- مسألة: بلع الريق للصائم على قسمين:
١ - أن يبتلع الصائم ريقه على جاري العادة: فيجوز بغير خلاف؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، كغبار الطريق.
٢ - أن يجمع الصائم ريقه فيبتلعه قصدًا: وأشار إليه المؤلف بقوله:
[ ١ / ٥٦٢ ]
(وَكُرِهَ أَنْ يَجْمَعَ) الصائم (رِيقَهُ فَيَبْتَلِعَهُ)؛ خروجًا من خلاف من قال بفطره، ولا يفطر بذلك؛ لأنه إذا لم يجمعه وابتلعه قصدًا لا يفطر إجماعًا، فكذا إن جمعه ثم بلعه قصدًا، ولأنه يصل إلى جوفه من معدنه، أشبه ما لو لم يجمعه.
واختار ابن عثيمين: أنه لا يكره جمع الريق وبلعه؛ لعدم الدليل على الكراهة.
- مسألة: (وَذَوْقُ طَعَامٍ) للصائم لا يخلو من حالين، واختاره شيخ الإسلام:
١ - أن يكون لحاجة: فيجوز؛ لقول ابن عباس ﵄: «لا بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ القِدْرَ أَوِ الشَّيْءَ» [البخاري معلقًا مجزومًا ٣/ ٣٠، ووصله ابن أبي شيبة: ٩٢٧٨].
٢ - أن يكون بلا حاجة: فيكره؛ لأنه لا يأمن أن يصل إلى حلقه فيفطره.
- مسألة: (وَمَضْغُ عِلْكٍ) للصائم لا يخلو من حالين:
١ - أن يكون العلك قويًّا (لَا يَتَحَلَّلُ)، وهو الذي كلما مضغته صلُب وقوي: فيكره؛ لأنه يجلب البلغم، ويجمع الريق، ويورث العطش.
٢ - أن يتحلل من العلك أجزاء: فيحرم إجماعًا؛ سواء ابتلع ريقه أو لا؛ إقامة للمظنة مقام المئنة.
قال ابن قدامة: (إلا ألا يبتلع ريقه؛ لأن المحرم إيصال ذلك إلى الجوف ولم يوجد).
[ ١ / ٥٦٣ ]
- فرع: (وَإِنْ وَجَدَ) الصائم (طَعْمَهُمَا فِي حَلْقِهِ) أي: طعم الطعام الذي تذوقه والعلك، (أَفْطَرَ)؛ لأنه أوصله إلى جوفه.
وعلى القول الثاني: مناط الفطر وصولهما إلى المعدة، لا إلى الحلق.
- مسألة: (وَالقُبْلَةُ وَنَحْوُهَا) من دواعي الوطء للصائم لا تخلو من ثلاثة أحوال:
١ - تكره: إن كانت (مِمَّنْ تُحَرِّكُ) القُبْلة (شَهْوَتَهُ) ولم يظن الإنزال؛ لأنه لا يأمن إفضاءها إلى فساد صومه، ولما يأتي من التفريق بين الشيخ والشاب، ولا تحرم؛ لحديث عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ» [مسلم: ١١٠٦].
واختار ابن عثيمين: أنه لا تكره؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ» [البخاري: ١٩٢٧، ومسلم: ١١٠٦].
٢ - تباح: إن كانت ممن لا تحرك القبلة شهوته؛ لحديث أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ، فَرَخَّصَ لَهُ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ، فَنَهَاهُ، فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ، وَالَّذِي نَهَاهُ شَابٌّ» [أبو داود: ٢٣٨٧]، وعن ابن عباس ﵄ قال: «رُخِّصَ لِلْكَبِيرِ الصَّائِمِ فِي الْمُبَاشَرَةِ، وَكُرِهَ لِلشَّابِّ» [ابن ماجه: ١٦٨٨]، ولأنها مباشرة لغير شهوة، أشبهت لمس اليد لحاجة.
[ ١ / ٥٦٤ ]
٣ - (وَتَحْرُمُ) القبلة ونحوها على الصائم (إِنْ ظَنَّ) أو غلب على ظنه (إِنْزَالًا) مفسدًا للصوم، قال المجد: (بغير خلاف)؛ ولأنه يغلب على ظنه إفساد صومه، فحرمت.
- فرع: إن لم يخرج منه شيء بسبب القبلة لم يفسد صومه إجماعًا، وإن خرج مني أو مذي، فعلى ما تقدم.
- فرع: (وَ) يحرم عليه (مَضْغُ عِلْكٍ يَتَحَلَّلُ)، وتقدم.
