يجوزُ لمن وجبت عليه الزكاةُ الصدقةُ تطوُّعًا قبلَ إخراجِها.
(وَيَجِبُ) إخراجُ الزكاةِ (عَلَى الفَوْرِ مَعَ إِمْكَانِهِ)؛ كنذرٍ مطلَقٍ وكفارةٍ؛ لأنَّ الأَمْرَ المطلَقَ يقتضي الفوريةَ، وكما لو طالب بها الساعي، ولأنَّ حاجةَ الفقيرِ ناجزةٌ، والتأخيرُ يُخلُّ بالمقصودِ، وربَّما أدَّى إلى الفواتِ، (إِلَّا لِضَرَرٍ)؛ كخوفِ رجوعِ ساعٍ، أو على نفسِه، أو مالِه ونحوِه.
وله تأخيرُها لأشدَّ حاجةٍ، وقريبٍ، وجارٍ، ولتعذرِ إخراجِها من المالِ لغَيْبةٍ (١) ونحوِها.
(فَإِنْ مَنَعَهَا)، أي: الزَّكاةَ (جَحْدًا لِوُجُوبِهَا؛ كَفَرَ عَارِفٌ بالحُكْمِ)، وكذا جاهلٌ عُرِّفَ فَعَلِمَ وأصَرَّ، وكذا جاحدٌ وجوبَها، ولو لم يمتنِعْ مِنْ أدائِها، (وَأُخِذَتْ) الزكاةُ منه، (وَقُتِلَ) لردَّتِه بتكذِيبِه للهِ ورسولِهِ (٢) بَعْدَ أن يُسْتَتابَ ثلاثًا.
(أَوْ بُخْلًا (٣)، أي: ومن منعها بخلًا مِنْ غيرِ جحدٍ (٤) (أُخِذَتْ
_________________
(١) في (ب): لغيبته.
(٢) في (ب): لرسوله.
(٣) قال في المطلع (ص ١٧٦): (بُخْلًا بها: هو بضم الباء وفتحها مع سكون الخاء وبفتحهما، ثلاث لغات).
(٤) في (ع) بدل قوله: (بخلًا مِنْ غيرِ جحدٍ): بخلاف من جحد.
[ ١ / ٥٦٠ ]
مِنْهُ) فقط قهرًا؛ كدَيْنِ الآدميِّ، ولم يَكفُر (١)، (وَعُزِّرَ) إنْ عَلِم تحريمَ ذلك، وقوتِل إن احتيج إليه، ووضعها الإمامُ مواضعَها، ولا يَكْفرُ بقتالِه للإمامِ.
ومَنِ ادَّعَى أداءَها، أو بقاءَ الحولِ، أو نَقْصَ النِّصابِ، أو أنَّ ما بيدِه لغيرِه ونحوَه؛ صُدِّقَ بِلَا يَمينٍ.
(وَتَجِبُ) الزكاةُ (فِي مَالِ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ)؛ لما تقدَّم (٢)، (فَيُخْرِجُهَا وَلِيُّهُمَا) في مالِهما؛ كصَرْفِ نفقةٍ واجبةٍ عليهما؛ لأنَّ ذلك حقٌ تدخُلُه النِّيابةُ، ولذلك صحَّ التوكيلُ فيه.
(وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا)، أي: الزكاةَ (إِلَّا بِنِيَّةٍ) من مكلَّفٍ؛ لحديثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٣)، والأَوْلَى قَرْنُ النِّيةِ بدفعٍ، وله تقديمُها بزمنٍ يسيرٍ؛ كصلاةٍ، فينوي الزكاةَ أو الصدقةَ الواجبةَ ونحوَ ذلك.
وإن (٤) أُخِذَت منه قَهْرًا؛ أجزأت ظاهِرًا.
وإن تعذَّر وصولٌ إلى المالكِ لِحَبْسٍ أو نحوِه فأخذها الإمامُ أو نائبُه؛ أجزأت ظاهِرًا وباطِنًا.
_________________
(١) قوله: (ولم يَكفُر) غير موجودة في (ع).
(٢) انظر صفحة الفقرة
(٣) تقدم تخريجه صفحة الفقرة
(٤) في (أ) و(ب) و(ع) و(ق): إذا.
