لغة: بذل الطاقة والوسع، مصدر جاهد، أي: بالغ في قتل عدوه.
وشرعًا: قتال الكفار خاصة.
- مسألة: الجهاد مشروع بالإجماع؛ لقوله تعالى: (كتب عليكم القتال)، ولفعله ﷺ، ولحديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» [مسلم: ١٩١٠].
قال شيخ الإسلام: (الجهاد: منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، والدعوة والحجة واللسان، والرأي والتدبير، والصناعة، فيجب بغاية ما يمكنه).
- مسألة: الجهاد نوعان:
الأول: جهاد طلب: أن يكون الكفار مستقرين ببلادهم، فيغزوهم المسلمون، وهذا مشروع وفرض كفاية؛ لحديث بريدة ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ؛ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى الله، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمسْلِمِينَ خَيْرًا» [مسلم: ١٧٣١].
[ ٢ / ١٦٣ ]
الثاني: جهاد دفع: أن يدخل الكفار بلاد المسلمين، وهو فرض عين، ويأتي.
- مسألة: (هُوَ) أي: الجهاد (فَرْضُ كِفَايَةٍ)، إذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، وإلا أثم الكل؛ لقوله تعالى: (فَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ الله الْحُسْنَى) [النساء: ٩٥]، فدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) [التوبة: ١٢٢]؛ ولأن النبي ﷺ كان يبعث السرايا ويقيم هو وأصحابه.
- فرع: يجب الجهاد على من توفرت فيه الشروط التالية:
١ - التكليف: فلا يجب على صبي، ولا مجنون، ولا كافر؛ لأن هذه من شرائط التكليف بسائر الفروع.
٢ - الذكورة: فلا يجب على المرأة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله على النساء جهاد؟ قال: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الحجُّ وَالْعُمْرَةُ» [أحمد: ٢٤٤٦٣، وابن ماجه: ٢٩٠١]، ولأنها ليست من أهل القتال لضعفها.
٣ - الحريَّة: فلا يجب على العبد؛ لعدم قدرته المالية.
٤ - الاستطاعة: لأن غير المستطيع عاجز، والعجز ينفي الوجوب،
[ ٢ / ١٦٤ ]
والمستطيع هو الصحيح في بدنه من المرض والعمى والعرج؛ لقوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) [الفتح: ١٧]، ولأن هذه الأعذار تمنع من الجهاد.
- فرع: الجهاد فرض كفاية (إِلَّا) في أربعة أحوال يكون فيها الجهاد فرض عين:
١ - (إِذَا حَضَرَهُ) أي: حضر الصفَّ من أهل فرض الجهاد، أو حضره العبد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥]، ولحديث أبي هريرة ﵁: قال النبي ﷺ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» وذكر منها: «وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» [البخاري: ٢٧٦٦، ومسلم: ٨٩].
- فرع: يجوز الفرار من صف القتال في ثلاثة أحوال:
الأولى: أن يكون متحرفًا لقتال، بأن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، كما لو انحاز من ضيق إلى سعة؛ لقوله تعالى: (إلا متحرفًا لقتال) [الأنفال: ١٦].
الثانية: أن يكون متحيزًا إلى فئة ناصرة يقاتل معهم، ولو بعدت؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أو متحيزا إلى فئة﴾ [الأنفال: ١٦].
الثالثة: إن زاد عدد الكفار على مِثْلَيْ المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
[ ٢ / ١٦٥ ]
وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].
وقال شيخ الإسلام: (قتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرًا لا طاقة للمسلمين به، لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على مَن يخلفون من المسلمين، فهنا قد صرح أصحابنا بأنّه يجب أن يبذلوا مُهجهم ومُهج مَنْ يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا، ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين، وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم، فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب، لا يجوز الانصراف فيه بحال، ووقعة أحد من هذا الباب).
٢ - (أَوْ حَصَرَهُ أَوْ) حصر (بَلَدَهُ عَدُوٌّ)، إجماعًا؛ لأنه من باب دفع الصائل، وهو في معنى الذي حضر صف القتال.
٣ - (أَوْ كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا) ولم يكن له عذر: (فَـ) ـهو (فَرْضُ عَيْنٍ) عليه؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، ولحديث ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ «وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا» [البخاري: ١٨٣٤، ومسلم: ١٣٥٣].