- مسألة: (وَ) يحرم على المسلم في الجملة (كَذِبٌ)، وهو الإخبار بما يخالف الواقع، (وَ) تحرم عليه (غِيبَةٌ)، وهي ذكر المسلم أخاه بما يكره، (وَ) تحرم عليه (نَمِيمَةٌ)، وهي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد، (وَ) يحرم عليه (شَتْمٌ)، وهو السب والكلام القبيح، (وَ) يحرم عليه (نَحْوُهُ) من المحرمات القولية والفعلية، وتحرم (بِتَأَكُّدٍ) إن كان صائمًا؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [البخاري: ١٩٠٣]، قال أحمد: (ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه، وكانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا ولا نغتاب أحدًا).
- فرع: لا يفطر لو فعل شيئًا من هذه المحرمات اتفاقًا؛ لعدم الدليل على الفطر بها، ولكن قد يكثر المحرَّم فيزيد على أجر الصوم، وقد يقل،
[ ١ / ٥٦٥ ]
وقد يتساويان، قال شيخ الإسلام: (هذا مما لا نزاع فيه بين الأئمة).
- مسألة: (وَسُنَّ) للصائم أمور:
١ - (تَعْجِيلُ فِطْرٍ) إذا تحقق غروب الشمس إجماعًا؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ مرفوعًا: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ» [البخاري: ١٩٥٧، ومسلم: ١٠٩٨].
وله الفطر بغلبة الظن؛ لحديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ» [البخاري: ١٩٥٩].
٢ - (وَ) سن له (تَأْخِيرُ سُحُورٍ) اتفاقًا؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁ قال: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ»، فقيل له: كم كان بيْن الأذان والسُّحور؟ قال: «قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» [البخاري: ١٩٢١، ومسلم: ١٠٩٧]، ولأنه أقوى على الصوم.
٣ - (وَ) سن له (قَوْلُ مَا وَرَدَ عِنْدَ فِطْرٍ)، ومنه ما ورد عن ابن عمر ﵄: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ الله» [أبو داود: ٢٣٧٥].
- مسألة: في أحكام القضاء:
١ - (وَ) سن لمن عليه قضاء من رمضان (تُتَابُعُ القَضَاءِ)؛ لأن القضاء
[ ١ / ٥٦٦ ]
يحكي الأداء، ولقول ابن عمر ﵄: «صُمْهُ كَمَا أَفْطَرْتَ» [الدارقطني: ٢٣٢٠]، ولا يجب؛ للإطلاق في قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، فلم يقيدها بالتتابع، ولما صح عن ابن عباس، وأبي هريرة ﵃ قالا في رمضان: «فَرِّقْهُ إذَا أَحْصَيْتَهُ» [عبد الرزاق: ٧٦٦٤]، ونحوه عن أبي عبيدة ورافع بن خديج ﵄ [الدارقطني: ٢٣١٨، ٢٣٢٢].
٢ - وسن أن يكون التتابع (فَوْرًا)؛ لأنه أسرع في إبراء ذمته، ولا يجب كونه على الفور؛ للإطلاق في الآية، ولحديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ» [البخاري: ١٩٥٠، ومسلم: ١١٤٦].
- مسألة: إن أخَّر قضاء رمضانَ حتى دخل رمضانٌ آخر فلا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: إن كان التأخير لعذر، نحو سفر ومرض: جاز؛ لأنه إذا جاز أن يفطر بهذه الأعذار في رمضان وهو أداء، فجواز الإفطار في أيام القضاء من باب أولى.
ولا كفارة عليه؛ لعدم الدليل على وجوبها إذًا.
الحالة الثانية: إن كان التأخير لغير عذر: فيحرم، وأشار المصنف إليه بقوله: (وَحَرُمَ) على من عليه قضاء رمضان (تَأْخِيرُهُ) أي: القضاء (إِلَى)
[ ١ / ٥٦٧ ]
دخول رمضانٍ (آخَرَ بِلَا عُذْرٍ)؛ لحديث عائشة السابق، ولو كان جائزًا لفعلته، وقياسًا على الصلاة، حيث لا يجوز تأخيرها حتى يدخل وقت صلاة أخرى بلا عذر يبيح الجمع.
