- مسألة: (وَ) يحرم و(لَا يَصِحُّ بِلَا حَاجَةٍ بَيْعٌ وَلَا شِرَاءٌ) قليلًا كان أو كثيرًا (مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الجُمُعَةُ) بنفسه، أو بغيره، على ما تقدم في فصل صلاة الجمعة، (بَعْدَ نِدَائِهَا الثَّانِي) أي: الذي يعقب جلوس الإمام على المنبر؛ لأنه الذي كان على عهد رسول الله ﷺ، فاختص به الحكم، حتى لو وُجد الإيجاب قبل النداء والقبول بعده؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، والنهي يقتضي الفساد، ولأنه يشغل عن الصلاة، ويكون ذريعة إلى فواتها أو فوات بعضها فلم ينعقد.
ويستمر التحريم إلى انقضاء صلاة الجمعة ممن وجبت عليه؛ لقوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ).
- فرع: يصح البيع والشراء بعد النداء الثاني إذا كان لضرورة أو حاجة؛ كمضطر إلى طعام أو شراب ونحوهما إذا وجد ذلك يباع، أو كعُرْيان وجد سترة تباع، وكذا شراء كفن ميت ومؤنة تجهيزه إذا خيف عليه الفساد بالتأخير.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
- فرع: (وَتَصِحُّ سَائِرُ العُقُودِ) غير البيع، من النكاح، والإجارة، والصلح، والقرض، والرهن، والضمان ونحوها؛ لأن النهي ورد في البيع وحده، وغيره لا يساويه؛ لقلة وقوعه، فلا تكون إباحته ذريعة لفوات الجمعة.
وفي وجه واختاره ابن عثيمين: لا يصح البيع ولا غيره من العقود؛ لأنه عقد معاوضة يشغل عن الجمعة أشبه البيع، والآية نزلت بسبب خروج الصحابة لعير الشام يتبايعون [البخاري ٩٣٦، ومسلم ٨٦٣] وما كان لسبب لا يقتضي التخصيص بالاتفاق.
وقال ابن عثيمين: وقد يقال إن عقود التبرعات كالهبة لا تضر؛ لأنها لا تُلهي ولا تشغل، بخلاف ما يحتاج إلى معالجة كالبيع ونحوه.
- مسألة: (وَلَا) يصح (بَيْعُ عَصِيرٍ، أَوْ) بيع (عِنَبٍ لِمُتَّخِذِهِ خَمْرًا) ولو كان بيع ذلك لذمي يتخذه خمرًا؛ لأنهم مخاطبون بفروع الشريعة، (وَلَا) يصح بيع (سِلَاحٍ فِي فِتْنَةٍ) بين المسلمين أو لأهل حرب أو قطاع طريق، إذا علم البائع ذلك من مشتريه ولو بقرائن؛ لقوله تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) [المائدة: ٢]، ولأن القصود في العقود معتبرة، وتؤثر في صحة العقد وفساده.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
واختار شيخ الإسلام: يحرم إذا علم ذلك أو ظنه؛ لأن الظن معتبر في الشريعة لأدلة كثيرة، منها حديث عائشة في صفة غسل النبي ﷺ قالت: «حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» [البخاري ٢٧٢].
- مسألة: بيع عبد مسلم لكافر: لا يخلو من أمرين:
١ - إن كان يَعْتِقُ عليه بالشراء -وهو كل ذي رحم محرم-: صح البيع؛ لأن ملكه لا يستقر عليه، ولأنه وسيلة إلى تحصيل حرية المسلم إذ أنه يَعْتِقُ بالحال.
٢ - إن كان لا يَعْتِقُ عليه بالشراء: وأشار إليه بقوله: (وَلَا) يصح بيع (عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ)؛ لأنه يُمْنع من استدامة ملكه عليه؛ لما فيه من الصغار، فمنع من ابتدائه قياسًا على تحريم نكاح الكافر مسلمة، ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى.
