البيع في اللغة: أخذ شيء وإعطاء شيء، مأخوذ من الباع؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتبايعين يمدُّ باعه للأخذ والإعطاء.
وشرعًا: مبادلة مال -ولو في الذمة- أو منفعةٍ مباحةٍ مطلقًا -بأن لا تختص إباحتها بحال دون حال-، كممرٍّ في دار، بمثل أحدهما، على التأبيد - يخرج الإجارة-، غير ربًا وقرض.
فلا يسمى الربا والقرض بيعًا وإن وجدت فيهما المبادلة؛ لأنَّ الله جعل الربا قسيمًا للبيع، قال تعالى: (وَأَحَلَّ الله البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) [البقرة: ٢٧٥]، ولأن المقصود الأعظم في القرض الإرفاق، وإن قصد فيه التملك أيضًا، ولو كان بيعًا لما جاز الاقتراض في الأموال الربوية.
- مسألة: البيع جائز بالإجماع؛ لقوله تعالى: (وأحل الله البيع) [البقرة: ٢٧٥]، ولفعله ﷺ، وإقراره أصحابه عليه، والحكمة تقتضيه؛ لأنَّ حاجة الإنسان تتعلَّق بما في يدِ صاحبه، ولا يبدله بغير عوض غالبًا، ففي تجويز البيع وصولٌ لغرضِه، ودفعُ حاجته.
- مسألة: (يَنْعَقِدُ) البيع (بِـ) صيغتين:
[ ٢ / ١٩٣ ]
الأولى: الصيغة الفعلية، وهي: الـ (مُعَاطَاةُ)، فينعقد البيع بها في القليل والكثير ولو كانت من أحدهما؛ لعموم الأدلة، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه استعمال إيجاب وقبول في بيعهم، ولم يزل المسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على البيع بالمعاطاة، فتقوم المعاطاة مقام الإيجاب والقبول للدلالة على الرضا؛ لعدم التعبد باللفظ.
- فرع: حكم الهبة، والهدية، والصدقة؛ حكم البيع في ذلك، فتنعقد بالمعاطاة؛ لاستواء الجميع في المعنى، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه استعمال إيجاب وقبول في شيء من ذلك.
(وَ) الثانية: الصيغة القولية: وتكون (بِإيجَابٍ)، وهو: اللفظ الصادر من البائع أو من يقوم مقامه، كالوكيل، والولي، والوصي، والناظر، (وَ) بـ (قَبُولٍ)، وهو: اللفظ الصادر من المشتري أو من يقوم مقامه، كالوكيل، والولي، والوصي، والناظر.
- فرع: شروط الصيغة القولية:
الشرط الأول: تقدُم الإيجاب على القبول.
الشرط الثاني: الاتصال بين الإيجاب والقبول.
الشرط الثالث: أن يكون القبول موافقًا للإيجاب.
واختار شيخ الإسلام: أن البيع ينعقد بكل ما عدَّه الناس بيعًا، من قول
[ ٢ / ١٩٤ ]
أو فعل، متعاقب أو متراخ، وهكذا سائر العقود؛ لأن كل ما لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة كان المرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم.
- مسألة: لا ينعقد البيع إلا (بِسَبْعةِ شُرُوطٍ):
الشرط الأول: (الرِّضَا مِنْهُمَا)، أي: من المتعاقدين، وهو أن يأتي به اختيارًا؛ لقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) [النساء: ٢٩]، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» [ابن ماجه ٢١٨٥، وصححه الألباني].
- فرع: إذا كان المتبايعان أو أحدهما مكرهًا لم يخل من أمرين:
١ - أن يكون الإكراه بغير حقٍّ: لم يصح البيع؛ لما تقدم.
٢ - أن يكون الإكراه بحقٍّ، كما لو أكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه: فيصح العقد؛ لأنه حُمِلَ عليه بحق.
- فرع: إن أُكره إنسان على وزن مالٍ فباع ملكه في ذلك صح البيع؛ لأنه غير مكره عليه، وكُره الشراء منه؛ لبيعه بدون ثمن مثله في الغالب، وخروجًا من الخلاف، وهو بيع المضطرين.
