بفتح الجيم: جَمْعُ جِنازة، -بالكسر، والفتح لغةٌ-، وقيل: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش عليه ميت، فإن لم يكن عليه ميت فلا يقال: نَعْش ولا جنازة، وإنما يقال: سرير، وذَكَره هنا -وكان حقه أن يُذكر بين الوصايا والفرائض- لأن أهم ما يُفعل بالميت الصلاة.
- مسألة: (تَرْكُ الدَّوَاءِ) للمريض (أَفْضَلُ) من التداوي؛ لأنه أقرب إلى التوكُّل، ويجوز اتفاقًا؛ لحديث أسامة بن شَريك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ» [أحمد ١٨٤٥٥، وأبو داود ٣٨٥٥، وابن ماجه ٣٤٣٦].
ولا يجب ولو ظُنَّ نفعُه؛ لحديث ابن عباس ﵄ في المرأة التي تُصْرَع وتتكشف، فطلبت من النبي ﷺ أن يدعو لها، فقال: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ الله أَنْ يُعَافِيَكِ»، قالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها. [البخاري ٥٦٥٢، ومسلم ٢٥٧٦].
[ ١ / ٤١١ ]
وقال ابن عثيمين: التداوي لا يخلو من أحوال:
١ - ما عُلِم أو غَلَب على الظنِّ نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه؛ فهذا واجب، كالسرطان الموضعي، فإنه إذا قُطِعَ شُفِي المريض بإذن الله؛ لقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم).
٢ - ما عُلم أو غَلب على الظن نفعه، وليس هناك هلاك محقق بتركه؛ فالتداوي أفضل؛ للأمر به في حديث أسامة بن شريك السابق.
٣ - أن يحتمل نفعه وعدمه؛ فتركه أفضل؛ لأنه أقرب إلى التوكل.
- مسألة: (وَسُنَّ اسْتِعَدَادٌ للْمَوْتِ) بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، لقوله تعالى: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) [الكهف: ١١٠].
- مسألة: (وَ) سن (إِكْثَارٌ مِنْ ذِكْرِهِ) أي: الموت؛ لحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ»، يعْنِي: المَوْتَ، وفي رواية: «هَاذمِ اللَّذَّاتِ» [أحمد ٤٢٥٨، والترمذي ٢٣٠٧، وابن ماجه ٤٢٥٨].
- مسألة: (وَ) تسن (عِيَادَةُ) كلِّ مريض (مُسْلِمٍ)، ولو من وجع ضرس ونحوه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ» [البخاري ١٢٤٠، ومسلم ٢١٦٢].
[ ١ / ٤١٢ ]
واختار شيخ الإسلام: أن عيادة المريض فرض كفاية؛ لظاهر حديث أبي هريرة ﵁ السابق، فإنه لا يكون حقًّا إلا إذا كان واجبًا.
- فرع: تسن عيادة كل مريض مسلم (غَيْرِ):
١ - (مُبْتَدِعٍ)، داعية أو لا، فتحرم عيادته؛ لوجوب هجره؛ ليرتدع ويتوب.
٢ - مجاهرٍ بالمعصية، فيسن عدم عيادته؛ لأنه يُسن هجره أيضًا.
واختار شيخ الإسلام: أن الهجر يرجع فيه للمصلحة؛ لأن الحكمة مِن الهجر الزجر واتِّعاظ العامة، فإن تحققت المصلحة هُجِر وإلا فلا.
- فرع: تحرم عيادة الذِّمي؛ لما فيه من تعظيمه (١).
وعنه واختاره شيخ الإسلام: تجوز عيادة الذمي إن رُجِي إسلامه؛ لحديث أنس ﵁ قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ، فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: «أَسْلِمْ»، فأسلم. [البخاري ٥٦٥٧].
- مسألة: (وَ) سُنَّ (تَذْكِيرُهُ) أي: المريض، - سواء كان مرضه مخوفًا أم لا - بأمور:
_________________
(١) كذا في الإقناع وشرح المنتهى للبهوتي، وقال في الإنصاف (٦/ ١٠): (تكره عيادة الذمي، وعنه: تباح).
