لاصحاب الإمام أحمد اصطلاحات متعددة في النقل لآرائه أو آراء غيره من المجتهدين في مذهبه، تختلف مدلولاتها ومفاهيمها فيصعب على القارئ في كتبهم فهمها ما لم يكن لديه علم بمعاني هذه الاصطلاحات وذلك مثل:
النص - التنبيه - الإيماء - الإشارة - الرواية - القول - التخريج - النقل - الوجه - الاحتمال - المذهب - ظاهر المذهب - التوقف - الروايتان - القولان - الوجهان.
وفيما يلي بيان المراد بهذه الاصطلاحات:
الأول: النص: وهو القول الصريح في الحكم بما لا يحتمل غيره (^٣).
الثاني: التنبيه: وهو القول الذي لم يصرح الإمام به في عبارة صريحة تحدد المراد بل فهم من عبارته بطريق اللزوم، مثل أن يسأل عن حكم فيسوق حديثا يدل عليه، ويحسنه ويقويه، ولا يصرح بهذا الحكم (^٤)، وهو يشمل الإيماء والإشارة والتوقف (^٥).
الثالث: الإيماء: وهو الإتيان بعبارة ليست صريحه في الحكم لكنه يفهم منها بطريق اللزوم - وهو داخل في معنى التنبيه، وذلك مثل: فهم الإجمال في قوله تعالى:
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ … (^٦) "الآية"﴾.
_________________
(١) المرجع السابق ١٢/ ٢٥٠ وآداب المفتى ٩٥.
(٢) الإنصاف ١٢/ ٢٥٠.
(٣) الإنصاف ١٢/ ٢٤٠ و١/ ٩.
(٤) أحمد بن حنبل لأبي زهرة / ٣٧٦.
(٥) المدخل /٥٥.
(٦) سورة الأنعام - ١٤٥.
[ ١ / ٤٧ ]
وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ (^١) …﴾ الآية.
من قول أحمد بعد سياقه للآيتين: "فلما نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، دلت أحكام رسول الله ﷺ على أن الآية ليست على ظاهرها، وأنه المعبر عما في كتاب الله تعالى، ومن لزم ظاهر الآية لزمه أن يبيح لحم الكلاب والهرر والفيل والفأر وغير ذلك مما نهي عنه. (^٢). فإنه لم يصرح بأن الآيتين من قبيل المجمل لكن كلامه يدل على ذلك.
الرابع الإشارة: وهي الإتيان بكلام يفهم منه حكم غير الحكم المصرح به فيه عن طريق اللزوم. وهي داخلة في معنى التنبيه كالإيماء.
الخامس: الرواية: وهي نص الإمام المنقول عنه.
قال ابن تيمية: "الروايات المطلقة هي نصوص الإمام أحمد" (^٣) ويدخل في الرواية قول أصحاب أحمد: وعنه لأن معناه وعن الإمام أحمد، لكنه اكتفى بالضمير اختصارًا لكونه معلومًا بين أصحابه والمشتغلين بمذهبه (^٤).
السادس: القول: وهو الحكم المنسوب إلى الإمام أحمد (^٥). ويشمل الوجه، والاحتمال، والتخريج، وقد يشمل الرواية (^٦) والفرق بين القول والرواية: أن الحكم المنصوص عن الإمام أحمد، أما القول فهو الحكم المنسوب إليه، وجهًا أو احتمالًا أو تخريجًا، وقد يكون نصًا فيشمل الرواية كما تقدم، فهو أعم من الرواية، إذ انها مقصورة على النص.
السابع: التخريج وهو: نقل الحكم من مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه، ولا يكون إلا إذا فهم المعنى (^٧).
_________________
(١) سورة المائدة - ٣.
(٢) العدة في أصول الفقه لأبي يعلى تحقيق الدكتور أحمد سمير ١/ ١٤٥ و١٤٧.
(٣) المسودة ٥٣٢ وانظر أحمد بن حنبل لأبي زهرة ٣٧٦.
(٤) المطلع ٤٦٠.
(٥) أحمد بن حنبل لأبي زهرة ٣٧٨.
(٦) الإنصاف ١/ ٦ و٧ والمسودة ٥٣٣.
(٧) الإنصاف ١/ ٦ و١٢/ ٢٥٧ والمدخل / ٥٦ والمسودة /٥٣٣.
[ ١ / ٤٨ ]
والفرق بين التخريج والقول أن القول يكون منسوبًا إلى الإمام على أنه قول له، أما التخريج فهو استخراج الحكم من أصوله الكلية (^١) فإن كان الحكم المخرج مأخوذًا من نصوص الإمام كان قولا له مخرجًا من نصوصه، وهذا على القول: بأن ما قيس على كلامه مذهب له، أما على منع ذلك فيكون وجهًا لمن خرجه، ولا ينسب إلى الإمام على أنه قول له (^٢).
