أي: تطهيرِ مَواردِها.
(يُجْزِئُ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ كُلِّهَا)، ولو مِن كلبٍ أو خنزيرٍ (١) (إِذَا كَانَتْ عَلَى الأَرْضِ) وما اتَّصَل بها مِن الحيطانِ والأحواضِ والصخرِ؛ (غَسْلةٌ وَاحِدَةٌ تَذْهَبُ بَعَيْنِ النَّجَاسَةِ)، ويذهبُ لونُها وريحُها، فإن لم يذهبَا لم تَطهرْ، ما لم يَعجزْ.
وكذا إذا غُمِرت بماءِ المطرِ والسيول؛ لعدمِ اعتبارِ النيةِ لإزالتِها.
وإنما اكْتُفِيَ بالمرَّةِ (٢)؛ دفعًا للحرجِ والمشقةِ؛ لقولِه ﷺ: «أَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ (٣) سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» متفقٌ عليه (٤).
فإن كانت النجاسةُ ذاتَ أجزاءٍ متفرِّقةٍ؛ كالرِّمَمِ، والدَّمِ الجافِّ، والرَّوثِ، واختلطت بأجزاءِ الأرضِ؛ لم تَطهُرْ بالغَسلِ، بل بإزالةِ أجزاءِ المكانِ، بحيثُ يُتَيقَّنُ زوالُ أجزاءِ النجاسةِ.
_________________
(١) في (أ): من خنزير.
(٢) في (ب) و(ق): بالمرة فيها.
(٣) في (ب): بول الأعرابي.
(٤) رواه البخاري (٢٢٠)، من حديث أبي هريرة، ومسلم (٢٨٤)، من حديث أنس.
[ ١ / ١٦٩ ]
(وَ) يُجزئُ في نجاسةٍ (عَلَى غَيْرِهَا)، أي: غيرِ أرضٍ (١) (سَبْعُ) غسلاتٍ، (إِحْدَاهَا (٢)، أي: إحدى الغسلاتِ - والأُولى أَوْلَى - (بِتُرَابٍ) طَهورٍ (فِي نَجَاسَةِ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ) وما تَولَّد منهما، أو مِن أحدِهما؛ لحديثِ: «إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» رواه مسلمٌ عن أبي هريرةَ مرفوعًا (٣).
ويُعْتبرُ ماءٌ يُوصِل (٤) الترابَ إلى المحلِّ ويستوعِبُه به، إلا فيما يَضُرَّ؛ فيكفي مُسَمَّاه.
(وَيُجْزِئُ عَنِ التُّرَابِ: أُشْنَانٌ (٥) وَنَحْوُهُ)، كالصابونِ (٦) والنُّخالةِ.
ويحرُمُ استعمالُ مطعومٍ في إزالتِها.
(وَ) يُجزئُ (فِي نَجَاسَةِ غَيْرِهِمَا)، أي: غيرِ الكلبِ والخنزيرِ أو ما تولَّد منهما أو مِن أحدِهما، (سَبْعُ) غسلاتٍ، بماءٍ طهورٍ، ولو غيرَ مُباحٍ، إن أنْقَتْ، وإلا فحتى تُنْقِي، مع حتٍّ وقرْصٍ لحاجةٍ،
_________________
(١) في (ح) و(ق): الأرض.
(٢) في (ق): أحدها.
(٣) رواه مسلم (٢٧٩).
(٤) في (ح) و(ب): ما يوصل.
(٥) الأشنان: فيه لغتان: ضم الهمزة وكسرها، وهي أصلية، ويسمى بالعربية، الحُرُضُ، تغسل به الثياب والأيدي. ينظر: المطلع ص ٥٢، تاج العروس ٤٣/ ١٨٠.
(٦) في (ب): كصابون.
[ ١ / ١٧٠ ]
وعَصْرٍ مع إمكانٍ، كلَّ مرةٍ خارِجَ الماءِ، فإن لم يُمكِن عصرُه فبِدقِّهِ وتَقْليبِه أو تَثْقيلِه كلَّ غسلةٍ حتى يذهبَ أكثرُ ما فيه مِن الماءِ، ولا يضرُّ بقاءُ لونٍ، أو ريحٍ، أو هما (١) عجزًا، (بِلَا تُرَابٍ)؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «أُمِرْنَا بِغَسْلِ الأَنْجَاسِ سَبْعًا» (٢)،
فيَنصرفُ إلى أمرِه ﷺ. قاله في المبدعِ (٣) وغيرِه (٤).