٤ - إذا احتيج إليه، كمن يعرف شيئًا من آلات الحرب أو مكان العدو ونحوه؛ لأنه إذا لم يقم به أحد تضرر الناس، فصار فرض عين عليه.
- مسألة: (وَلَا يَتَطَوَّعُ بِهِ) أي: بالجهاد (مَنْ أَحْدُ أَبَوَيْهِ حُرٌّ) لا عبد؛
[ ٢ / ١٦٦ ]
لعدم ولايته، أشبه المجنون، (مُسْلِمٌ) لا كافر، فلا يشترط إذنه حينئذ؛ لأن الكافر لا يسعى في مصلحة المسلمين، وكثير من الصحابة جاهد وأحد أبويه كافر ولم يرد عنهم استئذانهم، (إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي: الوالد الحر المسلم العاقل؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فاستأذنه في الجهاد، فقال: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟»، قال: نعم، قال: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» [البخاري: ٣٠٠٤، ومسلم: ٢٥٤٩]، ولأن بِرَّهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، والأول مقدم.
وفي وجه: لا يشترط كون أحد الأبوين حرًّا، بل يجب استئذانه ولو كان رقيقًا؛ للقاعدة: (الأصل تساوي الأحرار والأرقاء في العبادات البدنية المحضة).
- فرع: إذا تعين عليه الجهاد لم يعتبر إذن الوالد؛ لأنه يصير فرض عين وتركه معصية، ولا طاعة للوالدين في ترك فريضة.
- مسألة: (وَسُنَّ رِبَاطٌ) وهو: لزوم ثَغْر - وهو: كل مكان يُخيف أهلهُ العدوَّ ويخيفهم - لجهادٍ مقويًا للمسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، ولحديث سهل بن سعد ﵁: قال رسول الله ﷺ «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» [البخاري: ٢٨٩٢].
[ ٢ / ١٦٧ ]
- فرع: (وَأَقَلُّهُ) أي: الرباط: (سَاعَةٌ)؛ لإطلاق الأدلة، كحديث فضالة بن عبيد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ الميِّتِ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الْمرَابِطَ، فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيُؤَمَّنُ مِنْ فَتَّانِ الْقَبْرِ» [أحمد: ٢٣٩٥١، وأبو داود: ٢٥٠٠، والترمذي: ١٦٢١]، قال الإمام أحمد: (يوم رباط، وليلة رباط، وساعة رباط).
- فرع: (وَتَمَامُهُ) أي: الرباط: (أَرْبَعُونَ يَوْمًا)؛ لحديث أبي أمامة ﵁: قال رسول الله ﷺ: «تَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعونَ يَوْمًا» [الطبراني: ٧٦٠٦، وفيه أيوب بن مدرك، وهو متروك]، وصح عن ابن عمر ﵄: أن ابنًا له رابط ثلاثين ليلة ثم رجع، فقال له ابن عمر ﵄: «أَعْزِمُ عَلَيْكَ لَتَرْجِعَنَّ فَلْتُرَابِطَنَّ عَشْرًا حَتَّى تُتِمَّ الْأَرْبَعِينَ» [ابن أبي شيبة: ١٩٤٥٨].
- مسألة: (وَ) يجب (عَلَى الإِمَامِ) تفقد الجيش، وتعاهد العُدَّة والرجال؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي» [الترمذي: ١٣٦١، وابن ماجه: ٢٥٤٣]، ولأن ذلك من مصالح الجيش، فلزمه فعله.
ويجب عليه (مَنْعُ) من لا يصلح لحربٍ من رجال وخيل، كصبي لم يشتد، ومجنون، وخيل مهزول، وهرم ونحوه؛ لأنه لا منفعة بهم، و(مُخَذِّلٍ)، وهو: الذي يفند الناس عن القتال ويزهدهم فيه، (وَمُرْجِفٍ)،
[ ٢ / ١٦٨ ]
وهو: الذي يُحدِّث بقوة الكفار ويضعف المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ الله انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]، ولقوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادوكم إلا خبالا﴾ [التوبة: ٤٧].
- مسألة: (وَ) يجب (عَلَى الجَيْشِ) أمور، منها:
١ - (طَاعَتُهُ) أي: الإمام؛ لقوله تعالى: (أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: ٥٩]، ولحديث أبي هريرة ﵁: قال النبي ﷺ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ» [البخاري: ٢٩٥٧، ومسلم: ١٨٣٥].