واختار شيخ الإسلام: الصحة من غير كراهة؛ لأنه بيع صحيح تام الشروط، ولأن الشراء منه تخليص له من الإكراه.
(وَ) الشرط الثاني: (كَونُ عَاقِدٍ) وهو البائع والمشتري (جَائِزَ التَّصَرُّفِ)،
[ ٢ / ١٩٥ ]
وهو: الحر، البالغ، العاقل، الرشيد.
فخرج بذلك:
أولًا: العبد: فلا يصح تصرفه؛ لأنه محجور عليه لحظ سيده، ويستثنى من ذلك:
١ - في الشيء اليسير؛ لأن الحكمة من الحجر خوف ضياع المال، وهو مفقود في اليسير.
٢ - إذا تصرف بإذن سيده؛ لزوال الحجر عنه بإذنه له.
٣ - قبول الهبة، والوصية، ولو بلا إذن سيده، نصًّا، ويكونان لسيده (١).
ثانيًا: الصبي: فلا تصح عقوده في الجملة؛ لقوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم)، دل بمفهومه أنه لا يعطى شيئًا من المال قبل ذلك، وقال تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) [النساء: ٥]، والصبي ملحق به لعدم إدراكه.
- فرع: الصبي لا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون غير مميز: فلا يصح تصرفه إلا في الأمر اليسير؛ لما
_________________
(١) قال الفتوحي في شرح المنتهى: (وهو مخالف للقواعد)، وقال البهوتي: (وفيه شيء؛ لأنه اكتساب محض فهو كاحتشاشه واصطياده). ينظر: شرح المنتهى للبهوتي (٢/ ٧).
[ ٢ / ١٩٦ ]
رُوي: «أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ اشْتَرَى مِنْ صَبِيٍّ عُصْفُورًا فَأَرْسَلَهُ» [تاريخ أصبهان ٢/ ١٣٧]، ولأن الحكمة من الحجر خوف ضياع المال، وهو مفقود في اليسير.
الثاني: أن يكون مميزًا: فلا يصح تصرفه إلا في ثلاثة مواضع:
١ - في الأمور اليسيرة؛ لما سبق.
٢ - إذا تصرف بإذن وليه، ولو في الكثير؛ لقوله تعالى: (وابتلوا اليتامى) [النساء: ٦]، أي: اختبروهم، وإنما يتحقق بتفويض البيع والشراء إليهم، ويحرم الإذن بلا مصلحة؛ لما فيه من إضاعة المال.
٣ - اختار الموفق والشارح صحة قبول الهبة والوصية من المميز بلا إذن وليه؛ لأنه نفع محض له.
ثالثًا: المجنون: فلا تصح تصرفاته مطلقًا؛ لأنه قولٌ يُعتبر له الرضا، فلم يصح من غير العاقل؛ كالإقرار.
رابعًا: السفيه -وهو الذي لا يحسن التصرف في ماله-: فلا يصح تصرفه إلا في المواضع الثلاثة المتقدمة في الصبي المميز.
(وَ) الشرط الثالث: (كَونُ مَبِيعٍ) وثمن (مَالًا)؛ لأنه مقابل بالمال؛ إذ هو مبادلة المال بالمال.
فيجوز بيع بغل، وحمار، وعَقار، ومأكول، ومشروب، وملبوس، ومركوب، وسباع البهائم التي تصلح للصيد عدا الكلب كما سيأتي؛ لأنَّ
[ ٢ / ١٩٧ ]
الناس يتبايعون ذلك وينتفعون به في كل عصر من غير نكير، وقياسًا لما لم يرد به النص من ذلك على ما ورد.
- مسألة: (وَهُوَ) أي: المال: (مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ) مطلقًا، أي: في كل الأحوال.
فخرج بذلك أمور:
١ - ما لا نفع فيه أصلًا: كالحشرات، بخلاف ما فيه نفع كدود القز الذي يخرج منه الحرير، وعلقٍ لمص دم، وديدانٍ لصيد سمك.