[ ١ / ٤١٣ ]
١ - (التَّوْبَةِ)؛ لأنها واجبة على كل حال، وهو أحوج إليها من غيره؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الله ﷿ لَيَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» [أحمد ٦١٦٠، والترمذي ٣٥٣٧، وابن ماجه ٤٢٥٣]، ولحديث أنس السابق.
٢ - (وَالوَصِيَّةِ)؛ لحديث ابن عمر ﵁: قال رسول الله ﷺ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» [البخاري ٢٧٣٨، ومسلم ١٦٢٧].
- مسألة: آداب المحتضر، وأشار إليها بقوله: (فَإِذَا نُزِلَ بِهِ)، أي: نَزَل المَلك بالمريض لقبض روحه، (سُنَّ تَعَاهُدُ) أرفقِ أهله وأتقاهم لربه:
١ - بـ (بَلِّ حَلْقِهِ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَ) سُنَّ (تَنْدِيَةُ شَفَتَيْهِ) بقطنة؛ لأن ذلك يُسهِّل عليه النطق بالشهادة، ويُطفئ ما نزل به من الشدة، كما في حديث عائشة ﵂ في مرض النبي ﷺ: فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه، يقول: «لا إِلَهَ إِلَّا الله، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ»، ثم نصب يده، فجعل يقول: «فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى» حتى قُبض ومالت يده [البخاري ٤٤٤٩].
٢ - (وَ) سن (تَلْقِينُهُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا الله»)؛ لحديث أبي سعيد ﵁ قال:
[ ١ / ٤١٤ ]
قال رسول الله ﷺ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله» [مسلم ٩١٦]، ويلقنه (مَرَّةً (١) نص عليه، فإن لم يُجِب كرر التلقين، (وَلَا يُزَادُ عَلَى ثَلَاثِ) مرات؛ لئلا يضجره، (إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ) بعد لا إله إلا الله، (فَيُعَادُ) عليه التلقين (بِرِفْقٍ)؛ ليكون آخر كلامه ذلك، وذكره النووي إجماعًا.
٣ - (وَ) يسن (قِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ) عند المحتضر؛ لفضلها.
والأقرب: أنه لا يشرع؛ إذ العبادات توقيفية، ولم يرد ما يدل على ذلك.
٤ - (وَ) يسن أيضا قراءة سورة («يس» عِنْدَهُ)، أي: المحتضر؛ لحديث معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اقْرَؤوا ﴿يس﴾ عَلَى مَوْتَاكُمْ» [أحمد ٢٠٣٠١، وأبو داود ٣١٢١، وابن ماجه ١٤٤٨، وضعفه الدارقطني]، والمراد بالحديث: من كان في سياق الموت، وسُمي ميتًا باعتبار ما يؤول إليه، قال شيخ الإسلام: (والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضَر، فإنها تستحب بـ «يس»).
واختار ابن باز: عدم مشروعية ذلك؛ لضعف حديث معقل السابق.
_________________
(١) كذا في الإقناع والمنتهى، خلافًا لما في الإنصاف (٦/ ١٣) فإنه قال: (الصحيح من المذهب: أنه يلقن ثلاثًا، ويجزئ مرة، ما لم يتكلم).
[ ١ / ٤١٥ ]
٥ - (وَ) سن (تَوْجِيهُهُ إِلَى القِبْلَةِ)، نقله النووي إجماعًا (١)؛ لحديث أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور ﵁، فقالوا: توفي، وأوصى بثلثه لك يا رسول الله، وأوصى أن يوجَّه إلى القبلة لما احتُضِر، فقال رسول الله ﷺ: «أَصَابَ الفِطْرَةَ، وَقَدْ رَدَدْتُ ثُلُثَهُ عَلَى وَلَدِهِ» [الحاكم ١٣٠٥، والبيهقي ٦٦٠٤].
- مسألة: (وَ) يسن (إِذَا مَاتَ) المحتضر سننٌ، منها:
١ - (تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ) اتفاقًا؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة ﵁ وقد شَقَّ بصرُه، فأغمضه، ثم قال: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ» [مسلم ٩٢٠]، ولئلا يقبح منظره ويُساء به الظن.
