الزكاة لغة: النماء والزيادة، يقال: زكا الزرع: إذا نما وزاد، وتطلق على المدح والتطهير والصلاح، وسمي المُخْرَج زكاة؛ لأنه يزيد في المُخْرَج منه ويقيه الآفات.
وفي الشرع: حق واجب في مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص.
- مسألة: (تَجِبُ) الزكاة (فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ):
في سائمة (بَهِيمَةِ أَنْعَامٍ) وهي: الإبل والبقر والغنم، (وَ) في (نَقْدٍ، وَ) في (عَرْضِ تِجَارَةٍ، وَ) في (خَارِجٍ مِنَ الأَرْضِ) من المعادن وما في حكمها كالعسل، (وَ) في (ثِمَارٍ) وحبوب، ويأتي تفصيلها في أبوابها إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٤٥٥ ]
- مسألة: تجب الزكاة فيما تقدم من الأموال (بِـ) ستة شروط:
الـ (شَّرْطُ) الأول: (إِسْلَامٌ)، فلا تجب على كافر وجوبَ أداء بلا خلاف؛ لقول الله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَبِرَسُولِهِ) [التوبة: ٥٤]، ولحديث معاذ ﵁ لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن قال له: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» [البخاري ١٣٩٥، ومسلم ٢٩]، فأمرهم بأداء الزكاة بعد الإسلام، لا قبله.
لكن الكافر يتوجه إليه خطابُ وجوب التكليف؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
(وَ) الشرط الثاني: (حُرِّيَّةٌ)، فلا تجب على عبد؛ لأنه لا مال له، وزكاة ما في يده على سيده؛ لأنه مِلك السيد؛ لحديث ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» [البخاري ٢٣٧٩، ومسلم ١٥٤٣].
(وَ) الشرط الثالث: (مِلْكُ نِصَابٍ)؛ إجماعًا في الجملة، ويأتي ذكر الأدلة عليه عند بيان الأصناف الزكوية، إلا الرِّكاز فلا يشترط فيه مِلك النصاب، ويأتي.
- فرع: النصاب تقريب في النقدين والعُروض، فلا يضر النقص اليسير كالحبة والحبتين؛ لأنه لا ينضبط غالبًا، وتحديدٌ في ثمر وزرع وماشية.
[ ١ / ٤٥٦ ]
وعنه، واختاره الشارح: أنه تحديد في الكل؛ لظاهر الأخبار الدالة على تحديده.
(وَ) الشرط الرابع: (اسْتِقْرَارُهُ)، أي: تمام المِلك في الجملة، اتفاقًا؛ لأن المِلك الناقص ليس نعمة كاملة، والزكاة إنما تجب في مقابلة النعمة الكاملة.
والمِلك التام: عبارة عما كان بيده لم يتعلق به حق غيره، يتصرف فيه على حسب اختياره، وفوائده حاصلة له.
مثال الملك غير التام:
١ - دَيْن الكتابة: فلا زكاة فيه؛ لعدم استقراره؛ لأن المكاتَب يملك تعجيز نفسه، ويمتنع من الأداء، ولهذا لا يصح ضمانها.
٢ - حصة المضارَب -أي: العامل- من الربح قبل القسمة: فلا زكاة فيها بالظهور؛ لعدم استقرارها؛ لأن الربح وقاية لرأس المال، فإذا تلف رأس المال أو تلف بعضه قبل القسمة جُبر من الربح.
بخلاف المضارِب -أي: رب المال-، فيزكي حصته من الربح كرأس المال، لمِلكه الربح بظهوره، وتبعيته لماله.
٣ - الأموال الموقوفة على غير معين، كالمساكين، أو طلاب العلم: لا زكاة فيه؛ لعدم مِلكهم لها.
[ ١ / ٤٥٧ ]
بخلاف الموقوف على معين، كزيد، فتجب فيه الزكاة؛ للعموم، وكسائر أمواله.
٤ - أموال بيت مال المسلمين: فلا زكاة فيها؛ لأنه لا مالك لها معين، ومثلها أموال الجمعيات الخيرية.