٢ - ما فيه منفعة محرمة: كالخمر والخنزير والأصنام؛ لحديث ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ ﷿ إِذَا حَرَّمَ أَكْلَ شَيْءٍ، حَرَّمَ ثَمَنَهُ» [أحمد ٢٦٧٨، وأبو داود ٣٤٨٨]، ولحديث جابر ﵁: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الله وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ» [البخاري ٢٢٣٦، ومسلم ١٥٨١].
٣ - ما فيه منفعة تباح للحاجة: كالكلب؛ لأنه إنما يباح لحاجةٍ كصيد أو حرث أو ماشية؛ لحديث أبي مسعود الأنصاري ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ» [البخاري ٢٢٣٧، ومسلم ١٥٦٧].
٤ - ما فيه منفعة تباح للضرورة: كالميتة في حال المخمصة، والخمر لدفع لقمة غص بها.
[ ٢ / ١٩٨ ]
(وَ) الشرط الرابع: (كَونُهُ) أي: المبيع (مَمْلُوكًا لبَائِعِهِ) وقت العقد، وكذا الثمن، ملكًا تامًاّ، ليخرج الموقوف على معين والمبيع زمن الخيارين، (أَوْ) كونه (مَأْذُونًا لَهُ فِيهِ) كالوكيل والولي؛ لحديث حكيم بن حزام ﵁ مرفوعًا: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» [أحمد ١٥٣١١، وأبو داود ٣٥٠٣، والترمذي ١٢٣٢، والنسائي ٤٦١٣، وابن ماجه ٢١٨٧]، وخُصَّ منه المأذون؛ لقيامه مقام المالك.
- فرع: فإن باع ملك غيره بغير إذنه، أو اشترى بعين مال غيره شيئًا بغير إذنه؛ لم يصح البيع ولو أجازه المالك بعدُ؛ لفوات شرطه، ويستثنى من ذلك ما جمع شرطين، فيصح:
١ - إن اشترى لغيره شيئًا في ذمته.
٢ - ولم يسمِّ المشتري من اشترى له في العقد.
بأن قال: اشتريت هذا، ولم يقل لفلان؛ فيصح العقد، سواء نقد المشتري الثمن من مال الغير الذي اشترى له، أو نقده من مال نفسه، أو لم ينقده بالكلية؛ لأنه متصرف في ذمته وهي قابلة للتصرف، ويصير ملكًا لمن الشراء له من حين العقد بالإجازة؛ لأنه اشتري لأجله، ونزَّل المشتري نفسه منزلة الوكيل فملكه من اشتُري له كما لو أذن، وإن لم يُجِزْهُ من اشتُري له لزم العقد المشتري؛ لأنه لم يأذن فيه، فتعين كونه للمشتري ملكًا، كما لو لم ينوه لغيره.
[ ٢ / ١٩٩ ]
فإن اشترى بعين مال غيره، أو سماه في العقد؛ لم يصح إن لم يكن أذن.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: يصح تصرف الفضولي مطلقًا، ويقف على إجازة المالك؛ لحديث عروة بن الجعد ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ» [البخاري ٣٦٤٢].
(وَ) الشرط الخامس: (كَونُهُ) أي: المبيع، ومثله الثمن (مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ بَيْعِ الغَرَرِ» [مسلم ١٥١٣]، والغرر: هو ما تردد بين أمرين ليس أحدهما أظهر، وهذا متردد بين الحصول وعدمه، ولأن ما لا يُقْدَر على تسليمه شبيه بالمعدوم، فلم يصح بيعه.
فلا يصح بيع عبد آبق، ولا بعير شارد، ولا سمك في لجة ماء، ولا نحل في هواء.
(وَ) الشرط السادس: (كَونُهُ) أي: المبيع (مَعْلُومًا لَهُما) أي: للبائع والمشتري؛ لأن جهالة المبيع غرر، وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ بَيْعِ الغَرَرِ» [مسلم ١٥١٣].
[ ٢ / ٢٠٠ ]
فلا يصح بيع الحمل في البطن، ولا النوى في التمر، ولا عبد من عبيده؛ لجهالة المبيع في الكل.
