الذمة لغة: العهد، والضمان، والأمان.
ومعنى عقد الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم، بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملة.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
- مسألة: (وَيَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ لِمَنْ) توفرت فيه أربعة شروط:
[ ٢ / ١٨١ ]
الشرط الأول: أن يعقدها الإمام أو نائبه؛ لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة، ولأنه عقد مؤبد، فلا يجوز أن يفتات به على الإمام.
الشرط الثاني: أن يكون عقدها مع من (لَهُ كِتَابٌ)، وهم اليهود والنصارى على اختلاف طوائفهم، ومن تبعهم فتدَيَّن بأحد الدِّينَيْن كالسَامِرَة: وهم قبيلة من بني إسرائيل نسب إليهم السامري، والفرنج: وهم الروم، إجماعًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ولقول المغيرة بن شعبة ﵁: «أَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا ﷺ أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا الله وَحْدَهُ، أَوْ تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ» [البخاري ٣١٥٩]، (أَوْ) له (شُبْهَتُهُ) أي: شبهة كتاب، كالمجوس؛ لأَنَّ «عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ شَهِد أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرٍ» [البخاري ٣١٥٦]، ولأنه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع، فصار لهم بذلك شبهة.
وأما من عداهم فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل؛ لحديث ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله» [البخاري ٢٥، ومسلم ٢٢]، وخص منه أهل الكتاب ومن ألحق بهم؛ لما تقدم، وبقي من عداهم على الأصل.
واختار شيخ الإسلام: أنها تعقد مع جميع الكفار؛ لحديث أنس ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ، فَأُخِذَ، فَأَتَوْهُ بِهِ، فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ» [أبو داود ٣٠٣٧، وحسنه الألباني]، وأُكَيدر كان
[ ٢ / ١٨٢ ]
من مشركي العرب، ولأن المجوس عُبَّاد للنار، ومع ذلك أخذت منهم، ودعوى أن لهم كتابًا فرفع لم تثبت.
الشرط الثالث: بذل الجزية؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
- فرع: الجزية: مال يؤخذ منهم على وجه الصغار كل عام، بدلًا عن قتلهم وإقامتهم بدارنا.
الشرط الرابع: التزام أحكام الإسلام، وهو قبول ما يحكم به عليهم، من أداء حق أو ترك محرم، ويأتي الكلام عليه قريبًا.
- مسألة: (وَيُقَاتَل هَؤُلَاءِ) أي: أهل الكتاب ومن له شبهة كتاب (حَتَّى يُسْلِمُوا، أَوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ)؛ للآية السابقة، (وَ) يقاتل (غَيْرُهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُقْتَلُوا)، ولا تؤخذ الجزية منهم، وسبق بيانه.
- فرع: (وَتُؤْخَذُ) الجزية (مِنْهُمْ) حال كونهم (مُمْتَهَنِينَ) عند أخذها، (مُصَغَّرِينَ)، بأن يطال وقوفهم، فتؤخذ منهم وهم قيام والآخذ جالس، وتُجَرُّ أيديهم وجوبًا؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ولا يقبل إرسالها مع رسول؛ لزوال الصغار.
[ ٢ / ١٨٣ ]
- مسألة: (وَلَا تُؤْخَذُ) الجزية إلا مـ (ـمَّنْ) توفرت في خمسة شروط:
١ - أن يكون بالغًا: فلا جزية على (صَبِيٍّ) إجماعًا؛ لحديث معاذ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ» [أحمد ٢٢٠٣٧، وأبو داود ٥٧٦، والنسائي ٢٤٥٠]، ولأن عمر ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد: «أَلَّا يَضْرِبُوا الْجِزْيَةَ عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا عَلَى الصِّبْيَانِ، وَأَنْ يَضْرِبُوا الْجِزْيَةَ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى مِنَ الرِّجَالِ، وَأَنْ يُخْتَمُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، وَيَجُزُّوا نَوَاصِيَهُمْ مَنِ اتَّخَذَ مِنْهُمْ شَعْرًا، وَيُلْزِمُوهُمُ الْمَنَاطِقَ، وَيَمْنَعُوهُمُ الرُّكُوبَ إِلَّا عَلَى الْأَكُفِّ عَرْضًا» [مصنف عبد الرزاق ١٠٠٩٠].
٢ - (وَ) أن يكون حرًّا: فلا جزية على (عَبْدٍ) إجماعًا؛ قال أحمد: (العبد ليس عليه صدقة، لنصرانيٍّ كان أو لمسلم، كما قال ابن عمر ﵄)، ولأنه مال، فلم تجب عليه كسائر الحيوانات.
٣ - (وَ) أن يكون ذكرًا: فلا جزية على (امْرَأَةٍ) إجماعًا؛ لأثر عمر السابق، ولا على خنثى مشكل؛ لأنه لا يعلم كونه ذكرًا.
٤ - (وَ) أن يكون غنيًا: فلا جزية على (فَقِيرٍ عَاجِزٍ عَنْهَا)؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فإن كان الفقير غير عاجز عنها كالمعتمل؛ وجبت عليه الجزية؛ لوروده عن عمر ﵁ [الأموال لأبي عبيد ١٠٤، وهو مرسل].
٥ - أن يكون من أهل القتال: فلا جزية على مجنون، ولا زَمِن، ولا
[ ٢ / ١٨٤ ]
أعمى، ولا شيخ فان، (وَنَحْوِهِمْ)؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بالله وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩]، فدل على أن الجزية تؤخذ ممن كان من أهل القتال دون غيرهم، وقياسًا على النساء والصبيان.
- فرع: الرهبان على أقسام:
١ - الراهب الذي يعاون أهل دينه بيده ولسانه، مثل أن يكون له رأي يرجعون إليه في القتال أو نوع من التحضيض، قال شيخ الإسلام: (فهذا يقتل باتفاق العلماء، إذا قُدِر عليه، وتؤخذ منه الجزية).
٢ - (الرهبان الذين يخالطون الناس، ويتخذون المتاجر والمزارع، فحكمهم كسائر النصارى، تؤخذ منهم الجزية باتفاق المسلمين) قاله شيخ الإسلام.
٣ - الراهب بصومعته، الذي حبس نفسه وتخلى عن الناس في دينهم ودنياهم، فلا تؤخذ منه الجزية؛ لقول أبي بكر ﵁: «إِنَّكَ سَتَجِدُ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَّسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلهِ فَذَرْهُمْ وَمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَّسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ، وَسَتَجِدُ قَوْمًا فَحَصُوا عَنْ أَوْسَاطِ رُؤُوسِهِمْ مِنَ الشَّعَرِ، فَاضْرِبْ مَا فَحَصُوا عَنْهُ بِالسَّيْفِ» [الموطأ ٢/ ٤٤٧]، ولأنهم ليسوا من أهل القتال، فلم تجب عليهم الجزية؛ كالنساء والصبيان.
واختار شيخ الإسلام: أنه تؤخذ منهم الجزية؛ لعموم أدلة أخذ الجزية.
[ ٢ / ١٨٥ ]
- فرع: مقدار الجزية والخراج يُرجع فيه إلى اجتهاد الإمام؛ لأنها وجبت صغارًا أو عقوبة، فاختلفت باختلافهم.
- فرع: تؤخذ الجزية كل سنة هلالية مرة بعد انقضائها؛ لأنها مال يتكرر بتكرر الحول، فلم يؤخذ قبله؛ كالزكاة.
- فرع: متى بذلوا الجزية لزم قبولها ودفع من قصدهم بأذى في دارنا، وحرم قتالهم وأخذ مالهم؛ لأن الله ﷿ جعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم.
فصل