وما تَنجَّس بغَسلةٍ يُغسلُ عددَ ما بَقي بعدَها مع ترابٍ في نحوِ نجاسةِ كلبٍ إن لم يَكُن استُعمل.
(وَلَا يَطْهُرُ مُتَنَجِّسٌ) ولو أرضًا (بِشَمْسٍ، وَلَا رِيْحٍ، وَلَا دَلْكٍ)، ولو أسفلَ خُفٍّ أو حذاءٍ، أو ذَيْلَ امرأةٍ، ولا صَقيلٌ بمَسْحٍ.
_________________
(١) سقطت من (أ).
(٢) قال الألباني: (لم أجده بهذا اللفظ). ينظر: إرواء الغليل ١/ ١٨٦. وقد روى أحمد (٥٨٨٤)، أبو داود (٢٤٧)، من طريق أيوب بن جابر، عن عبد الله بن عصمة، عن ابن عمر أنه قال: (كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرار، وغسل البول من الثوب سبع مرار، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمسًا، والغسل من الجنابة مرة، وغسل البول من الثوب مرة). قال الذهبي: (ابن عصمة واه، وأيوب فيه ضعف، وقيل: أيوب أضعف من ابن عصمة)، وضعَّفه ابن قدامة بأيوب بن جابر فقط، قال ابن الجوزي: (هذا حديث لا يصح)، وضعَّفه النووي والألباني. ينظر: خلاصة الأحكام ١/ ١٧٨، تنقيح التحقيق لابن عبدالهادي ١/ ٨٨، تنقيح التحقيق للذهبي ص ٢٥، الإرواء ١/ ١٨٦.
(٣) (١/ ٢٠٦).
(٤) المغني (١/ ٤٠).
[ ١ / ١٧١ ]
(وَلَا) يَطهرُ متنجِّسٌ بـ (اسْتِحَالَةٍ)، فرَمادُ النجاسةِ، وغبارُها، وبخارُها، ودودُ جُرُح، وصراصِرُ كُنُفٍ، وكلبٌ وَقَع في ملاَّحةٍ صار (١) مِلحًا، ونحوُ ذلك؛ نَجِس، (غَيْرَ الخَمْرَةِ) إذا انقلبت بنفسِها خلًّا، أو بنقلٍ لا لقصدِ تخليلٍ، ودَنُّها مثلُها؛ لأنَّ نجاستَها لشدَّتِها المُسكِرةِ وقد زالت، كالماءِ الكثيرِ إذا زالَ تغيُّرُه بنفسِه، والعَلَقةِ إذا صارت حيوانًا طاهرًا.
(فَإِنْ خُلِّلَتْ)، أو (٢) نُقِلَت لقصدِ التخليلِ؛ لم تَطهرْ.
والخلُّ المباحُ: أن يُصَبَّ على العنبِ أو العصيرِ خلٌّ قبلَ غَليانِه حتى لا يَغْلي.
ويُمنَعُ غيرُ خَلَّالٍ مِن إمساكِ الخمرةِ لتُخَلَّل.
(أَوْ تَنَجَّسَ دُهْنٌ مائعٌ)، أو عجينٌ، أو باطِنُ حَبٍّ، أو إناءٌ تَشرَّبَ النجاسةَ، أو سكِّينٌ سُقِيَتْهَا؛ (لَمْ يَطْهُرْ)؛ لأنَّه لا يُتحقَّقُ وصولُ الماءِ (٣) إلى جميعِ أجزائِه.
وإن كان الدُّهنُ جامدًا ووقعت فيه نجاسةٌ؛ أُلْقِيَت وما حولها، والباقي طاهرٌ، فإن اختلط ولم يَنضبطْ؛ حَرُم.
_________________
(١) في (ب): فصار.
(٢) في (ب): أي.
(٣) سقط هنا من الأصل، من قوله: (وصول الماء)، إلى قوله في باب الحيض: (وإن جاءت ببينة من بطانة أهلها).
[ ١ / ١٧٢ ]
(وَإِنْ خَفِيَ مَوْضِعُ نَجَاسَةٍ) في بدنٍ، أو ثوبٍ، أو بُقعةٍ ضيِّقةٍ وأراد الصلاةَ؛ (غَسَلَ) وجوبًا (حَتَّى يَجْزِمَ بِزَوَالِهِ)، أي: زوالِ النجسِ؛ لأنَّه مُتَيَقَّنٌ، فلا يَزولُ إلا بيقينِ الطهارةِ، فإن لم يَعْلَمْ جهتَها مِن الثوبِ؛ غَسَله كلَّه، وإن علِمَها في أحدِ كُمَّيه ولا يَعرفُه؛ غَسَلهما.