(وَ) الشرط الخامس: (سَلَامَةٌ مِنْ دَيْنٍ) حالٍّ أو مؤجل (يَنْقُصُ النِّصَابَ)، فالدَّين وإن لم يكن من جنس المال مانع من وجوب الزكاة في قدره، ولو كان المال ظاهرًا، كالمواشي والحبوب والثمار، فيُسقط من المال بقدر الدين، كأنه غير مالك له، ثم يزكي ما بقي؛ لقول عثمان ﵁: «إِنَّ هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ، ثُمَّ ليُؤَدِّ زَكَاةَ مَا فَضَلَ» [مصنف ابن أبي شيبة ٧٠٨٦، وصححه الحافظ]، واحتج به أحمد، وعن ابن عباس وابن عمر ﵃: في الرجل يستقرض فينفق على ثمرته وعلى أهله: «يَبْدَأُ بِمَا اسْتَقْرَضَ فَيَقْضِيهِ، وَيُزَكِّي مَا بَقِيَ» [سنن البيهقي ٧٦٠٨]، ولأن الزكاة وجبت مواساة للفقير، والمَدِين محتاج لقضاء دَيْنه كحاجة الفقير أو أشد.
وعنه، واختاره ابن باز وابن عثيمين: أن الدَّين لا يمنع الدين الزكاة مطلقًا؛ لإطلاق الأدلة، فلم تفرق بين من عليه دين أو لا، وكان ﷺ يبعث السعاة، ولم يستفصل هل عليهم دين أو لا، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزَّل منزلة العموم من المقال، ولأن الزكاة تجب في عين المال والدَّين في الذمة، فاختلف محلهما، فلم يؤثر أحدهما على الآخر، وأما أثر عثمان - ﵁ -
[ ١ / ٤٥٨ ]
فإننا نسلم أنه إذا كان عليه دين مال وأداه فليس عليه زكاة؛ لأن الدين لسبقه أحق بالتقديم.
- فرع: حكم دَيْن الله تعالى؛ من كفارة وزكاة ونذر مطلق ودين حج ونحوه؛ كدَين آدمي في منعه وجوب الزكاة في قدره؛ لوجوب قضائه.
(وَ) الشرط السادس: (مُضِيُّ حَوْلٍ) في الجملة، اتفاقًا؛ لحديث علي ﵁ مرفوعًا: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» [أبو داود ١٥٧٣]، ولوروده عن أبي بكر وعلي وابن عمر ﵃ [مصنف عبد الرزاق ٤/ ٧٥]، ورفقًا بالمالك، وليتكامل النماء فيواسيَ منه.
- فرع: يعفى في الحول عن نقص نحو نصف يوم؛ لأنه لا ينضبط غالبًا، ولا يسمى في العرف نقصًا.
- مسألة: يشترط مضي الحول (إِلَّا فِي):
١ - (مُعَشَّرٍ): من خارج من الأرض؛ كالحبوب والثمار، وما في حكمه: وهو العسل؛ لقوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) [الأنعام: ١٤١]، وذلك ينفي اعتباره في الثمار والحبوب، وقيس العسل عليه.
٢ - والرِّكاز: قياسًا على الخارج من الأرض، ولأنه نماء في نفسه، يؤخذ الخمس منه عند وجوده.
٣ - والمعدن: لما سبق في الركاز.
٤ - (وَنِتَاجِ سَائِمَةٍ): فإن حوله حولُ أصله إن كان أصله نصابًا، وإن لم
[ ١ / ٤٥٩ ]
يكن نصابًا فحوله من حين كَمَل النصاب؛ لحديث علي ﵁ مرفوعًا في حديث الزكاة الطويل: «وَيَعُدُّ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا» [صحيح ابن خزيمة ٢٢٦٢، وصححه الألباني]، ولما صح عن عمر ﵁: «وَيُحْسَبُ صِغَارُهَا وَكِبَارُهَا» [مصنف عبد الرزاق ٦٧٩٨]، ولأن السائمة تختلف في وقت ولادتها، فإفراد كل واحدة يشق، فجعلت تبعًا لأمهاتها.