[ ١ / ٥٦١ ]
(وَالأَفْضَلُ أَنْ يُفَرِّقَهَا بِنَفْسِهِ)؛ ليكونَ على يقينٍ مِنْ وصولِها إلى مستحِقِّها، وله دفعُها إلى الساعي.
ويُسنُّ إظهارُها، (وَ) أن (يَقُولَ عِنْدَ دَفْعِهَا هُوَ)، أي: مؤدِّيها (وَآخِذُهَا مَا وَرَدَ)، فيقولُ دافِعُها: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا» (١)، ويقولُ آخِذُها: (آجَرَك اللهُ فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبْقَيت، وجعله لك طَهورًا).
وإنْ وكَّلَ مسلمًا ثقةً جاز.
وأجزأت نيَّةُ مُوَكِّلٍ مع قُرْبٍ، وإلَّا نَوَى مُوَكِّلٌ عند دَفْعٍ لوكيلٍ، ووكيلٌ عند دَفْعٍ لفقيرٍ.
ومَن عَلِمَ أهلِيَّةَ آخِذٍ كُرِه إعلامُه بها، ومع عدم عادتِه لا يُجزِئُه الدفعُ له إلَّا إنْ أَعْلَمه (٢).
(وَالأَفْضَلُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ كُلِّ مَالٍ فِي فُقَرَاء بَلَدِهِ)، ويجوزُ نقلُها
_________________
(١) رواه ابن ماجه (١٧٩٧)، من طريق البختري بن عبيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنمًا، ولا تجعلها مغرمًا»، قال البوصيرى: (هذا إسناد ضعيف، البحتري متفق على تضعيفه)، وقال ابن عدي: (وروى عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قدر عشرين حديثًا عامتها مناكير)، وعَدَّ منها الذهبي هذا الحديث، وقال أبو نعيم: (روى عن أبيه عن أبى هريرة موضوعات)، وقال الألباني: (موضوع). ينظر: الكامل في الضعفاء ٢/ ٢٣٨، مصباح الزجاجة ٢/ ٨٨، ميزان الاعتدال ١/ ٢٩٩، الإرواء ٣/ ٣٤٣.
(٢) في (ب): علَّمه.
[ ١ / ٥٦٢ ]
إلى دونِ مسافةِ قَصْر (١) مِن بلدِ المالِ؛ لأنَّه في حكمِ بلدٍ واحدٍ.
(وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا) مطلقًا (إِلَى مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ)؛ لقولِه ﵇ لمعاذٍ لما بعثه لليمنِ: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ قَدْ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (٢)، بخلافِ نذرٍ، وكفارةٍ، ووصيةٍ مطلقةٍ.
(فَإِنْ فَعَلَ)، أي: نَقَلَها مسافةَ (٣) قصرٍ؛ (أَجْزَأَتْ)؛ لأنَّه دَفَعَ الحقَّ إلى مستحِقِّه، فبرِئَ من عُهْدتِه، ويأثمُ، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) المالُ (فِي بَلَدٍ) أو مكانٍ (لَا فُقَرَاءَ فِيهِ، فَيُفَرِّقُهَا فِي أَقْرَبِ البِلَادِ إِلَيْهِ)؛ لأنَّهم أَوْلَى، وعليه مؤنةُ نقلٍ، ودفعٍ، وكَيْلٍ ووزنٍ.
(فَإِنْ كَانَ) المالكُ (فِي بَلَدٍ (٤) وَمَالُهُ فِي) بلدٍ (آخَرَ؛ أخْرَجَ زَكَاةَ المَالِ فِي بَلَدِهِ)، أي: بلدٍ به المالُ كلَّ الحولِ أو أكثرِه، دونَ ما نقص عن ذلك؛ لأنَّ الأطماعَ إنَّما تتعلق به غالبًا بمضي زمنِ الوجوبِ أو ما قارَبَه، (وَ) أخرَجَ (فِطْرَتَهُ فِي بَلَدٍ هُوَ فِيهِ)، وإن لم يكن له به مالٌ؛ لأنَّ الفِطرةَ إنَّما تتعلَّقُ بالبدنِ كما تقدَّم (٥).
_________________
(١) في (ق): القصر.
(٢) رواه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩)، من حديث ابن عباس في قصة بعث معاذ إلى اليمن.
(٣) في (ب): إلى مسافة.
(٤) في (ع): بلده.