- فرع: لا تجب طاعته في معصية الله تعالى؛ لحديث ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمعْصِيَةِ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» [البخاري: ٢٩٥٥، ومسلم: ١٨٣٩].
٢ - (وَ) يجب عليهم (الصَّبْرُ مَعَهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، ولأنه من أقوى أسباب النصر والظفر.
- مسألة: (وَتُمْلَكُ الغَنِيمَةُ) وهي: ما أخذ من مال حربي قهرًا، بقتال وما ألحق به؛ كفداء الأسرى، مشتقة من الغُنْم، وهو الربح، (بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا فِي دَارِ حَرْبٍ)، ولو لم يقسمها أو يحوزها إلى بلاد المسلمين؛ لأنها
[ ٢ / ١٦٩ ]
مال مباح، فملكت بالاستيلاء عليها كسائر المباحات، فيجوز قسْمُها وتبايعها في دار الحرب، ولو أسلم الحربي بعد الاستيلاء عليها لم تُرجع له.
- فرع: إذا أراد الإمام قسمة الغنيمة بدأ بأمور:
أولًا: دفع السلب لصاحبه، والسلب: ما يوجد مع المقتول من الثياب والسلاح والمال ونحوه؛ لأن القاتل يستحقها غير مخمسة؛ لحديث عوف بن مالك وخالد بن الوليد ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ، وَلَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ» [أحمد: ٢٣٩٨٨، وأبو داود: ٢٧٢١].
ثانيًا: وإن كان في الغنيمة مال لمسلم أو ذمي؛ دفعه إليه؛ لأن صاحبه متعين.
ثالثًا: ثم يبدأ بمؤنة الغنيمة، من أجرة حمَّال وحافظ وخازن وحاسب؛ لأن ذلك من مصلحة الغنيمة. (١)
رابعًا: ثم يَقْسِم الغنيمة خمسة أقسام متساوية، (فَيُجْعَلُ خُمُسُهَا) الأول
_________________
(١) ذكر في التنقيح والمنتهى في هذا الموضع دفع الجُعْل لمن دل على مصلحة، وتبعهما على ذلك البهوتي في الروض المربع. وأما المرداوي في الإنصاف، فجعل الجُعْل من النفل، وتبعه على ذلك البهوتي في شرح المنتهى، فقال معلقًا على قول صاحب المنتهى: (هذا من النفل، فحقه أن يكون بعد الخمس). وأما في الفروع والإقناع وغاية المنتهى فذكروا الجُعْل في الموطنين.
[ ٢ / ١٧٠ ]
(خَمْسَةَ أَسْهُمٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١]، وسهم الله ورسوله شيء واحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَالله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ولأن الجهة جهة مصلحة.
- فرع: الخُمُس الأول يقسم خمسة أقسام:
١ - (سَهْمٌ للهِ وَلِرَسُولِهِ) ﷺ، مصرفه مصرف الفيء، للمصالح؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «لَيْسَ لِي مِنْ هَذَا الفَيْءِ شَيْءٌ، وَلَا هَذَا - وَرَفَعَ إِصْبَعَيْهِ - إِلَّا الخمُسَ، وَالخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» [أحمد: ٦٧٢٩، أبو داود: ٢٦٩٤، والنسائي: ٤١٣٩]، ولا يكون مردودًا علينا إلا إذا صُرف في مصالحنا.
٢ - (وَسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبَى)؛ للآية السابقة، وهو ثابت بعد موته ﷺ لم ينقطع؛ لأنه لم يأت ناسخ ولا مغير، (وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَالمُطَّلِبِ) ابني عبد مناف؛ لما روى جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان ﵃ إلى رسول الله ﷺ، فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة! فقال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا بَنُو المُطَّلِبِ، وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ»، قال جبير: ولم يقسم النبي ﷺ لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل. [البخاري: ٣١٤٠].
[ ٢ / ١٧١ ]
- فرع: يجب تعميم ذوي القربى، وتفرقته بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، حيث كانوا حسب الإمكان؛ لأنه مال مستحق بالقرابة، فوجب فيه ذلك؛ كالتركة.
