وفيه فضل عظيم؛ لحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ الله ﷿: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» [مسلم ١١٥١]، وهذه الإضافة للتشريف والتعظيم.
- مسألة: (يُسَنُّ صَوْمُ):
[ ١ / ٥٧٦ ]
١ - ثلاثة أيام من كل شهر، قال في الشرح: (بغير خلاف نعلمه)؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: «أَوْصَانِي خَلِيلي ﷺ بِثَلاثٍ: صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» [البخاري ١٩٨١، ومسلم ٧٢١]، وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: «وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ» [البخاري ١٩٧٦، ومسلم ١١٥٩].
والأفضل كونها (أَيَّامَ) الليالي (البِيضِ)، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، اتفاقًا؛ لما روى أبو ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال له: «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» [أحمد ٢١٣٥٠، والترمذي ٧٦١، والنسائي ٢٤٢٢].
٢ - (وَ) يسن صوم يوم (الخَمِيسِ)؛ لحديث أسامة بن زيد ﵄: قال رسول الله ﷺ: «ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [أحمد ٢١٧٥٣، والنسائي ٢٣٥٨].
٣ - (وَ) يسن صوم يوم (الاثْنَيْنِ)؛ لحديث أبي قتادة ﵁: سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ - أَوْ أُنْزِلَ- عَلَيَّ فِيهِ» [مسلم ١١٦٢].
٤ - (وَ) يسن صوم (سِتَّ) ـة أيام (مِنْ شَوَّالٍ)؛ لحديث أبي أيوب ﵁: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ
[ ١ / ٥٧٧ ]
الدَّهْرِ» [مسلم ١١٦٤]، قال أحمد: (هو من ثلاثة أوجه عن النبي ﷺ)، ولو متفرقًا؛ لإطلاق الحديث، ويستحب تتابعها، وكونها عقب العيد؛ لما فيه من المسارعة إلى الخير.
٥ - (وَ) يسن صوم (شَهْرِ الله المُحَرَّمِ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ الله الْمُحَرَّمُ» [مسلم ١١٦٣]، والمراد أفضل شهر تطوع فيه كاملًا بعد رمضان شهر الله الحرام؛ لأن بعض التطوع قد يكون أفضل من أيامه، كعرفة وعشر ذي الحجة.
وقال شيخ الإسلام: (يحتمل أنه يريد بشهر الله المحرم أول العام، وأنه يريد به الأشهر الحرم، والله أعلم).
(وَآكَدُهُ) أي: المحرم: عاشوراء، وهو اليوم (العَاشِرُ)؛ لحديث أبي قتادة ﵁: قال ﷺ: «وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى الله أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [مسلم ١١٦٢].
(ثُمُّ) تاسوعاء، وهو اليوم (التَّاسِعُ)؛ لحديث ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» [مسلم ١١٣٤]، أي: مع العاشر.
- فرع: مراتب صيام عاشوراء:
أأن يصوم قبله يومًا وبعده يومًا، وهذا إذا اشتبه عليه أول الشهر؛
[ ١ / ٥٧٨ ]
ليتيقن صومهما، ولما ثبت عن ابن عباس ﵄ موقوفًا: «أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ قَبْلَهُ يَوْمًا وَبَعْدَهُ يَوْمًا»، وعنه أيضًا: «أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ فِي السَّفَرِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَيُوَالِي بَيْنَ اليَوْمَيْنِ مَخَافَةَ أَنْ يَفُوتَهُ» [تهذيب الآثار ٦٦٠، ٦٦١].
ب أن يصوم التاسع والعاشر معًا؛ لحديث ابن عباس السابق.
ت أن يفرد العاشر بالصوم، ولا يكره؛ لحديث أبي قتادة السابق، واختاره شيخ الإسلام.
٦ - (وَ) يسن صوم (تِسْعِ ذِي الحِجَّةِ)؛ لحديث بعض أزواج النبي ﷺ قالت: ««كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ» [أحمد ٢٢٣٣٤، وأبو داود ٢٤٣٧، والنسائي ٢٣٧٢، وصححه الألباني]، ولحديث ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ؟» قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «وَلَا الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» [البخاري ٩٦٩].
- فرع: (وَآكَدُهُ) أي: التسع من ذي الحجة: اليوم التاسع، وهو (يَوْمُ عَرَفَةَ)، ولا يخلو صيامه من ثلاثة أحوال:
١ - صيامه (لِغَيْرِ حَاجٍّ)، فيسن له اتفاقًا؛ لحديث أبي قتادة ﵁: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى الله أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» [مسلم ١١٦٢].