والفرق بين التخريج والرواية: أن الرواية يكون الحكم فيها منصوصًا عن الإمام أما التخريج فإن الحكم فيه يكون مستنبطًا بالقياس، وقد يكون الحكم المخرج رواية بالتخريج. وهذا إذا كان مأخوذًا من نص الإمام، وقيل: إن ما قيس على كلامه مذهب له، أما إذا منع إثبات مذهبه بالقياس، أو كان الحكم مأخوذًا من قواعد الإمام أو إيمائه أو دليله أو تعليله أو سياق كلامه وقوته فلا يكون رواية بل يكون وجها لمن خرجه (^٣) كما تقدم في بيان الفرق بين القول والتخريج.
الثامن: النقل: وهو: نقل نصوص الإمام والتخريجُ عليها. وبعبارة أخرى، هو: نقل الحكم من مسألة منصوص على الحكم فيها إلى مسألة تشبهها لم ينص فيها على الحكم.
وهو يلتقي مع التخريج في أن كلا منهما نقل حكم من مسألة إلى مسألة مشابهة لها، وينفرد التخريج عنه في أنه يكون من نصوص الإمام أو غيرها من قواعده الكلية، أو قواعد الشرع أو العقل، لان حاصل معناه بناء فرع على أصل بجامع مشترك بينهما، أما النقل فهو مقصور على النقل من نصوص الإمام.
فالفرق بين النقل والتخريج العموم والخصوص من وجه، فالتخريج أعم، والنقل أخص (^٤).
_________________
(١) أحمد بن حنبل /٣٧٨.
(٢) المسودة ٥٣٢ وانظر المدخل / ٥٥ والإنصاف ١٢/ ٢٤٤ و٢٤٥.
(٣) المراجع السابقة.
(٤) المدخل ٥٣.
[ ١ / ٤٩ ]
التاسع: الوجه: وهو الحكم المستنبط بالقياس من مسألة إلى مسألة تشبهها، جاريًا على قواعد الإمام بأصوله، أو إيمائه، أو دليله أو تعليله. أو سياق كلامه وقوته (^١).
فإن كان الحكم مأخوذًا من نصوص الإمام ومخرجًا منها فهي روايات مخرجة له، ومنقولة من نصوصه في المسألة إلى ما يشبهها من المسائل، إن قيل: إن ما قيس على كلامه مذهب له، وإلا فهو وجه لمن خرجه رجه (^٢).
وهذا يظهر الفرق بين الوجه والرواية.
وأما الفرق بين الوجه والقول فهو كالفرق بين القول والتخريج وقد تقدم عند بيان معنى التخريج.
والفرق بين الوجه والتخريج: أن التخريج هو نقل الحكم من مسألة إلى مسألة بالقياس، أما الوجه فهو ذلك الحكم المنقول بالتخريج، فالتخريج هو طريق إثبات الوجه.
وإذا كان في المسألة التي نقل الحكم إليها نص عن الإمام يخالف الحكم المنقول صار في المسألة التي نقل الحكم إليها رواية منصوصة ورواية مخرجة، إذا قيل إن المخرج من نص الإمام مذهب له، وإلا صار فيها رواية عن الإمام ووجه لمن خرجه. وإن لم يكن فيها نص يخالف الحكم المخرج من نص الإمام في غيرها كان فيها وجه لمن خرجه، ولم يكن فيها رواية.
وإن اختلف الأصحاب في الحكم المخرج دون طريق التخريج صار فيها وجهان، ويمكن جعلها قولًا للإمام بالتخريج دون النقل لعدم أخذهما من النص، وهذا إذا علم مُستند التخريج، أما إذا لم يعلم فليس أحد الوجهين قولا مخرجًا للإمام ولا مذهبًا له (^٣).
العاشر: الاحتمال: وهو: قابلية المسألة لأن يقال فيها بحكم غير الحكم الذي
_________________
(١) المطلع / ٤٦٠ والمسودة /٥٣٢ والإنصاف ١٢/ ٢٥٦.
(٢) الإنصاف ١٢/ ٢٥٦ و٢٥٧ والمسودة /٥٣٢ والمدخل /٥٥.
(٣) المراجع السابقة.
[ ١ / ٥٠ ]
قيل فيها، لدليل مرجوع بالنسبة إلى دليل الحكم الأول أو مساو له (^١).
وهو بمعنى الوجه إلا أن الوجه مجزوم بالفتيا به، أما الإحتمال فهو كون المسألة صالحة لأن يكون فيها وجه (^٢) من غير أن يجزم بالفتوى بذلك الوجه المحتمل، فإن أفتى به صار وجهًا لمن أفتى به (^٣) ولا يكون الاحتمال إلا إذا فهم المعنى (^٤).