ويسوَّى فيه بين الكبير والصغير، والغني والفقير؛ لأن النبي ﷺ لم يخص فقراء قرابته، بل أعطى الغني أيضًا كالعباس، ولأنه يؤخذ بالقرابة فاستويا فيه كالميراث، وسواء جاهدوا أو لا؛ لعموم الآية.
وعنه، واختاره ابن عثيمين: أن الذكر والأنثى فيه سواء؛ لأنهم أعطوا باسم القرابة، والذكر والأنثى فيها سواء.
٣ - (وَسَهْمٌ لِليَتَامَى)؛ للآية، واليتيم: من لا أب له ولم يبلغ؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁: قال ﷺ: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ» [أبو داود: ٢٨٧٣].
- فرع: يشترط في اليتامى أن يكونوا من (الفُقَرَاءِ)؛ لأن اسم اليتيم في العرف للرحمة، ومن أعطي لذلك اعتبرت فيه الحاجة، بخلاف القرابة.
واختار ابن قدامة وابن عثيمين: أنه لا يشترط الفقر في اليتامى، بل يشمل الفقير والغني؛ لعموم الآية، ولأنه لو اشتُرط الفقر لما احتاج إلى التنصيص على اليُتم؛ لاندراجه في سهم المساكين.
٤ - (وَسَهْمٌ لِلمَسَاكِينِ)؛ للآية، وهم: من لا يجدون تمام كفايتهم، فيدخل فيهم الفقراء، فهما صنفان في الزكاة فقط، وفي سائر الأحكام صنف واحد.
[ ٢ / ١٧٢ ]
٥ - (وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ)؛ للآية.
- فرع: (وَشُرِطَ فِيمَنْ يُسْهَمُ لَهُ) من هذا الخُمُس، وهم ذوو القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل: (إِسْلَامٌ)؛ لأن الخمس عطية من الله تعالى، فلم يكن لكافر فيها حق؛ كالزكاة.
- فرع: يُعطى هؤلاء كما يعطون في الزكاة، فيعطى المسكين تمام كفايته مع عائلته سنة، وكذا اليتيم، ويعطى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده.
خامسًا: ثم يقوم الإمام أو الأمير بإعطاء النفل والرضخ بعد تقسيم الخُمُس الأول وقبل قسمة باقي الأخماس، لحديث معن بن يزيد ﵁: قال رسول الله ﷺ: «لَا نَفَلَ إِلَّا بَعْدَ الخُمُسِ» [أبو داود: ٢٧٥٣].
والنفل: هو الزيادة على السهم لمصلحةٍ، وهو المجعول لمن عمل عملًا، كتنفل السرايا الثلث والربع، وقول الأمير: من جاء بأسير فله كذا، ونحوه.
والرضخ: هي العطية القليلة دون السهم، ويأتي.
سادسًا: (ثُمَّ يُقْسَمُ البَاقِي) وهو أربعة أخماس الغنيمة (بَيْنَ مَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ) من أهل القتال إذا كان قصده الجهاد، قاتل أو لم يقاتل؛ لقول عمر
[ ٢ / ١٧٣ ]
﵁: «الغَنِيمَةَ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ» [ابن أبي شيبة: ٣٣٢٢٥، وصححه ابن كثير]، ويدخل فيهم التجار، وأرباب الصنائع ونحوهم إذا كانوا مستعدين للقتال ومعهم السلاح؛ لأنه ردء للمقاتل لاستعداده أشبه المقاتل، وكذا من بعثهم الأمير لمصلحة، كرسول وجاسوس ودليل وإن لم يشهدوا؛ لأنهم في مصلحة الجيش، أو خلَّفهم الأمير في بلاد العدو بموضع مخوفٍ وغزا؛ لأنهم أولى بالإسهام ممن شهد ولم يقاتل.
- فرع: يُقسم باقي الغنيمة على التفصيل التالي:
- (لِلرَّاجِلِ) أي: للذي قاتل بلا دابة: (سَهْمٌ) بغير خلاف؛ لأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفارس من الكلفة.
- (وَلِلفَارِسِ عَلَى فَرَسٍ عَرَبِيٍّ: ثَلَاثَةُ) أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا» [البخاري: ٢٨٦٣، ومسلم: ١٧٦٢].