- فرع: (فَإِنْ فَعَلَ): بأن أخر القضاء لغير عذر حتى دخل رمضانٌ آخر؛ (وَجَبَ) عليه (مَعَ القَضَاءِ: إِطْعَامُ مِسْكِينٍ) ما يجزئ في الكفارة، (عَنْ كُلِّ يَوْمٍ)، ولو أخره عدة رمضانات؛ أما القضاء؛ فلأنه دين في ذمته لم يقضه، فلزمه قضاؤه، وأما الإطعام: فلما ورد عن ابن عباس ﵄ في رجل أدركه رمضان وعليه رمضان آخر، قال: «يَصُومُ هذَا، وَيُطْعِم عَنْ ذَاك كلَّ يومٍ مسكينًا، ويَقْضِيه» [الدارقطني: ٢٣٤٧، والبيهقي: ٨٢١١]، ونحوه عن أبي هريرة ﵁ [الدارقطني وصححه: ٢٣٤٣، والبيهقي: ٨٢١١]، وجبرًا لما أخل به من تفويت الوقت المحدد، ويجب إطعامٌ واحد ولو أخره عدة رمضانات؛ لأنه بإخراج كفارة واحدة زال تفريطه.
واختار ابن عثيمين، ووجَّهه في الفروع احتمالًا: أنه لا يجب عليه إلا القضاء؛ لظاهر القرآن في قوله تعالى: (فعدة من أيام أخر)، فإن الله تعالى لم يوجب إلا عدة من أيام أخر، ولم يوجب أكثر من ذلك، وورد عن ابن مسعود ﵁ القضاء، ولم يذكر إطعامًا [المحلى ٤/ ٤٠٨].
[ ١ / ٥٦٨ ]
- فرع: (وَإِنْ مَاتَ) من عليه قضاء رمضان ولم يقضه، لم يخل من أمرين:
١ - أن يكون فطره بسبب مرض لا يرجى برؤه: فيجب عليه الإطعام ابتداء، وتقدم.
٢ - أن يكون فطره بسبب عذر يرجى زواله: فلا يخلو من أمرين:
أ) أن يكون معذورًا بحيث لم يتمكن من القضاء حتى مات: فلا شيء عليه؛ لأن الواجب عليه القضاء، ولم يتمكن منه، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إِذا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧].
ب) أن يكون غير معذور، وهو: (المُفَرِّطُ) الذي ترك القضاء مع إمكانه، (وَلَوْ) كان تركه القضاء (قَبْلَ) دخول رمضان (آخَرَ: أُطْعِمَ عَنْهُ) عن كل يوم مسكين؛ لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ» [الترمذي: ٧١٨، وابن ماجه: ١٧٥٧، وقال الترمذي: والصحيح عن ابن عمر موقوفٌ قولُه]، وصح الإطعام عن عائشة ﵂ أيضًا. [شرح مشكل الآثار للطحاوي ٦/ ١٧٨]، (كَذَلِكَ) أي: كالذي فرط حتى دخل عليه رمضان آخر، فعليه إطعام واحد لا أكثر؛ لما تقدم.
- فرع: يكون الإطعام (مِنْ رَأْسِ مَالِهِ) أي: مال الميت، سواء أوصى
[ ١ / ٥٦٩ ]
به أو لا؛ قياسًا على سائر الديون، (وَلَا يُصَامُ) عنه قضاء رمضان؛ لما يأتي.
- فرع: إذا مات الإنسان وكان عليه شيء من الواجبات، كالصلاة والصيام والحج وغيرها، فلا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون معذورًا، بحيث يموت قبل التمكن من أداء الواجب: فلا يقضى، سواء كان واجبًا بأصل الشرع أو بالنذر؛ لأنه معذور، إلا:
١ - الحج والعمرة، فإنه يفعل عنه مطلقًا، تمكن منه أو لا، لجواز النيابة فيه حال الحياة، فبعد الموت أولى.
٢ - الحقوق المالية، فإنها تقضى عنه؛ لأنها متعلقة بحق الغير.
الثاني: ألا يكون معذورًا، بحيث يتمكن من أداء الواجب، ثم لم يفعله حتى مات، فعلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: العبادات المالية، ولا تخلو من أن تكون:
١ - ديونًا لله من زكاة وكفارات ونذور: فيصح أداؤها عنه، وتبرأ بها ذمته؛ لعموم حديث ابن عباس ﵄: «اقْضُوا الله، فَالله أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» [البخاري: ١٨٥٢].
٢ - ديونًا للآدميين: فيصح أداؤها عنه وتبرأ بها ذمته؛ لحديث سلمة بن الأكوع ﵁: أن النبي ﷺ أُتي بجنازة فقال: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟»، قالوا: نعم، قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، قال أبو قتادة: عليَّ دينه يا رسول الله، فصلى عليه. [البخاري: ٢٢٩٥].