- مسألة: تحصل معرفة المبيع:
١ - إما (بِرُؤْيَةٍ) له أو لبعضه الدال عليه، مقارِنة أو متقدِّمة بزمن لا يتغير فيه المبيع ظاهرًا؛ لحصول المعرفة بها، ويُلْحَق بذلك ما عُرف بلمسه أو شمه أو ذوقه.
٢ - (أَوْ) بـ (صِفَةٍ تَكْفِي فِي السَّلَمِ)؛ بأن تُذكر الصفات التي يختلف بها الثمن اختلافًا ظاهرًا؛ لأن الصفة تقوم مقام الرؤية في تمييزه، وذلك في بيع ما يجوز السلم فيه خاصة، ويأتي في السَّلم.
- فرع: فإن اشترى ما لم يره بلا وصف، أو رآه وجهله؛ بأن لم يعلم ما هو، أو وُصِف له بما لا يكفي سلمًا؛ لم يصح البيع؛ لعدم العلم بالمبيع.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام في موضع -وضعفه في موضع آخر- (١)، واختاره ابن عثيمين: يصح بيع ما لم يره ولم يوصف له إذا ذكر جنس المبيع، وهو بالخيار بعد رؤيته؛ لقوله تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء
_________________
(١) ينظر: الفروع (٦/ ١٤٤)، والاختيارات للبعلي (١٧٩)، ومن المواضع التي اختار فيها شيخ الإسلام بطلان البيع إذا لم يره ولم يوصف له: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٤٥)، (٢٩/ ٢٢٢).
[ ٢ / ٢٠١ ]
مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) [البقرة: ٣٦٦]، فدل على أنه يجوز أن تتزوج المرأة دون ذكر الصداق، ويكون لها مهر المثل، كما في قصة بَرْوَعِ بنت واشِقٍ ﵂ لما مات زوجها ولم يفرض لها صداقًا، قال النبي ﷺ: «لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا» [أحمد ٤٢٧٦، وأبو داود ٢١١٦]، فإن جاز ذلك في الثمن جاز في المثمن؛ لأنه أحد العوضين، وليس هذا من بيع الغرر؛ لأن مآله إلى العلم، حيث علق على الرؤية، ثم إن شاء أمضاه وإن شاء تركه.
- فرع: لا يجوز بيع فُجْلٍ وجزر وبصل ونحوها مما المقصود منه مستتر بالأرض قبل قلعه؛ للجهالة؛ لأنه مغيب لم ير ولم يوصف.
واختار شيخ الإسلام: يجوز بيع المغيبات في الأرض وإن لم تقلع إذا بدا صلاحها، ورئي ما ظهر منها، قال شيخ الإسلام: (وأهل الخبرة يستدلون برؤية ورق هذه المدفونات على حقيقتها ويعلمون ذلك أجود مما يعلمون العبد برؤية وجهه) فانتفى الغرر، ولأن بيعه قبل قلعه تقتضيه مصلحة الناس، فإن تأخير بيعه إلى قلعه قد يتعذر أو يتعسر.
(وَ) الشرط السابع: (كَونُ ثَمَنٍ مَعْلُومًا) على ما تقدم في كيفية العلم بالمبيع؛ لأنَّ الثمن أحد العوضين فاشترط العلم به؛ كالمبيع، ولأن النبي ﷺ نهى عن الغرر، وهذا منه.
واختار شيخ الإسلام: صحة البيع وإن لم يسم الثمن، وله ثمن المثل؛ قياسًا على المهر في النكاح، لما تقدم في قصة بَرْوَعِ بنت واشقٍ ﵂.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
- فرع: (فَلَا يَصِحُّ) البيع (بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ) أي: بما يقف عليه من غير زيادة؛ للجهالة بالسعر، فقد يحصل نَجْشٌ فيزيد السعر، وقد يقل الحاضرون فينقص السعر.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: يصح البيع؛ لأن الأصل في البيع الحل، وقال ابن القيم: (وسمعته -أي شيخ الإسلام- يقول: هو أطيب لقلب المشتري من المساومة، يقول: لي أسوة بالناس آخذ بما يأخذ به غيري).