- (وَ) للفارس (عَلَى) فرسٍ (غَيْرِهِ) أي: غير العربي، أو كان أحد أبويه غير عربي: سهمان (اثْنَانِ)، سهم له وسهم لفرسه؛ لما روى خالد بن مَعْدَان ﵁ قال: «أَسْهَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ للعِرَابِ سَهْمَيْنِ، وَلِلْهَجِينِ سَهْمًا (١)» [ابن أبي
_________________
(١) الهجين: ما أبوه عربي وأمه غير عربية، والمقرف: عكسه، والبرذون: من كان أبواه نبطيين.
[ ٢ / ١٧٤ ]
شيبة: ٣٣١٨٩]، ولأن نفع العِراب وأثرها في الحرب أفضل، فيكون سهمه أرجح.
وعنه: إن أدرك غير العربي إدراك العِراب أسهم لها كالعربي، وإلا فلا.
- فرع: لا يسهم ولا يرضخ لغير الخيل، كالبعير والبغل ونحوها، ولو عظم نفعها؛ لأنه لم ينقل عنه ﷺ ولا عن أصحابه من بعده أنهم أسهموا لغير الخيل، ولم تخل غزاة من غزواتهم من الإبل.
وعند شيخ الإسلام: أنه يرضخ للبغال والحمير، وكذلك الحيوان الذي ينتفع به، قال: (وهو قياس الأصول والمذهب، فإن الذي ينتفع به ولا يسهم له؛ كالمرأة والصبي والعبد: يرضخ لهم).
- فرع: ينبغي أن يقدَّم قَسْمُ الأربعة الأخماس على قسم الخمس؛ لأن الغانمين حاضرون، ورجوعهم إلى أوطانهم يقف على القسمة، وأهل الخمس في أوطانهم.
- مسألة: (وَيُقْسَمُ) من الغنيمة (لِـ) ـمن اجتمع فيه أربعة شروط:
١ - رجل: فلا يقسم للنساء؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْزُو بِهِنَّ، فَيُدَاوِينَ الجَرْحَى، وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ» [مسلم: ١٨١٢]، وفي رواية أبي داود [٢٧٢٨]: «وَقَدْ كَانَ يُرْضَخُ لَهُنَّ».
[ ٢ / ١٧٥ ]
وما روي أنه أسهم للمرأة [أبو داود: ٢٧٢٩]، فقد ضعفه ابن القطان والحافظ، وعلى فرض صحته: يحتمل أن الراوي سمى الرضخ سهمًا.
٢ - (حُرٌّ): فلا يقسم للعبيد؛ لحديث عمير مولى آبي اللحم ﵁ قال: «شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي، فَكَلَّمُوا رَسُولَ الله ﷺ فَأُخْبِرَ أنِّي مَمْلُوك، فَأَمَرَ لِي بِشَيءٍ مِنْ خُرْثِيِّ المَتَاع (١)» [أحمد: ٢١٩٤٠، وأبو داود: ٢٧٣٠، والترمذي: ١٥٥٧، وابن ماجه: ٢٨٥٥] واحتج به أحمد، وقال ابن عباس ﵄: «كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ المَرْأَةِ وَالْعَبْدِ يَحْضُرَانِ المَغْنَمَ، هَلْ يُقْسَمُ لهُمَا شَيْءٌ؟ وَإِنَّهُ لَيْسَ لهُمَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا» [مسلم: ١٨١٢] ولأنهم ليسوا من أهل وجوب القتال؛ كالصبي.
٣ - (مُسْلِمٌ): فلا يقسم لكافر؛ لعصيانه، إلا إذا أذن له الإمام؛ لما روى الزهري: «كان يهود يغزون مع النبي ﷺ فيسهم لهم كسهام المسلمين» [عبد الرزاق: ٩٣٢٨، وهو مرسل ضعيف]، ولأن الكفر نقص في الدِّين فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق، بخلاف الرق فإنه نقص في الدنيا والأحكام.
٤ - (مُكَلَّفٌ): فلا يقسم للصبيان؛ لأنهم ليسوا من أهل الجهاد.
- فرع: (وَيُرْضَخُ) وهو: العطية القليلة دون السهم، (لِغَيْرِهِمْ) أي: لمن لا يُسهم له ممن تقدم ذكرهم من النساء والعبيد والصبيان والكفار، واختاره شيخ الإسلام، بعد الخُمُس الأول وقبل قسمتها؛ لما تقدم من الأدلة،
_________________
(١) خرثي المتاع: أثاث البيت ومتاعه.