[ ١ / ٥٧٠ ]
القسم الثاني: العبادات المركبة، وهي الحج والعمرة: فيصح فعلها عنه مطلقًا، سواء كانت واجبة بأصل الشرع أو بالنذر، وسواء كان مفرطًا أو غير مفرط؛ أما دليل قضاء ما وجب بأصل الشرع؛ فحديث ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع، قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: «نَعَمْ» [البخاري: ١٨٥٤، ومسلم: ١٣٣٤]، وأما قضاء ما وجب بالنذر؛ فلحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة من جهينة، جاءت إلى النبي ﷺ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا الله فالله أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» [البخاري: ١٨٥٢].
القسم الثالث: العبادات البدنية المحضة، وهي:
١ - الصلاة: ووجوبها لا يخلو من أمرين:
أ) إن كان الوجوب بأصل الشرع: فلا يصح قضاؤها عنه إجماعًا؛ لما صح عن ابن عباس ﵄: «لَا يُصَلِّي أحدٌ عَنْ أَحَدٍ، ولَا يَصُومُ أَحَدٌ عَن أَحَدٍ» [السنن الكبرى للنسائي: ٢٩٣٠، وصحح إسناده الحافظ]، ولأنها لا تدخلها النيابة في الحياة، فكذا بعد الموت.
ب) إن كان الوجوب بالنذر: فيصح قضاؤها عنه؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن سعد بن عبادة الأنصاري ﵁، استفتى النبي ﷺ في نذر كان على
[ ١ / ٥٧١ ]
أمه، فتوفيت قبل أن تقضيه، «فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا»، فكانت سُنّة بعد. [البخاري: ٦٦٩٨]، وأمر ابنُ عمر ﵄ امرأةً جعلت أمُّها على نفسها صلاةً بقباء، فقال: «صَلِّي عَنْهَا» [البخاري معلقًا بصيغة الجزم ٨/ ١٤٢]، وعن ابن عباس ﵄ نحوه. [البخاري معلقًا بصيغة الجزم ٨/ ١٤٢، ووصله مالك: ١٧١١].
٢ - الصيام: ووجوبه لا يخلو من أمرين:
أ) إن كان الوجوب بأصل الشرع كصوم رمضان والكفارة: فلا يصح الصوم عنه، وهو اختيار ابن القيم؛ لما تقدم في الصلاة الواجبة بأصل الشرع، بل يطعم عنه؛ لما سبق.
وأما حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» [البخاري: ١٩٥٢، ومسلم: ١١٤٧]، فيحمل على النذر جمعًا بينه وبين الآثار الواردة عن الصحابة، فقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «إِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَصُمْ أُطْعِمَ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ قَضَى عَنْهُ وَلِيُّهُ» [أبو داود: ٢٤٠١]، وصح عن عائشة ﵂: أن امرأة قالت لها: إن أمي توفيت وعليها رمضان، أيصلح أن أقضي عنها؟ فقالت: «لَا، وَلَكِنْ تَصَدَّقِي عَنْهَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ عَلَى مِسْكِينٍ، خَيْرٌ مِنْ صِيَامِكِ عَنْهَا» [شرح مشكل الآثار للطحاوي ٦/ ١٧٨]، وكما أنه لا يصلي عنه ما وجب بأصل الشرع، فلا يصوم عنه ما وجب بأصل الشرع.
ولا يصح قياس ما وجب بأصل الشرع على ما وجب بالنذر؛ لأن الواجب بالنذر أخف من الواجب بأصل الشرع.
[ ١ / ٥٧٢ ]
ب) إن كان الوجوب بالنذر: فيصح الصوم عنه، واختاره ابن القيم؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنْهَا؟» قالت: نعم، قال: «فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ» [البخاري: ١٩٥٣، ومسلم: ١١٤٨]، ولما تقدم من آثار الصحابة، ولأن النذر التزام في الذمة بمنزلة الدَّين، فيقبل قضاء الولي له كما يقضي دينه.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: يصح قضاء الصيام عن الميت مطلقًا، سواء كان واجبًا بأصل الشرع أو واجبًا بالنذر؛ لأن الصيام أقرب إلى المماثلة من الإطعام، ولعموم حديث عائشة ﵂: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»، وقوله: «صِيَامٌ» نكرة غير مقيدة بصوم معين، وحَمْلُ الحديث على النذر حمل له على ما هو نادر، والأدلة إنما تحمل على الغالب، ولا يخصص حديث ابن عباس، وهو قولها: «وعليها صوم نذر»؛ لأنه ذكر لبعض أفراد العام، وذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق حكم العام لا يقتضي التخصيص.