- مسألة: (وَحَرُمَ) إجماعًا، (وَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) المسلم زمن الخيارين، أي: خيار المجلس وخيار الشرط، بأن يقول شخص لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك خيرًا منها بثمنها، أو أعطيك مثلها بتسعة، أو يعرض عليه سلعة يرغب فيها المشتري ليفسخ البيع ويعقد معه، فلا يصح البيع؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» [البخاري ٢١٣٩، ومسلم ١٤١٢]، والنهي يقتضي الفساد.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
(وَ) يحرم ولا يصح (شِرَاؤُهُ عَلَى شِرَائِهِ) أي: على شراء أخيه زمن الخيارين، بأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة، ليفسخ البيع ويعقد معه؛ قياسًا على البيع، ولأن الشراء يسمى بيعًا فيدخل في عموم النهي.
واختار شيخ الإسلام: يحرم الشراء على شراء أخيه، فإن فعل كان موقوفًا على إجازة المشتري الأول، وأن له مطالبة البائع بالسلعة وأخذ الزيادة، أو عوضها؛ لأنه محرم لحق الأدمي، لا لحق الله، فيرجع فيه إلى رضاه واختياره؛ كبيع المصرَّاة.
- فرع: لو باع على بيع أخيه أو شرى على شرائه بعد مضي الخيار ولزوم البيع؛ لم يحرم؛ لعدم تمكن المشتري من الفسخ إذن.
وعنه واختاره شيخ الاسلام: يشمل زمن الخيارين وبعده؛ لعموم النهي، ولأن المشتري وإن لم يتمكن من الفسخ بنفسه بعد انقضاء مدة الخيار فإنه إذا رغب في رد السلعة الأولى على بائعها، فإنه قد يتسبب إلى ردها عليه بأنواع من الطرق المقتضية لضرره، ولو بإلحاحٍ عليه في المسألة، وما أدى إلى ضرر المسلم، كان محرمًا.
- مسألة: السوم على سوم أخيه لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون في بيع المزايدة: وهو أن يُطْلَق النداء على سلعة، ويُطْلب الزيادة عليها، فهذا جائز اتفاقًا؛ لحديث أنس: أن النبي
[ ٢ / ٢٠٩ ]
ﷺ باع حِلْسًا وقَدَحًا وقال: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الحِلْسَ وَالقَدَحَ»، فقال رجل: أخذتهما بدرهم، فقال النبي ﷺ: «مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ، مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟»، فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه. [أحمد ١٢١٣٤، وأبو داود ١٦٤١ والترمذي ١٢١٨، وابن ماجه ٢١٩٨، وحسنه الترمذي]، وعن حِزَام بن هشام الخزاعي عن أبيه قال: «شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ بَاعَ إِبِلًا مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فِيمَنْ يَزِيدُ» [مصنف ابن أبي شيبة ٢٠٢٠١]، وما زال المسلمون يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة.
الأمر الثاني: أن يكون في غير بيع المزايدة، وهذا لا يخلو من أحوال:
١ - أن يرضى بالسوم رضًا صريحًا: وأشار إليه بقوله: (وَحَرُمَ سَوْمُهُ عَلَى سَوْمِهِ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لَا يَسُمِ المُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ» [مسلم ١٤١٣].
٢ - أن يرضى بالسوم رضًا ظاهرًا: فلا يحرم؛ لعدم وجود التصريح.
وقيل: يحرم؛ كرضاه صريحًا، قال الموفق: (لو قيل بالتحريم هنا لكان وجهًا حسنًا).
وقال شيخ الإسلام: (وأما استيامه على سوم أخيه فكخطبته على خطبة أخيه، يُفرَّق فيه بين الركون وعدمه، ولهذا جاز بيع المزايدة لأن البائع طلب المزايدة فلم يركن بل رده).
[ ٢ / ٢١٠ ]
٣ - أن يتساوى الأمران أو يظهر عدم الرضا: فلا يحرم.
- فرع: يصح البيع مع سومه على سوم أخيه؛ لأن النهي إنما ورد عن السوم، وهو خارج عن البيع.
- فرع: قال شيخ الإسلام: (استئجاره على استئجار أخيه، واقتراضه على اقتراض أخيه، واتهابه على اتهاب أخيه، مثل شرائه على شراء أخيه، وكذا اقتراضه في الديوان وطلبه العمل في الولايات ونحو ذلك).
(فَصْلٌ)