وعدمه، وهو ظاهر كلام
[ ١ / ٢٧٤ ]
جماعة من الأصحاب، فيقول:
١ - ما رواه الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله ﷺ كلماتٍ أقولهن في الوتر: (اللهمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ) [أحمد ١٧١٨، وأبو داود ١٤٢٥، والنسائي ١٧٤٥، والترمذي ٤٦٤، وابن ماجه ١١٧٨].
٢ - أن يقول: (اللهمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)؛ لحديث علي ﵁ المتقدم.
٣ - (ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ)؛ لوروده في حديث الحسن في آخر دعاء القنوت [النسائي ١٧٤٥، وضعفه الحافظ]، ولفظه: «وَصَلَّى الله عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ»، وثبت في حديث إِمامةِ أُبي بن كعب الناسَ في قيام رمضان أنه كان
[ ١ / ٢٧٥ ]
يصلي على النبي ﷺ في آخر القنوت، وذلك في عهد عمر ﵁ [ابن خزيمة ١١٠٠].
- مسألة: (وَيُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ) إن سمعه؛ فيقول: آمين، قال ابن قدامة: (لا نعلم فيه خلافًا)؛ لحديث ابن عباس ﵄ في قنوت النبي ﷺ في النوازل: «وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ» [أحمد ٢٧٤٦، وأبو داود ١٤٤٣].
- مسألة: (وَيَجْمَعُ إِمَامٌ الضَّمِيرَ)؛ لأنه يُؤَمَّنُ على دعائه، ويُفرِدُ المنفرد الضمير؛ لأن المحفوظ من أدعيته ﷺ في الصلاة أنها بلفظ الإفراد.
واختار شيخ الإسلام: أنه يدعو بلفظ الجمع وإن كان منفردًا؛ لأنه يدعو لنفسه وللمسلمين.
- مسألة: (وَيَمْسَحُ الدَّاعِي وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ مُطْلَقًا) خارجَ الصلاة وداخلَها؛ لما روى السائب عن أبيه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ، مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ» [أحمد ١٧٩٤٣، وأبو داود ١٤٩٢].
وعنه، واختاره شيخ الاسلام: لا يستحب المسح، وسئل الإمام أحمد عن الرجل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ في الوتر، فقال: (لم أسمع فيه بشيء)، وقال شيخ الاسلام: (ليس فيه إلا حديث أو حديثان لا تقوم بهما حجة).
[ ١ / ٢٧٦ ]
ثانيًا: صلاة التراويح:
وهي: قيام رمضان جماعة في المسجد، وسميت بذلك لأنهم يصلون أربع ركعات، ويتروَّحون ساعة، أي: يستريحون.
- مسألة: (وَالتَّرَاوِيحُ) سنة مؤكدة، فعلها النبي ﷺ بأصحابه، فعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ، فلما أصبح قال: «قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ»، وذلك في رمضان [البخاري ١١٢٩، ومسلم ٧٦١]، وجمع عمر الناس على أُبي بن كعب ﵃ [البخاري ٢٠١٠]، واتفق عليها الصحابة.
- مسألة: وعدد ركعاتها (عِشْرُونَ رَكْعَةً بِرَمَضَانَ)؛ لما روى السائب بن يزيد قال: " كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة " [البيهقي ٤٣٩٣]، ولا بأس بالزيادة عليها نصًّا.
وقال شيخ الاسلام: (لا يتوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبي ﷺ لم يوقت فيها عددًا)؛ للإطلاق في حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» [البخاري ٩٩٠، ومسلم ٧٣٩].
- مسألة: (تُسَنُّ) التراويح مثنى مثنى؛ لحديث ابن عمر السابق: «صَلَاةُ
[ ١ / ٢٧٧ ]
اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى»، (وَالوَتْرُ مَعَهَا جَمَاعَةً) قال أحمد: (كان علي وجابر وعبد الله - ﵃ - يصلونها في الجماعة)، ويسن كونها في المسجد؛ لجمع عمر ﵁ الناس عليها.