[ ٢ / ١٧٦ ]
ولأنهم استحقوا بحضور الوقعة، فكان بعد الخمس كسهام الغانمين.
- فرع: يرضخ الإمام للمذكورين على حسب ما يراه من التسوية بينهم والفضل على قدر غناهم ونفعهم، بخلاف السهم؛ لأن السهم منصوص عليه، غير موكول إلى اجتهاده، فلم يختلف؛ كالحدود، بخلاف الرضخ.
- فرع: لا يبلغ برضخ الراجل سهم راجل، ولا برضخ الفارس سهم فارس؛ لأن السهم أكمل من الرضخ، فلم يبلغ به إليه؛ كما لا يبلغ بالتعزير الحد.
- مسألة: الأرض المأخوذة من الكفار بقتال أو غيره على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: ما فُتِحَ عَنْوَة، أي: قهرًا وغلبة: وأشار إليه بقوله: (وَإِذَا فَتَحُوا) أي: المسلمون (أَرْضًا) بأن فتحوها عنوة (بِالسَّيْفِ) فأجلوا عنها أهلها، (خُيِّرَ الإِمَامُ) تخيير مصلحة؛ لأنه نائب المسلمين فلا يفعل إلا ما فيه صلاحهم، (بَيْنَ) أمرين:
الأول: (قَسْمُهَا) بين الغانمين؛ لحديث سهل بن أبي حثمة ﵁: «قَسَمَ رَسُولُ الله ﷺ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ، نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ، وَنِصْفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا» [أبو داود ٣٠١٠، وصححه ابن حجر]، ولا خراج عليها؛ لأنها ملكٌ للغانمين.
[ ٢ / ١٧٧ ]
(وِ) الثاني: (وَقْفُهَا عَلَى المُسْلِمِينَ) بلفظٍ من ألفاظ الوقف؛ لأن الوقف لا يثبت بنفسه، (ضَارِبًا) أي: الإمام (عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا، يُؤْخَذُ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ)، من مسلم وذمي، فيمتنع بيعها وهبتها كسائر الوقوف، ويكون أجرة لها في كل عام، كما فعل عمر - ﵁ - فيما فتحه من أرض الشام والعراق ومصر، وقال ﵁: «أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْلا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانًا لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ، مَا فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ، وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا» [البخاري ٤٢٣٥] أي: كالخزانة يقتسمون ما فيها كل وقت.
واختار شيخ الإسلام وابن القيم هذا القول، لكن قالا: إن المراد بالوقف هنا ليس هو الوقف الاصطلاحي؛ لأن الأرض الخراجية تورث بالاتفاق وتوهب، والوقف لا يورث ولا يوهب، قال ابن القيم: (ومنشأ الشبهة: أنهم ظنوا أن وقفها بمنزلة سائر الأوقاف التي تجري مجرى إعتاق العبد وتحريره لله، وهذا غلط، بل معنى وقفها تركها على حالها لم يقسمها بين الغانمين، لا أنه أنشأ تحبيسها وتسبيلها على المسلمين، هذا لم يفعله رسول الله ﷺ ولا عمر ولا أحد من الأئمة بعده)، وعلى هذا فيجوز بيعها وهبتها.
الضرب الثاني: الأرض التي جَلَا عنها خوفًا وفزعًا منا: تصير وقفًا، بمجرد الظهور عليها؛ لأنها ليست غنيمة فتُقْسَم، فيكون حكمها حكم الفيء، وتكون للمسلمين كلهم.
[ ٢ / ١٧٨ ]
وعنه: حكمها حكم العنوة؛ قياسًا عليها، فلا تصير وقفًا حتى يقفها الإمام، وقبل وقفها حكمها حكم الفيء المنقول.
الضرب الثالث: ما صولحوا عليه من الأرض، وهو قسمان:
الأول: أن يصالحهم الإمام أو نائبه على أن الأرض لنا، ونقرُّها معهم بالخراج: فهذه الأرض تصير وقفًا بنفس مِلكنا لها كالتي قبلها، اتفاقًا؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» [البخاري ٢٣٢٨، ومسلم ١٥٥١]، وهي دار إسلام، ويكون خراجها أجرة لها لا يسقط بإسلامهم، ويؤخذ الخراج منهم وممن انتقلت إليه من مسلم ومعاهد؛ كسائر الأجر.
