الكتاب لغةً: الجمع، مِن تَكتَّب بنو فلان: إذا اجتمعوا، والمراد به هنا: المكتوب، أي: هذا مكتوب جامع لمسائل الطهارة مما يوجبها ويُتطهَّر به ونحو ذلك.
- مسألة: الطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار.
وفي الاصطلاح لها معنيان:
الأول: الطهارة المعنوية: وهي طهارة القلب مِن أدران الشرك، ومساوئ الأخلاق.
الثاني: الطهارة الحسية، وتطلق شرعًا على ثلاثة أمور:
١ - ارتفاع الحدث، والحدث: هو الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها مما تُشترط له الطهارة.
٢ - ما في معنى ارتفاع الحدث: كالحاصل بغسل الميت، والوضوء والغسل المستحبين، وغَسل يَدَي القائم من نوم الليل.
٣ - زوال الخبث، أي: النجاسة.
[ ١ / ١٩ ]
وبدأ بالطهارة؛ لأن آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة، والطهارة شرط لها، والشرط مقدم على المشروط.
- مسألة: تنقسم (المِيَاهُ) باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع إلى (ثَلَاثَةِ) أقسام: طهور، وطاهر، ونجس؛ لقوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) [الأنفال: ١١]، فوصف الماء بوصف زائد وهو كونه مطهِّرًا لغيره، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا استَيْقَظَ أَحَدُكُم مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِل يَدَهُ قَبْل أَنْ يُدْخِلهُمَا فِي الإِنَاءِ ثَلَاثًا؛ فَإِنَّ أَحَدَكُم لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَت يَدُه» [البخاري ١٦٢، ومسلم ٢٨٧]، فدل النهي عنه على أنه لا يرفع الحدث.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن المياه تنقسم إلى قسمين: طهور، ونجس؛ لقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) [النساء: ٤٣]، و(ماء) نكرة في سياق النفي فتعم، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: «الماءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» [أحمد ١١٢٥٧، وأبو داود ٦٦، والترمذي ٦٦، والنسائي ٣٢٦].
قال شيخ الإسلام: (وإثبات ماء طاهر غير مطهِّر لا أصل له في الكتاب والسنة).
- ضابط: على الرواية الثانية نقول: إن الأصل في المياه أنها طاهرة مطهِّرة، إلا في موضعين:
[ ١ / ٢٠ ]
١ - إذا خالطه نجس فغير أحد أوصافه الثلاثة، فينجس إجماعًا.
٢ - إذا خالطه طاهر فغيَّر مسماه وسَلَب منه وصف الماء المطلق، فلا يسمى ماء.
- مسألة: أقسام المياه ثلاثة:
القسم (الأَوَّلُ: طَهُورٌ)، أي: الطاهر في ذاته المطهِّر لغيره.
- فرع: (وَهُوَ) أي: الماء الطهور: (البَاقِي عَلَى خِلْقَتِهِ) أي: صفته التي خُلق عليها، إما:
١ - حقيقةً: بأن يبقى على ما وجد عليه من برودة، أو حرارة، أو ملوحة ونحوها.
٢ - أو حكمًا: بأن طرأ عليه شيء لا يسلُبه الطهورية، كالمتغيِّر بغير ممازج ونحوه.
- فرع: حكم الماء الطهور:
١ - لا يرفع الحدث غيره؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ المائدة ٦، وأما التراب والاستجمار فمبيحان لا رافعان، ويأتي الكلام عليهما.
٢ - ولا يزيل النجسَ الطارئَ غيرُه؛ لأمر النبي ﷺ أن يُهَرَاقَ على بول الأعرابي ذَنوبًا من ماء. [البخاري ٢٢١، ومسلم ٢٠٠٤].
[ ١ / ٢١ ]
واختار شيخ الاسلام: أن النجاسة تُزال بأي مزيل، ويأتي في باب إزالة النجاسة.
- مسألة: الماء الطهور على أربعة أقسام:
القسم الأول: طهور غير مكروه، ومنه: المتغير بمكثه، والمتغير بطاهر يشق صون الماء عنه؛ كورق الشجر، والمتغير بمجاورة ميتة.