- مسألة: (وَوَقْتُهَا) أي: التراويح، على قسمين:
الأول: وقت الجواز: بأن تصلى (بَيْنَ) صلاة عشاء، - ولو صُليت جمعَ تقديم -، إلى طلوع الفجر؛ لما تقدم من أن الوتر يدخل وقته بالفراغ من صلاة العشاء، وينتهي بطلوع الفجر، والأفضل بعد (سُنَّةِ عِشَاءٍ)؛ لتأكد سنتها بعدها، (وَ) بين (وَتْرٍ)؛ لحديث ابن عمر ﵄ المتقدم: «فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى».
وشنع شيخ الإسلام على من أفتى بصلاة التراويح قبل صلاة العشاء، ونسبه إلى البدعة.
الثاني: وقت الاستحباب: أول الليل بعد سنة العشاء؛ لما ورد أن الناس في زمن عمر - ﵁ - كانوا يقومون أوله [البخاري ٢٠١٠].
وقيل: آخِرَ الليل أفضل، وهو قول المالكية؛ لقول عمر ﵁ لما اجتمع الناس للتراويح: «نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ»، يريد آخِرَ اللَّيل، وكان الناس يقومون أوله.
[ ١ / ٢٧٨ ]
ثالثًا: السنن الرواتب:
- مسألة: (ثُمَّ) يلي التراويحَ والوترَ في الأفضلية: السنةُ (الرَّاتِبَةُ) التي تفعل مع الفرائض، ويكره تركها في الحضر؛ لمداومة النبي ﷺ عليها في الحضر، قال شيخ الإسلام: (من أصر على تركها - أي: السنن - دل ذلك على قلة دينه، وردت شهادته في مذهب أحمد والشافعي وغيرهما).
- مسألة: السنن الرواتب: عشر ركعات: (رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الفَجْرِ)؛ لقول ابن عمر ﵄: «حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ» [البخاري ١١٨٠، ومسلم ٧٢٩].
واختار شيخ الإسلام: أنها ثنتا عشْرَةَ ركعةً، كالمذهب، لكن قبل الظهر أربعًا؛ لحديث عائشة ﵂: «كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ» [مسلم ٧٣٠]، ولحديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ» [مسلم ٧٢٨]، وزاد الترمذي: «أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ» [الترمذي ٤١٥].
[ ١ / ٢٧٩ ]
- مسألة: (وَهُمَا) أي: ركعتا الفجر (آكَدُهَا) أي: أفضل الرواتب؛ لقول عائشة ﵂: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ» [البخاري ١١٨٠، ومسلم ٧٢٤].
- مسألة: صلاة التطوع نوعان:
الأول: تطوع مقيد: وهو أفضل من التطوع المطلق، سواء قيد في الوقت أم في الحال، فركعتا الفجر أفضل من ركعتين تطوعًا مطلقًا بالليل.
الثاني: تطوع مطلق، ففي الليل أفضل منه في النهار، وأشار إليه بقوله: (وَتُسَنُّ صَلَاةُ اللَّيْلِ) أي: النفل المطلق فيه (بِتَأَكُّدٍ)، ووقته: من الغروب إلى طلوع الفجر؛ لقول أنس ﵁ فِي قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]، قال: «كَانُوا يَتَيَقَّظُونَ مَا بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ يُصَلُّونَ» [أبو داود ١٣٢١]، (وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ، الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» [مسلم ١١٦٣]، ولأن الليل محل الغفلة، ولأن عمل السر أفضل من عمل العلانية.
- فرع: صلاة الليل بعد النوم أفضل؛ لقوله تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) [المزمل: ٦]، قال الإمام أحمد: (الناشئة لا تكون إلا بعد رقدة).
[ ١ / ٢٨٠ ]
- فرع: صلاة الليل في الثلث بعد النصف منه أفضل نصًّا، لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى الله صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» [البخاري ٣٤٢٠، ومسلم ١١٥٩].
فصل