٣ - الاعتكاف: ولا يكون واجبًا إلا بالنذر، فيصح قضاؤه عن الميت؛ لعموم حديث ابن عباسٍ السابق في قصة سعد بن عبادة ﵁، ولما صح عن ابن عباس ﵄: أن امرأة نذرت أن تعتكف عشرة أيام، فماتت فلم تعتكف، فقال ابن عباس لابنها: «اعْتَكِفْ عَنْ أُمِّكَ» [ابن أبي شيبة: ١٢٥٦٠].
[ ١ / ٥٧٣ ]
٤ - الطواف: ولا يكون واجبًا بانفراده عن حج وعمرة إلا بالنذر، فيصح قضاؤه عنه؛ لعموم حديث ابن عباس في قصة سعد بن عبادة، وقياسًا على ما تقدم من العبادات البدنية المنذورة.
٥ - باقي العبادات المنذورة كالطهارة والذكر ونحوها - وهي لا تجب إلا بالنذر -: قال في الإنصاف: (ظاهر كلام المصنف - يعني: ابن قدامة -: أنه لا يفعل غير ما ذكر من الطاعات المنذورة عن الميت، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب)، وهو ظاهر ما في الإقناع والمنتهى.
واختار الخرقي وغيره: أنه يفعل عنه كل ما كان من نذر طاعة؛ لقصة سعد بن عبادة ﵁.
- فرع: قاعدة المذهب فيما يصح قضاؤه عن الميت وما لا يصح: أن الواجب لا يخلو من أمرين:
١ - إن كان واجبًا على الميت بأصل الشرع: فلا يصح قضاء ذلك عنه، إلا في أمرين:
أ) الحقوق المالية.
ب) الحج والعمرة.
٢ - (وَإِنْ كَانَ) واجبًا (عَلَى المَيِّتِ) بـ (ـنَذْرٍ، مِنْ حَجٍّ، أَوْ صَوْمٍ، أَوْ صَلَاةٍ، ونَحْوِهَا) كاعتكاف وطواف: فإن تمكن الناذر من الفعل فإنه يقضى
[ ١ / ٥٧٤ ]
عنه، وإن لم يتمكن من الفعل قبل الموت فلا يقضى عنه؛ لعدم وجوبه على الناذر، إلا الحج والعمرة والحقوق المالية كما تقدم، فيجب قضاؤها ولو لم يتمكن من أدائها. (١)
- فرع: اختار ابن القيم: أن المفرط في عبادة من العبادات من غير عذر لا ينفعه أداء غيره عنه، سواء كان ذلك صيامًا أو حجًّا أو زكاةً؛ كما أنها لا تنفع توبة أحد عن أحد، ولا إسلامه عنه؛ لأن العبادة مأمور بها ذلك الميت ابتلاء وامتحانًا دون الولي.
- فرع: القضاء عن الميت - فيما يصح فيه القضاء - لا يخلو من حالين:
١ - ألا يكون للميت تركة: فـ (سُنَّ لِوَلِيِّهِ قَضَاؤُهُ)؛ لتبرأ ذمة الميت؛ كقضاء دينه؛ لأنه ﷺ شبَّهه بالدَّين كما في حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا الله فَالله أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» [البخاري: ١٨٥٢، ومسلم: ١١٤٨]، ولا يجب القضاء عنه؛ لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) [الأنعام: ١٦٤].
٢ - (وَ) إن كان (مَعَ) الولي (تَرِكَةٌ) للميت: فـ (يَجِبُ) على الولي أن
_________________
(١) كذا في الإقناع والمنتهى، وفي الإنصاف [٣/ ٣٤١]: (هذه الأحكام كلها -وهو القضاء- إذا كان الناذر قد تمكن من الأداء، فأما إذا لم يتمكن من الأداء، فالصحيح من المذهب: أنه كذلك، فلا يشترط التمكن، وقيل: يشترط).
[ ١ / ٥٧٥ ]
يقضي عنه ما وجب عليه؛ لأنه في حكم الدَّين على الميت.
- فرع: (لَا) يجب (مُبَاشَرَةُ وَلِيٍّ) القضاءَ، بل يستحب؛ لأنه أحوط لبراءة الميت، فإن دفع إلى من يفعله عنه، أو فعله غيره عنه تبرعًا؛ جاز؛ لأن النبي ﷺ شبهه بالدَّين، والدَّين يصح قضاؤه من الأجنبي.
- فرع: الولي هو الوارث؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» [البخاري: ٦٧٣٢، ومسلم: ١٦١٥].
(فَصْلٌ)