٢ - الحاج الواقف (بِهَا) أي: بعرفة، فلا يستحب له الصيام، وفطره
[ ١ / ٥٧٩ ]
أفضل؛ لحديث أم الفضل ﵂: «أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَشَرِبَهُ» [البخاري ١٦٦١، ومسلم ١١٢٣]، وسئل ابن عمر ﵄ عن صوم يوم عرفة بعرفة، فقال: «حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَأَنَا لا أَصُومُهُ، وَلا آمُرُ بِهِ، وَلا أَنْهَى عَنْهُ» [البخاري ١٦٦١، ومسلم ١١٢٣]، ولأنه يضعف عن الدعاء، فكان تركه أفضل، إلا لمتمتعٍ وقارنٍ عدمَا الهدي، فيصومانه مع اليومين قبله، ويأتي في الحج.
وعلل شيخ الإسلام كراهية صوم عرفة؛ لأنه يوم عيد لأهل عرفة.
٣ - الحاج إذا لم يكن واقفًا بعرفة نهارًا، كمن دخل عرفة بعد الغروب: فظاهر كلام الأصحاب: يستحب له الصيام؛ لعموم حديث أبي قتادة السابق.
٧ - (وَأَفْضَلُ) التطوع في (الصِّيَامِ: صَوْمُ يَوْمٍ وَفِطْرُ يَوْمٍ)؛ لقول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو ﵄: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ»، قال قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال رسول الله ﷺ: «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» [البخاري ١٩٧٦، ومسلم ١١٥٩].
وشرطه: ألا يضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل من الصيام، كالقيام بحقوق الله تعالى وحقوق عباده اللازمة، وإلا فتركه أفضل.
وقال شيخ الإسلام: (متى كانت العبادة توجب له ضررًا يمنعه عن فعل واجب أنفع له منها؛ كانت محرمة، مثل أن يصوم صومًا يضعفه عن الكسب الواجب).
[ ١ / ٥٨٠ ]
- مسألة: (وَكُرِهَ) من الصيام:
١ - (إِفْرَادُ رَجَبٍ) بالصوم؛ لقول خَرَشة بن الحُرِّ: «رَأَيْتُ عُمَرَ - ﵁ - يَضْرِبُ أَكُفَّ النَّاسِ فِي رَجَبٍ حَتَّى يَضَعُوهَا فِي الْجِفَانِ، وَيَقُولُ: كُلُوا، فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ» [مصنف ابن أبي شيبة ٩٧٥٨، وجود إسناده ابن كثير]، ولأن فيه إحياءً لشعار الجاهلية.
قال شيخ الإسلام: (ومن صام رجبًا معتقدًا أنه أفضل من غيره من الأشهر أثم وعزر، وعليه يحمل فعل عمر - ﵁ -).
وقال أيضًا: (وأما صوم رجب بخصوصه فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات).
- فرع: تزول الكراهة بأمرين:
أبفطره فيه، ولو يومًا، عن عطاء قال: «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَنْهَى عَنْ صِيَامِ رَجَبٍ كُلِّهِ؛ لئلا يُتَّخَذَ عِيدًا» [مصنف عبد الرزاق ٧٨٥٤].
ب أو بصومه شهرًا آخر من السنة معه؛ لما ورد أن ابن عمر ﵄ كان يصوم الأشهر الحرم [مصنف عبد الرزاق ٧٨٥٦]، قال المجد: (وإن لم يلِ الشهرَ الآخرَ رجبٌ).
- فرع: لا يكره إفراد شهر غير رجب بالصوم، اتفاقًا، قاله في المبدع.
[ ١ / ٥٨١ ]
٢ - (وَ) يكره تعمد إفراد يوم (الجُمُعَةِ) بصيام؛ لحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» [مسلم ١١٤٤]، والصارف من التحريم إلى الكراهة: جواز صيامه إن وافق يومًا يعتاد صومه.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يجوز تخصيص يوم الجمعة بصيام؛ لحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ، أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ» [البخاري ١٩٨٥، ومسلم ١١٤٤].