- مسألة: تفريق الصفقة: هي أن يجمع بين ما يصح العقد عليه وما لا يصح صفقة واحدة بثمن واحد، ولها ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يبيع معلومًا ومجهولًا ولم يقل: كلٌّ منهما بكذا، فلا يخلو من أمرين:
١ - أن يتعذَّر علم المجهول: كقوله: بعتك هذه الفرس وما في بطن هذه الفرس الأخرى بكذا؛ فلا يصح البيع فيهما، قال في الشرح: (لا أعلم في بطلانه خلافًا)؛ لأن المجهول لا يصح بيعه لجهالته والمعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل إلى معرفته؛ لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما، والحمل لا يمكن تقويمه، فيتعذر التقسيط.
٢ - أن لا يتعذر علم المجهول: كقوله: بعتك هذا الفرس والفرس التي في البيت بمائة دينار؛ فيصح البيع في المعلوم بقسطه من الثمن؛ لعدم الجهالة، ولا يصح في المجهول؛ للجهالة.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
(وَ) الصورة الثانية: (إِنْ بَاعَ) في عقد واحد (مُشَاعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ)؛ كعبد مشترك بينهما، أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء؛ كقفيزين متساويين لهما؛ صح البيع في نصيبه بقسطه من الثمن؛ لفقد الجهالة في الثمن؛ لانقسامه على الأجزاء، ولم يصح في نصيب شريكه؛ لعدم إذنه.
وعلى القول بصحة تصرف الفضولي، يصح في نصيب شريكه بالإجازة، وتقدم في شروط البيع.
والصورة الثالثة: أن يجمع في عقد واحد بين ما يصح البيع فيه وما لا يصح، وأشار إليها بقوله: (أَوْ) باع (عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ) مالكه، (أَوْ) باع (عَبْدًا وَحُرًّا، أَوْ) باع (خَلًّا وَخَمْرًا صَفْقَةً وَاحِدَةً؛ صَحَّ) البيع (فِي نَصِيبِهِ) بقسطه من الثمن، (وَ) صحَّ في (عَبْدِهِ) بقسطه من الثمن، (وَ) صح في (الخَلِّ بِقِسْطِهِ) من الثمن، دون عبد غيره، ودون الحر، ودون الخمر؛ لأن كل واحد منهما له حكم يخصُّه، فإذا اجتمعا بقيا على حكمهما، ويقدر خمر خلًّا، وحرٌّ عبدًا؛ ليتقسَّط الثمن؛ لكون الحر والخمر لا يمكن تقسيط الثمن عليهما؛ لعدم صحة بيعهما.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
- فرع: (وَ) متى صح البيع في مسائل تفريق الصفقة فلا يخلو المشتري من أمرين:
١ - أن يعلم المشتري بالحال: فلا خيار له؛ لدخوله على بصيرة.
٢ - أن لا يعلم المشتري بالحال: فـ (لِمُشْتَرٍ الخِيَارُ) بين إمساك ما يصح فيه البيع بقسطه من الثمن، وبين رد المبيع؛ لتبعيض الصفقة عليه.
- فرع: متى صح البيع في مسائل تفريق الصفقة فلا خيار للبائع.
وقال شيخ الإسلام: يثبت له الخيار أيضًا.
- فرع: طريقة إخراج القسط من الثمن فيما صح العقد عليه:
يُنظر إلى مجموع قيمة السلعتين -القيمة: هي ما تساويه السلعة عند التجار، أما الثمن: فهو ما اتفق عليه المتعاقدان-، ثم تنسب قيمة ما صح العقد عليه إلى مجموع القيمتين، ثم نأخذه من الثمن بمقدار تلك النسبة.
مثاله: لو عقد على كتاب معلوم وكتاب مجهول بثلاثمائة دينار، فلو كانت قيمة الكتاب المعلوم عند التجار خمسين دينارًا، وقيمة الكتاب المجهول عند التجار بعد العلم به: مائة دينار، فإن نسبة قيمة الكتاب المعلوم إلى مجموع القيمتين: خمسون إلى مائة وخمسين= الثلث، فيكون ثمن الكتاب المعلوم: ثلث الثلاثمائة -التي هي الثمن المتعاقد عليه-، وهو: مائة دينار.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
فَصْلٌ