٥ - (وَرِبْحِ تِجَارَةٍ): فإن حوله حولُ أصله إن كان أصله نصابًا؛ لأنه تابع له في المِلك، فتبعه في الحول، ولأنه في معنى نتاج السائمة، فوجب أن يكون مثله في الحكم.
وإن لم يكن نصابًا فحوله من حين كمل النصاب؛ لأنه حينئذ يتحقق فيه التبعية، فلذا وجبت فيه الزكاة، وقبل ذلك لا يجب فيه الزكاة؛ لنقصانه عن النصاب.
- فرع: الأجرة لا بد لها من مضي الحول، ويبدأ الحول من حين العقد؛ لأنه يملك الأجرة بالعقد.
واختار شيخ الإسلام: أنها تزكى مباشرة، ولا يشترط لها مضي الحول؛ قياسًا على الثمرة.
- فرع: المستفاد في أثناء الحول على ثلاثة أقسام:
١ - أن يكون من غير جنسه: فلا يضم إلى ما عنده اتفاقًا.
[ ١ / ٤٦٠ ]
مثاله: أن يكون عنده إبل، فيستفيد بقرًا، فلا يضم إلى ما عنده.
٢ - أن يكون من جنسه غيرَ متولِّد منه: فيضم إليه في تكميل النصاب دون الحول؛ لأدلة اعتبار الحول.
مثاله: أن يكون عنده أربع من الإبل، فيشتري ستًّا، فيضم في تكميل النصاب دون الحول، فيبتدأ حولًا جديدًا.
٣ - أن يكون من جنسه متولدًا منه: كربح تجارة ونتاج سائمة، فيضم إليه في تكميل النصاب وفي الحول على ما سبق، قال الموفق: (لا نعلم فيه خلافًا).
- مسألة: (وَإِنْ نَقَصَ) النصاب (فِي بَعْضِ الحَوْلِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ)، كإتلافٍ، فلا يخلو من أمرين:
١ - أن (لَا) يكون ذلك (فِرَارًا) من الزكاة: (انْقَطَعَ) الحول؛ لأن وجود النصاب في جميع الحول شرطٌ للوجوب ولم يوجد، ويستأنف حولًا آخر.
فمن عنده خمس من الإبل، ثم نحر واحدة للأكل، لا بقصد الفرار؛ لم تجب فيها الزكاة.
٢ - أن يكون ذلك بقصد الفرار من الزكاة: حرُم ذلك، ولم تسقط الزكاة؛ لقوله تعالى: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة) الآيات [القلم: ١٧]، فعاقبهم الله تعالى لفرارهم من الزكاة، ولأنه قصد به إسقاط حق غيره فلم
[ ١ / ٤٦١ ]
يسقط، كالمُطَلِّق في مرض موته.
- مسألة: (وَإِنْ أَبْدَلَهُ) أي: النصابَ بمال آخر، فلا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون ذلك بقصد الفرار من الزكاة: حرُم ذلك، ولم تسقط الزكاة؛ لما سبق.
الثاني: أن يكون ذلك لا بقصد الفرار من الزكاة، فلا يخلو من أقسام:
القسم الأول: أن يبدل النصاب (بِجِنْسِهِ)، كغنم بغنم، وعُروض تجارة بمثلها، أو عُروض تجارة بنقد، (فَلَا) تسقط الزكاة، ويبني على حوله؛ لأنه نصاب يضم إليه نماؤه في الحول، فبُني حولُ بدله من جنسه على حوله؛ كالعُروض.
- فرع: لو أبدل النصاب بجنسه، فلا يخلو مقدار الزكاة حينئذ من أربع حالات:
١ - أن يبدله بمثله في العدد، كما لو أبدل مائة شاةٍ بمثلها، فعليه زكاة مائة شاة؛ لما تقدم من البناء على الحول.
٢ - أن يبدله بأكثرَ، كما لو أبدل مائة شاة بمائتين: فالزائد يكون تبعًا للأصل، كنتاج سائمة، فيلزمه شاتان إذا حال حول المائة؛ لأن الزائد من نماء الأصل، فكان كنتاج السائمة.