- فرع: تزول كراهة صوم يوم الجمعة بأمرين:
أإن وافق يومًا يعتاد صومه، كما لو وافق يوم عرفة أو يوم عاشوراء، فلا يكره؛ لحديث أبي هريرة السابق: «إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ»، ولأن العادة لها تأثير في ذلك.
ب إذا صام يومًا قبله أو يومًا بعده، فلا يكره؛ لحديث أبي هريرة السابق.
٣ - (وَ) يكره تعمد إفراد يوم (السَّبْتِ) بصوم؛ لحديث الصماء بنت بسر ﵂ مرفوعًا: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْهُ» [أحمد ٢٧٠٧٥، وأبو داود ٢٤٢١، والترمذي ٧٤٤، وابن ماجه ١٧٢٦]، ولأنه يوم عيد لأهل الكتاب؛ فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيمًا له، فكره ذلك.
[ ١ / ٥٨٢ ]
واختار شيخ الإسلام: أنه (لا يكره صيامه مفردًا، وأنه قول أكثر العلماء، وأنه الذي فهمه الأثرم من روايته، وأن الحديث شاذ، أو منسوخ)؛ لحديث عبد الله بن عمرو السابق، وفيه: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا»، لأنه يلزم منه صوم يوم السبت مفردًا، ولحديث أم سلمة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الْأَيَّامِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ» [أحمد ٢٦٧٥٠، والنسائي في الكبرى ٢٧٨٩].
- فرع: تزول كراهة صوم يوم السبت بأمرين:
أإن وافق يومًا يعتاد صومه، كما لو وافق يوم عرفة أو يوم عاشوراء، فلا يكره؛ لحديث عبد الله بن عمرو السابق، وفيه: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا»، ولأن العادة لها تأثير في ذلك.
ب إذا صام يومًا قبله أو يومًا بعده، فلا يكره؛ لحديث أبي هريرة السابق: «لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ، أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ».
٤ - (وَ) يكره صوم يوم (الشَّكِّ) تطوعًا، ولو صامه بنية رمضان احتياطًا؛ لقول عمار بن ياسر ﵄: «مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ» [أبو داود ٢٣٣٤، والترمذي ٦٨٦، والنسائي ٢١٨٦، وابن ماجه ١٦٤٥].
وقيل: يحرم؛ لحديث عمار السابق؛ لأن المعصية لا تكون إلا على أمرٍ محرَّم.
[ ١ / ٥٨٣ ]
- فرع: يوم الشك هو: يوم الثلاثين من شعبان إن لم يكن في السماء في مطلع الهلال علة من غيم أو قتر ونحوهما ولم ير الهلال، أو شهد به من رُدَّت شهادته لفسق ونحوه.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: أنه يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر؛ لأن الشك يكون إذا وُجد ما يمنع رؤية الهلال، وأما مع الصحو فلا شك.
- فرع: تزول كراهة صوم يوم الشك بثلاثة أمور:
أإذا وافق يومًا اعتاد على صيامه، كمن عادته صوم يوم الخميس والاثنين، فوافق يوم الشك أحدهما، فلا كراهة؛ لحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ» [البخاري ١٩١٤، ومسلم ١٠٨٢].
ب إذا وصل يوم الشك بصيام قبله، فلا كراهة؛ لحديث أبي هريرة السابق، فقد دل بمفهومه: أنه لو تقدم صومَ رمضان بأكثرَ من يومين ووصله بيوم الشك جاز.
ت إذا صام يوم الشك عن قضاء أو نذر أو كفارة؛ فلا كراهة؛ لأن صومه واجب إذًا.
[ ١ / ٥٨٤ ]
٥ - (وَ) يكره صيام (كُلِّ) يوم (عِيدٍ للكُفَّارِ)، وكل يوم يفردونه بالتعظيم؛ لما فيه من موافقة الكفار في تعظيمه، إلا إن وافق عادة، كأن يكون يوم خميس أو اثنين وعادته صومهما، أو يصومه عن قضاء رمضان، أو نذر ونحوه فلا كراهة.
وقال شيخ الإسلام: لا يجوز تخصيص صوم يوم أعيادهم؛ لتحريم التشبه بهم.
٦ - (وَ) يكره (تَقَدُّمُ رَمَضَانَ بِـ) صوم (يَوْمٍ أَوْ) بصوم (يَوْمَيْنِ، مَا لَمْ يُوَافِقْ عَادَةً)؛ لحديث أبي هريرة السابق: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ».