والقسم الثاني: وأشار إليه بقوله: (وَمِنْهُ): طهور (مَكْرُوهٌ) أي: يكره التطهر به؛ (كَمُتَغَيِّرٍ بِغَيْرِ مُمَازِجٍ) أي: غير مخالط؛ كقطع كافور لا مطحون، أو بدهن، فيكره هذا القسم؛ خروجًا من الخلاف في سلبه الطهورية.
وفي وجه اختاره ابن قدامة وابن عثيمين: عدم الكراهة؛ لأن الأصل في المياه أنها طاهرة مطهرة، ولأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ولم يوجد.
(وَ) القسم الثالث: طهور (مُحَرَّمٌ)، أي: يحرم استعماله، (إِلَّا لِضَرُورَةٍ)؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات.
وحكمه: أنه (لَا يَرْفَعُ الحَدَثَ وَيُزِيلُ الخَبَثَ) الطارئ.
(وَهُوَ) أي: الطهور المحرم أنواع، منها:
[ ١ / ٢٢ ]
١ - الماء (المَغْصُوبُ)، فلا يصح به وضوء ولا غسل، وهو من المفردات؛ لتحريم الغصب، وقد قال ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [مسلم ١٧١٨].
وعنه وفاقًا للثلاثة: تصح؛ لأن النهي يعود لشرط العبادة على وجه لا يختص، فتصح.
٢ - (وَ) منه أيضًا: (غَيْرُ بِئْرِ النَّاقَةِ مِنْ آبارِ) ديار (ثَمُودَ)، فلا يباح من آبار ديار ثمود إلا بئر الناقة، ويحرم غيرها؛ لقول ابن عمر ﵄: «إنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى الحِجْرِ - أَرْضِ ثَمُودَ - فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا، وَعَجَنُوا بِهِ العَجِينَ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا، وَيَعْلِفُوا الإِبِلَ العَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ البِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ» [البخاري ٣٣٧٩، ومسلم ٢٩٨١]، قال شيخ الإسلام: (وهي البئر الكبيرة التي يردها الحاج في هذه الأزمنة).
والقسم الرابع: طهور يرفع حدث الأنثى لا الرجل البالغ والخنثى، وهو الطهور اليسير -دون القلتين- الذي خلت به امرأة مكلفة كخلوة نكاح، بأن لا يشاهدها مميِّز، لطهارة كاملة عن حدث، وهذا القسم من المفردات؛ لحديث الحَكَم بن عمرو الغفاري ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ المَرْأَةِ» [أبو داود ٨٢، والترمذي ٦٤ وحسنه]، قال أحمد في رواية أبي طالب: (أكثر أصحاب رسول الله ﷺ يقولون ذلك، وهو تعبُّدي).
[ ١ / ٢٣ ]
وعنه: يرفع الحدث مطلقًا، وفاقًا للثلاثة، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ» [مسلم ٣٢٣]، ويُحمل النهي على التنزيه جمعًا بين الأدلة.
القسم (الثَّانِي) من أقسام المياه: (طَاهِرٌ) في نفسه غير مطهر لغيره.
- فرع: الماء الطاهر: (لَا يَرْفَعُ الحَدَثَ وَلَا يُزِيلُ الخَبَثَ)؛ وتقدمت المسألة.
- فرع: (وَهُوَ) أي: الماء الطاهر أنواع، منها:
١ - (المُتَغَيِّرُ بِمُمَازِجٍ طَاهِرٍ) لا يشق صونه عنه؛ كزعفرانٍ ولبن؛ لأنه ليس بماء مطلق.
٢ - (وَمِنْهُ) أي: من الطاهر: (يَسِيرٌ) أي: ماء يسير دون القلتين (مُسْتَعْمَلٌ فِي رَفْعِ حَدَثٍ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الماءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» [مسلم ٢٨٣]؛ ولولا أنه يفيد منعًا لم يُنْهَ عنه.
وعلى الرواية الثانية التي اختارها شيخ الإسلام: أن الماء ينقسم إلى قسمين فقط، فلا وجود لهذا القسم، ويجوز التطهر به ما دام اسم الماء باقيًا عليه؛ لحديث أم هانئ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ وَمَيْمُونَةَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ العَجِينِ» [أحمد ٢٦٨٩٣، والنسائي ٢٤٠، وابن ماجه ٣٧٨]، ولحديث ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ» [مسلم ٣٢٣]، والنهي الوارد في حديث أبي هريرة إنما هو نهيٌ عن الاغتسال،
[ ١ / ٢٤ ]
وليس فيه تعرُّض لحكم الماء.