٣ - أن يبدله بأقلَّ، كما لو أبدل مائتي شاة بمائة: فعليه زكاة مائة؛ لأن
[ ١ / ٤٦٢ ]
وجوب الزكاة حصل بحولان الحول، وهو عند الحول لا يملك سوى مائة شاة، فلا عبرة بما ملك في بداية الحول، كما لو نقص النصاب في أثناء الحول.
٤ - أن يبدل النصاب بأقل من النصاب، كما لو أبدل مائة شاة بثلاثين: فينقطع الحول ولا زكاة عليه؛ للتعليل السابق.
القسم الثاني: أن يبدل النصاب بغير جنسه، كما لو أبدل إبلًا ببقر، أو عُروض تجارة بسائمة: فينقطع الحول؛ لأن وجود النصاب في جميع الحول شرط للوجوب، ولم يوجد، ويستأنف حولًا آخر، ولأن الجنسين لا يضم أحدهما إلى الآخر مع وجودهما، فأولى أن لا يبنى حول أحدهما على الآخر.
- فرع: إن أبدل الذهبَ أو الفضة أو العروضَ بأحدها لم ينقطع التتابع؛ لأن الذهب والفضة كالجنس الواحد، وأما عروض التجارة؛ فلأن الزكاة تجب في قيمتها، فهي من جنس النقد.
وعنه واختاره ابن عثيمين: أن الذهب والفضة كلٌّ منهما جنس مستقل، فلو أبدل الذهب بالفضة أو بالعكس -لا فرارًا من الزكاة- انقطع التتابع؛ لحديث أبي بَكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَالفِضَّةَ بِالفِضَّةِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ، وَالفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْتُمْ» [البخاري ٢١٧٥، ومسلم ١٥٩٠]، فجعلهما النبي
[ ١ / ٤٦٣ ]
ﷺ جنسين مختلفين.
وأما لو أبدل عروض التجارة بالذهب أو الفضة، فلا ينقطع الحول؛ لأن الزكاة تجب في قيمتها، وهي إنما تقوم بالذهب أو الفضة، فكأنه أبدلها بجنسها.
- مسألة: (وَإِذَا قَبَضَ) رب الدين (الدَّيْنَ)، أو قبض حقه من مغصوب أو موروث مجهول أو ثمن مبيع ونحو ذلك، فلا يخلو من حالين:
الأول: أن يكون الدَّين على مليء باذِلٍ- وهو القادر على الوفاء، غيرَ مماطِلٍ-: فتجب الزكاة فيه كل سنة؛ لأنه في حكم الموجود، لكن لا يجب أن يخرج زكاته إلا إذا قبضه، فإذا قبضه (زَكَّاهُ لِمَا مَضَى) من السنين؛ لقول عائشة ﵂ في الدَّين: «لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَقْبِضَهُ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٠٢٥٩، وحسنه الألباني]، ولأن الزكاة مواساة، فلا يكلف زكاةً حالَّةً على مال غائب، والأفضل أن يزكيه كل سنة بسنتها؛ لأنه أبرأ للذمة، واختاره ابن باز وابن عثيمين.
الثاني: أن يكون الدَّين على معسر، أو على مليء مماطِلٍ: فحكمه كالذي قبله؛ لعمومات أدلة وجوب الزكاة؛ ولما روي عن علي ﵁ في الرجل يكون له الدين الظنون - الذي لا يدري صاحبُه أيقضِيهِ الذي عليه الدَّين أم لا-، قال: «يُزَكِّيهِ لِمَا مَضَى إِذَا قَبَضَهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا» [البيهقي ٧٦٢٣].
[ ١ / ٤٦٤ ]
وعنه، واختاره شيخ الإسلام وابن باز: لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول بعد قبضه؛ لأثر عائشة السابق، ولأن المال في حكم المعدوم، والزكاة مواساة، فلا يكلف زكاة مال لا ينتفع به.
واختار ابن عثيمين: أنه يزكيه إذا قبضه لعام واحد، ولو قبضه بعد سنوات؛ لأن الدَّين عند المعسر بمنزلة الثمرة.
- فرع: الدَّين المؤجل حكمه حكم الدَّين على المعسر؛ لأنه لا يمكن قبضه في الحال، فيجري فيه الخلاف السابق.
فصل