ولا يكره لأكثرَ من يومين؛ لظاهر الخبر، وأما حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ، فَلَا تَصُومُوا» [أحمد ٩٧٠٧، أبو داود ٢٣٣٧، والترمذي ٧٣٨، وابن ماجه ١٦٥١] فقد ضعفه أحمد وغيره.
ومال صاحب الفروع إلى تحريم تقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين؛ لظاهر النهي في الحديث السابق.
- فروع: تزول كراهة الصوم إذا وافق العادة (فِي الكُلِّ)، أي: في كل ما سبق، من إفراد الجمعة، والسبت، ويوم الشك، ويوم عيد الكفار، وتقدم رمضان بيوم أو يومين، وسبق بيانه.
[ ١ / ٥٨٥ ]
- مسألة: (وَحَرُمَ صَوْمُ):
١ - يومي (العِيدَيْنِ) بالإجماع، ولا يصح صيامهما (مُطْلَقًا)، أي: سواء صام فرضًا أو نفلًا؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْأَضْحَى، وَيَوْمِ الْفِطْرِ» [البخاري ١٩٩٣، ومسلم ١١٣٨]، والنهي يقتضي الفساد؛ لأنه يعود إلى ذات العبادة.
٢ - (وَ) حرم صوم (أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، ولا يصح فرضًا ولا نفلًا، لحديث نُبَيْشَة الهُذلي ﵁: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِله» [مسلم ١١٤١]، (إِلَّا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ)، فيصح صوم أيام التشريق لمن عَدِمَ الهدي؛ لقول ابن عمر وعائشة ﵃: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ» [البخاري ١٩٩٧].
- مسألة: (وَمَنْ دَخَلَ فِي فَرْضِ) كفاية؛ كصلاة الجنازة، أو دخل في فرضِ عينٍ (مُوَسَّعٍ) كقضاء رمضان قبل رمضان الثاني، والمكتوبة في أول وقتها؛ (حَرُمَ قَطْعُهُ بِلَا عُذْرٍ)، بغير خلاف، كفرض العين المضيق، ولأن الخروج من عهدة الواجب متعين، ودخلت التوسعة في وقته رفقًا ومَظِنَّةً للحاجة، فإذا شرع فيها تعينت المصلحة في إتمامه.
[ ١ / ٥٨٦ ]
- فرع: يجب قطع الفرض في أحوال، كما لو قطعه لردِّ معصوم عن هلكة، وإنقاذ غريق ونحوه؛ للضرورة.
- مسألة: (أَوْ) دخل في (نَفْلٍ) فأراد قطعه، لم يخل من ثلاثة أقسام:
١ - أن يكون النفل حجًّا أو عمرة: فيجب إتمامهما اتفاقًا؛ لقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) [البقرة: ١٩٦]، ولأن الوصول إليهما لا يحصل في الغالب إلا بعد كلفة عظيمة ومشقة شديدة وإنفاق مال كثير، ففي إبطالهما تضييع لماله وإبطال لأعماله الكثيرة.
٢ - أن يكون النفل قراءة أو أذكارًا أو صدقة بالمال: فيجوز قطعها إجماعًا.
٣ - أن يكون النفل (غَيْرَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ)، وغيرَ القراءة والأذكار والصدقة، كالصلاة والصوم والوضوء وغيرها: فلا يجب إتمامه؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» فقلنا: لا، قال: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ»، ثم أتانا يومًا آخر فقلنا: يا رسول الله، أُهدي لنا حيسٌ، فقال: «أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا» فأكل [مسلم ١١٥٤]، و(كُرِهَ) قطعه (بِلَا عُذْرٍ)؛ لما فيه من تفويت الأجر، واختاره شيخ الإسلام.
- فرع: إن أفسد التطوع فلا قضاء عليه، بل يستحب، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث عائشة ﵂ السابق، ولأن القضاء يتبع المقضي عنه، فإذا لم يكن واجبًا لم يكن القضاء واجبًا.
[ ١ / ٥٨٧ ]
وأما الاستحباب فلحديث أبي سعيد ﵁ قال: صنعت لرسول الله ﷺ طعامًا، فأتاني هو وأصحابه، فلما وضع الطعام قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ: «دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ وَتَكَلَّفَ لَكُمْ»، ثم قال له: «أَفْطِرْ، وَصُمْ مَكَانَهُ يَوْمًا إِنْ شِئْتَ» [البيهقي ٨٣٦٢]، (والله أَعْلَمُ).