الحادي عشر: المذهب: لم أقف - بعد البحث - على تعريف دقيق لهذا الاصطلاح يحدد المراد منه، ولكن المتبادر أنه المعمول به في المذهب، سواء كان عن الإمام أو عن غيره من الأصحاب المجتهدين في مذهبه، وسواءٌ كان بنص أو إيماء أو تخريج (^٥).
الثاني عشر: ظاهر المذهب: الظاهر هو اللفظ المحتمل لمعنيين أحدهما الآخر وأحق باللفظ منه فيجب حله على أظهرهما ولا يجوز صرفه عنه إلا بما هو أقوى منه (^٦). وظاهر المذهب: هو المشهور في المذهب (^٧) ولا يقال ذلك إلا إذا كان هناك خلاف (^٨).
الثالث عشر: التوقف: وهو عدم القول في المسألة بحكم لتعارض الأدلة وتكافئها عند التوقف، وهو تخرج من الحكم وليس حكما.
قال ابن تيمية: "وأما التوقف فهو ترك الأخذ بالأول والثاني والنفي والإثبات إن لم يكن فيها (^٩) قول، لتعارض الأدلة وتكافئها عنده (^١٠) فله حكم
_________________
(١) المدخل / ٥٦ والمسودة / ٥٣٣ والإنصاف ١/ ٦ و١٢/ ٢٥٧.
(٢) المطلع / ٤٦١.
(٣) الإنصاف ١٢/ ٢٥٧ و١/ ٦.
(٤) الإنصاف ١/ ٦.
(٥) صفة الفتوى / ١١٣، والإنصاف ١٢/ ٢٦٦.
(٦) العدة في أصول الفقه تحقيق الدكتور أحمد سمير ١/ ١٤٠ و١٤١.
(٧) الإنصاف ١/ ٧ والمطلع ٤٦١.
(٨) الإنصاف ١/ ٧.
(٩) يعني في المسألة.
(١٠) يعني الإمام أحمد.
[ ١ / ٥١ ]
ما قبل الشرع من حظر أو إباحة أو وقف" (^١).
الرابع عشر: الروايتان تثنية رواية، وتقدم المعنى المراد بها. فإذا قيل: في المسألة روايتان، فإحداهما بنص والأخرى بإيماء أو تخريج من نص آخر أو بنص جهله منكره.
أما إذا قيل: هذه المسألة رواية واحدة، فالمراد النص (^٢) أي نص الإمام على حكمها.
الخامس عشر: القولان: تثنية قول، وتقدم المراد به. ويكونان بنص من الإمام كما ذكره أبو بكر عبد العزيز في زاد المسافر، أو أحدهما بنص والآخر بإيماء، وقد يكون مع أحدهما وجه أو تخريج أو احتمال بخلافه (^٣).
السادس عشر: الوجهان: تثنية وجه، وقد تقدم بيانه، وهو لا يكون إلا بالتخريج كما سبق.
فإذا قيل: في المسألة وجهان فإن المراد أنه ليس فيها نص عن الإمام، وإنما حكم أصحابه فيها بالتخريج، واختلف الاجتهاد فكان لكل اجتهاد فيها وجه.
وفي هذه الحالة يكون العمل بأصح الوجهين وأرجحها، سواء وقعا معًا أو لا، وسواءٌ كانا من واحد أو أكثر، وسواء علم التاريخ أو جهل (^٤) وهناك ألفاظ أخرى ذكرها ابن حمدان في صفة الفتوى فقال: "فقول أصحابنا: وغيرهم: المذهب كذا، قد يكون بنص الإمام أو بإيمائه أو بتخريجهم ذلك، واستنباطهم من قول أو تعليله.
وقولهم: على الأصح أو الصحيح أو الظاهر أو الأظهر أو المشهور أو الأشهر أو الأقوى أو الأقيس، فقد يكون عن الإمام أو بعض أصحابه، ثم الأصح عن الإمام أو الأصحاب، قد يكون شهرة، وقد يكون نقلا، وقد يكون
_________________
(١) المسودة /٥٣٣ والمدخل /٥٦.
(٢) المسودة /٥٣٢ والإنصاف ١٢/ ٢٥٧ والمدخل /٥٥
(٣) المسودة /٥٣٣ والمدخل ٥٥ والإنصاف ١٢/ ٢٥٧.
(٤) المراجع السابقة.
[ ١ / ٥٢ ]
دليلا أو عند القائل، وكذا القول في الأشهر، والأظهر والأولى، والأقيس، ونحو ذلك، وقولهم: وقيل، قد يكون رواية بالإيماء أو وجهًا، أو خريجًا، أو احتمالًا، ثم الرواية: قد تكون نصًا، أو إيماء، أو تخريجًا، أو احتمالًا، ثم الرواية: قد تكون نصًا، أو إيماء، أو تخريجًا من الأصحاب" (^١) انتهى.
_________________
(١) صفة الفتوى / ١١٣ و١١٤.
[ ١ / ٥٣ ]