القسم (الثَّالِثُ) من أقسام المياه: (نَجِسٌ)، وهو لغة: المستقذر، ضد الطاهر، (يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا) أي: في العبادات وغيرها، ولو لم يوجد غيره؛ لقوله تعالى: (ويحرم عليهم الخبائث) [الأعراف: ١٥٧]، والنجس خبيث، (إِلَّا لِضَرُورَةٍ)؛ كدفع غصة؛ قياسًا على الطعام المحرم.
(وَهُوَ) أي: النجس أنواع، منها:
١ - (مَا تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ) قليلًا كان أو كثيرًا، وحكى ابن المنذر الإجماع عليه، (فِي غَيْرِ مَحَلِّ تَطْهِيرٍ).
أما إذا كان الماء الملاقي للنجاسة في محل التطهير فلا ينجس؛ لضرورة التطهير، إذ لو قلنا: ينجس بمجرد الملاقاة لم يمكن تطهير نجس بماء قليل.
٢ - ما أشار إليه بقوله: (أَوْ لَاقَاهَا) أي: لاقى الماءُ النجاسةَ (فِي غَيْرِهِ) أي: غير محل التطهير (وَهُوَ يَسِيرٌ) دون القلتين، فينجس بمجرد الملاقاة، ولو كانت النجاسة قليلة؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال ﷺ: «إِذَا كَانَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ» [أحمد ٤٦٠٥، وأبو داود ٦٣، والترمذي ٦٧، والنسائي ٥٢، وابن ماجه ٥١٧]، ويُحمل مطلق حديث بئر بضاعة الآتي على القيد في هذا الحديث.
[ ١ / ٢٥ ]
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، يسيرًا كان أو كثيرًا، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يُلقى فيها الحِيَض والنتن ولحوم الكلاب؟ فقال رسول الله ﷺ: «الماءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» [أحمد ١١٢٥٧، وأبو داود ٦٦، والترمذي ٦٦، والنسائي ٣٢٦].
وأما حديث القلتين، فهو مفهوم، والمفهوم لا عموم له، فلا يلزم أن يكون كل ما لم يبلغ القلتين ينجس، ولأن التقييد بالقلتين ذُكِر جوابًا لسؤال، والتخصيص إذا كان له سبب لم يَبْقَ حجة بالاتفاق، ولأن الحكم في الحديث عُلِّق بحمل الخبث، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
- فرع: (وَ) الماء (الجَارِي) في هذا الحكم (كَالرَّاكِدِ)؛ إن بلغ مجموع الجاري قلتين فلا ينجس إلا بالتغير، وإن لم يبلغ قلتين تنجس مجموعه بمجرد الملاقاة؛ لعموم ما سبق.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن الجاري لا ينجس قليله إلا بالتغير؛ لما تقدم.
- مسألة: (وَ) الماء (الكَثِيرُ) اصطلاحًا: (قُلَّتَانِ) من قلال هَجَرٍ فصاعدًا، (وَهُمَا) أي: القلتان: (مِائَةُ رِطْلٍ وَسَبْعَةُ أَرْطَالٍ وَسُبُعُ رِطْلٍ
[ ١ / ٢٦ ]
بِالدِّمَشْقِيِّ)، تساوي: خمسمائة رطل عراقي، والرطل العراقي بالمثاقيل يساوي ٩٠ مثقالًا، فـ (٥٠٠ رطل × ٩٠) = ٤٥ ألف مثقال.
والمثقال حرِّر الآن بالغرامات، فيساوي (٤.٢٥٠) غرامًا، فالقلتان: (٤.٢٥٠ × ٤٥ ألفًا) = ١٩١٢٥٠ غرامًا، = (١٩١،٢٥) كيلًا.
(وَ) الماء (اليَسِيرُ) اصطلاحًا: (مَا) كان (دُونَهُمَا) أي: دون القلتين.
- فرع: وجه التحديد بقلال هجر: ما روى الخطابي بإسناده إلى ابن جريج عن النبي ﷺ: «إذَا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ بقِلَالِ هَجَرٍ » [ابن عدي في الكامل ٨/ ٨٢، وهو ضعيف]، ولأنها مشهورة الصفة معلومة المقدار لا تختلف كالصِّيعانِ.