٢ - (وَ) يسن (شَدُّ لَحْيَيْهِ) (٢) بعصابة ونحوها تربط فوق رأسه، اتفاقًا؛ لئلا يدخله الهوام، أو الماء في وقت غسله، وروي أن عمر ﵁ قال لابنه حين حضرته الوفاة: " اُدْنُ مِنِّي، فَإِذَا رَأَيْت رُوحِي قَدْ بَلَغَتْ لَهَاتِي، فَضَعْ
_________________
(١) قال ابن المنذر في الأوسط ٥/ ٣٢١: (وهذا قول عطاء والنخعي، ومالك وأهل المدينة، والأوزاعي وأهل الشام، وبه قال أحمد وإسحاق، وعليه عوام أهل العلم من علماء الأمصار، وقد روينا عن سعيد بن المسيب: أنه كان في مرضه حُوِّل فراشه إلى القبلة، فأمر أن يعاد كما كان).
(٢) اللَّحْيان: مثنى لَحْي، وهو عظم الحنك الذي عليه الأسنان، الأعلى والأسفل.
[ ١ / ٤١٦ ]
كَفَّك الْيُمْنَى عَلَى جَبْهَتِي، وَالْيُسْرَى تَحْتَ ذَقَنِي، وَأَغْمِضْنِي " [ذكره ابن قدامة في المغني ولم يسنده ٣/ ٣٦٥].
٣ - (وَ) سن (تَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ) اتفاقًا؛ ليسهل تغسيله، فيرد ذراعيه إلى عضديه، ثم يردهما إلى جنبه، ثم يردهما، ويرد ساقيه إلى فخذيه، وهما إلى بطنه، ثم يردهما، ويكون ذلك عقب موته قبل قسوتهما، فإن شق ذلك تركه.
٤ - (وَ) سن (خَلْعُ ثِيَابِهِ) اتفاقًا؛ لئلا يُحمى جسده فيَسرع إليه الفساد، وربما خرجت منه نجاسة فلوثتها.
٥ - (وَ) سن (سَتْرُهُ) كله (بِثَوْبٍ) اتفاقًا؛ لحديث عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ» [البخاري ٥٨١٤، ومسلم ٩٤٢].
٦ - (وَ) سن (وَضْعُ حَدِيدَةٍ أَوْ نَحْوِهَا) كمِرآة أو طين، (عَلَى بَطْنِهِ) اتفاقًا؛ لقول أنس ﵁ لما مات مولًى له: «ضَعُوا عَلَى بَطْنِهِ حَدِيدَةً» [البيهقي ٦٦١٠]، ولئلا ينتفخ بطنه.
٧ - (وَ) سن (جَعْلُهُ عَلَى سَرِيرِ غَسْلِهِ) اتفاقًا؛ ليبعد عن الهوام، ويرتفع عن نداوة الأرض.
٨ - وسن كونه (مُتَوَجِّهًا) إلى القبلة؛ لعموم حديث عبيد بن عمير عن أبيه مرفوعًا: «البَيْتُ الحَرَامُ قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» [أبو داود ٢٨٧٥]، ولقول عمر
[ ١ / ٤١٧ ]
لابنه ﵄ حين حضرته الوفاة: «إِذَا حَضَرَتِ الوَفَاةُ، فَاصْرِفْنِي» [مصنف ابن أبي شيبة ١٠٨٧٠].
٩ - وسن كونه (مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ)، بأن يكون رأسه أعلى من رجليه؛ لينحدر عنه الماء وما يخرج منه.
١٠ - (وَ) سن (إِسْرَاعُ تَجْهِيزِهِ) اتفاقًا؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» [البخاري ١٣١٥، ومسلم ٩٤٤]، ولأنه أصون له، وأحفظ من التغيير.
- فرع: يستثنى من الإسراع في تجهيزه:
١ - إن مات فجأة، أو شُكَّ في موته، حتى يُتيقن موته؛ لاحتمال عدمه.
٢ - إن كان لانتظار من يحضره من ولي أو غيره، أو كثرة جَمع إن كان قريبًا، ما لم يُخش عليه أو يَشق على الحاضرين؛ لما يؤمل من الدعاء له إذا صُلي عليه.
- مسألة: (وَيَجِبُ) الإسراع (فِي نَحْوِ):
١ - (تَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ)؛ لما فيه من تعجيل الأجر، والمذهب: يسن، كما في الإقناع والمنتهى.
[ ١ / ٤١٨ ]