(٥) انظر صفحة
[ ١ / ٥٦٣ ]
ويجبُ على الإمامِ بَعْثُ السُّعاةِ قُرْبَ زمنِ الوجوبِ لقبضِ زكاةِ المالِ الظاهرِ؛ كالسائمةِ والزرعِ والثمارِ؛ لفِعْلِه ﵇، وفِعْلِ الخلفاءِ ﵃ بعدَه (١).
(وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ لِحَوْلَيْنِ فَأَقَلَّ)؛ لما روى أبو عبيدٍ في الأموالِ بإسنادِه عن عليٍّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَجَّلَ مِنَ العَبَّاسِ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ» (٢)،
_________________
(١) رواه البخاري (٧١٦٣)، ومسلم (١٠٤٥)، من حديث عبد الله بن السعدي قال: استعملني عمر بن الخطاب ﵁ على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه، أمر لي بعمالة، فقلت: إنما عملت لله، وأجري على الله، فقال: خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول الله ﷺ فعملني، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله ﷺ: «إذا أعطيت شيئًا من غير أن تسأل، فكل وتصدق».
(٢) رواه أبو عبيد في الأموال (١٨٨٦)، بهذا اللفظ، ورواه أحمد (٨٢٢)، وأبو داود (١٦٢٤)، والترمذي (٦٧٨)، وابن ماجه (١٧٩٥)، وابن الجارود (٣٦٠)، والحاكم (٥٤٣١)، بلفظ: «أن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك»، جميعهم من طريق حجية بن عدي، عن علي، وصحَّحه ابن الجارود، والحاكم، والذهبي، وحسنه البغوي، والنووي، والألباني. وقد روي هذا الحديث عن الحسن بن مسلم بن نيَّاق مرسلًا، ورجَّحه أبو داود، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، والبيهقي، وقال الأثرم: (سمعت أبا عبد الله ذُكر له هذا الحديث - يعني: حديث علي السابق - فضعَّفه، وقال: ليس ذلك بشيء). وللحديث المرسل شواهد، منها: حديث أبي البختري عن عليٍّ عند البيهقي (٧٣٦٧)، وأعله بالانقطاع بين أبي البختري وعلي. حديث أبي رافع عند الدارقطني (٢٠١٤)، والطبراني في الأوسط (٧٨٦٢)، وقال: (لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل إلا شريك)، وهما ضعيفان. وغيرها من الشواهد، ولذا قال ابن حجر: (وليس ثبوت هذه القصة فى تعجيل صدقة العباس ببعيد فى النظر بمجموع هذه الطرق)، ووافقه الألباني. ينظر: علل الحديث ٢/ ٥٩٦، علل الدارقطني ٥/ ١٥٦، السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ١٨٦، شرح السنة للبغوي ٦/ ٣٢، المجموع ٦/ ١٤٥، الفروسية لابن القيم ص ٢٥٩، فتح الباري ٣/ ٣٣٤، الإرواء ٣/ ٣٤٦.
[ ١ / ٥٦٤ ]
ويعضُدُه روايةُ مسلمٍ: «فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا» (١)، وإنما يجوزُ تعجيلُها إذا كَمُل النِّصابُ، لا عمَّا يستفيدُه.
وإذا تمَّ الحَوْلُ والنِّصابُ ناقصٌ قدْرَ ما عَجَّله؛ صحَّ وأجزأه؛ لأنَّ المعجَّلَ كالموجودِ في مِلكِه، فلو عَجَّل عن مائتي شاةٍ: شاتين، فنُتِجَت عند الحولِ سخلةً؛ لزمته ثالثة.
وإنْ مات قابضُ معجَّلة، أو استغنى قبل الحولِ؛ أجزأت، لا إنْ دفَعَها إلى مِنْ يَعلمُ غِناه فافتَقَر؛ اعتبارًا بحالِ الدفعِ.
(وَلَا يُسْتَحَبُّ) تعجيلُ الزكاةِ.
ولمن أخذ الساعي منه زيادةً أنْ يَعتدَّ بها مِن قابلةٍ (٢)، قال الموفق: (إن نوى التعجيلَ) (٣).
_________________
(١) رواه مسلم (٩٨٣)، ورواه البخاري أيضًا (١٤٦٨)، من حديث أبي هريرة.
(٢) في (ب): قابل.
(٣) المغني (٣/ ١٦).
[ ١ / ٥٦٥ ]