الثاني: أن يصالحهم الإمام أو نائبه على أن الأرض لهم ولنا الخراج عنها: فهذه مِلك لهم، وتصير دار عهد، وخراجها كالجزية تسقط بإسلامهم؛ لأن الخراج الذي ضرب عليها إنما كان لأجل كفرهم.
- مسألة: (وَمَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ) أي: كافر بحقِّ الكفر، لا ما أخذ من ذمي غصبًا أو ببيع ونحوه، (بِلَا قِتَالٍ)، ليخرج الغنيمة، (كَجِزْيَةٍ، وَخَرَاجٍ، وَعُشْرِ) تجارة من حربي اتجر إلينا، أو نصفه من ذمي اتجر إلى غير بلده ثم عاد، وما تركوه فزعًا منا، أو تخلف عن ميت لا وارث له، ومال المرتد إذا مات على ردته بقتل أو غيره: (فَيْءٌ) يصرف (لِمَصَالِحِ المُسْلِمِينَ)؛
[ ٢ / ١٧٩ ]
لقوله تعالى: (مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، وَلِذِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ ) الآيتين [الحشر: ٧ - ٨]، قال عمر ﵁: «اسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الْآيَةُ النَّاسَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا لَهُ فِيهَا حَقٌّ، إِلَّا بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ» [أبو داود ٢٩٦٦، والنسائي ٤١٩٥].
- فرع: (وَكَذَا خُمُسُ خُمُسِ الغَنِيمَةِ)، وهو سهم الله ورسوله، في حكم ما تقدم من أنه فيء، يصرف في مصالح المسلمين؛ للآية السابقة.
- فرع: يبدأ في الفيء بالأهم فالأهم من المصالح العامة لأهل الدار التي بها حفظ المسلمين، فيبدأ بجند المسلمين الذين يذبون عنهم، ثم بالأهم فالأهم من عمارة الثغور، وكفاية أهلها، وحاجة من يدفع عن المسلمين، ثم الأهم فالأهم من سد بَثْقٍ- وهو الخرق في أحد حافتي النهر، وعمل القناطر، أي: الجسور، وإصلاح الطرق والمساجد، وأرزاق القضاة والأئمة والمؤذنين والفقهاء ومن يحتاج إليه المسلمون، وكل ما يعود نفعه على المسلمين؛ لأن ذلك من المصالح العامة.
- فرع: إن فَضَل عن المصالح من الفيء فضلٌ: قُسِّم بين المسلمين غنيهم وفقيرهم؛ لقول عمر ﵁ في الآية السابقة: «اسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الْآيَةُ النَّاسَ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا لَهُ فِيهَا حَقٌّ، إِلَّا بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ»، ولأنه مال فضل عن حاجتهم، فقُسِّم بينهم كذلك، ويستوون فيه كالميراث، إلا عبيدَهم فلا يفرد العبد بالعطاء؛ لأثر عمر السابق، ولأنه مال فلا حظ له فيه كالبهائم، بل يزاد سيده لأجله.
[ ٢ / ١٨٠ ]
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يقدم المحتاج على غيره؛ لقوله تعالى: (للفقراء ..) [الحشر: ٨]، ولأن النبي ﷺ قدم ذوي الحاجات على غيرهم في مال بني النضير [أبو داود ٣٠٠٤، وصححه الألباني]، ولقول عمر ﵁: «مَا أَنَا بِأَحَقَّ بِهَذَا الْفَيْءِ مِنْكُمْ، وَمَا أَحَدٌ مِنَّا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا أَنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ الله ﷿، وَقَسْمِ رَسُولِ الله ﷺ، فَالرَّجُلُ وَقِدَمُهُ، وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ، وَالرَّجُلُ وَعِيَالُهُ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ» [أبو داود ٢٩٥٠، وحسنه الألباني]، ولأن المصلحة في حقه أعظم منها في حق غيره؛ لأنه لا يتمكن من حفظ نفسه من العدو بالعدة ولا بالهرب لفقره، بخلاف الغني، ويُحمل أثر عمر الأوَّل على سنوات الرخاء؛ جمعًا بين الأدلة.
(فَصْلٌ)