ويُصلِّي في فضاءٍ واسعٍ حيثُ شاء، بلا تحرٍّ (١).
(ويَطْهُرُ بَوْلُ) وقيءُ (غُلَامٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ) لشهوةٍ (بِنَضْحِهِ)، أي: غَمْرِه بالماءِ، ولا يحتاجُ لِمَرسٍ وعصْرٍ.
فإن أكَلَ الطعامَ غُسِلَ كغائطِه، وكبولِ الأنثى والخنثى، فَيُغسلُ كسائرِ النجاساتِ، قال الشافعي: (لم يَتبيَّن لي فرقٌ مِن السنةِ بينهما) (٢)، وذكر بعضُهم: أنَّ الغلامَ أصلُه مِن الماءِ والترابِ، والجاريةُ مِن اللحمِ والدمِ، وقد أفاده ابنُ ماجه في سننِه (٣)، وهو
_________________
(١) في (ب): تحري.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٨٣).
(٣) رواه ابن ماجه (٥٢٥)، عن أبي اليمان المصري قال: سألت الشافعي عن حديث النبي ﷺ: «يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية»، والماءان جميعًا واحد، قال: (لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم). ثم قال لي: فهمت؟، أو قال: لقنت؟ قال: قلت: لا. قال: (إن الله تعالى لما خلق آدم خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم). قال لي: فهمت؟ قلت: نعم. قال لي: (نفعك الله به). وهذا الأثر من زيادات أبي الحسن بن سلمة القطان راوي السنن عن ابن ماجه، وأبو اليمان المصري لا يُعرف حاله، فالسند عن الشافعي ضعيف، ولذا قال في المبدع: (وهو غريب). ينظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة ١٣/ ١١٤١.
[ ١ / ١٧٣ ]
غريبٌ. قاله في المبدعِ (١).
ولعابُهُما طاهرٌ.
(وَيُعْفَى فِي غَيْرِ مَائِعٍ وَ) في غيرِ (مَطْعُومٍ عَنْ يَسِيرِ دَمٍ نَجِسٍ)، ولو حيضًا، أو نفاسًا، أو استحاضةً، وعن يسيرِ قَيْحٍ وصديدٍ (مِنْ حَيْوَانٍ طَاهِرٍ) لا نجسٍ، ولا إن كان من سبيلٍ، قُبُلٍ أو دبرٍ.
واليسيرُ: ما لا يَفْحُشُ في نفسِ كلِّ أحدٍ بحسَبِه.
ويُضَّمُّ متفرقٌ بثوبٍ، لا أكثرَ.
ودمُ السمكِ، وما لا نَفْسَ له سائلةٌ؛ كالبَقِّ والقَمْلِ، ودمُ الشهيدِ عليه، وما يَبقى في اللَّحمِ وعروقِه ولو ظهرت حُمْرَته؛ طاهرٌ.
(وَ) يُعفى (عَنْ أَثَرِ اسْتِجْمَارٍ) بمحلِّه بعدَ الإنقاءِ واستيفاءِ العددِ.
(وَلَا يَنْجُسُ الآدَمِيُّ بِالمَوْتِ)؛ لحديثِ: «المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ» متفقٌ عليه (٢).
_________________
(١) (١/ ٢١٢).
(٢) رواه البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١)، من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ١٧٤ ]
(وَمَا لَا نَفْسَ)، أي: دم، (لَهُ (١) سَائِلَةٌ)، كالبَقِّ والعقربِ وهو (مُتَولِّدٌ مِنْ طَاهِرٍ)؛ لا ينجُسُ بالموتِ، بَرِّيًا كان أو بحريًا، فلا ينجُسُ الماءُ اليسيرُ بموتِهما (٢) فيه.
(وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَرَوْثُه، وَمَنِيُّهُ)؛ طاهرٌ؛ «لِأَنَّهُ ﷺ: أَمَرَ العُرَنِيِّينَ أَنْ يَلْحَقُوا بِإبلِ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِها وَأَلْبَانِها» (٣)، والنَّجِسُ لا يُباحُ شُرْبُه، ولو أُبيح للضرورةِ لأمرِهِم بغَسْلِ أثرِه إذا أرادوا الصلاةَ.
(وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ) طَاهرٌ؛ لقولِ عائشةَ: «كُنْتُ أَفْرُكُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ، ثُمَّ يَذْهَبُ فَيُصَلِّي بِهِ» متفقٌ عليه (٤).
فعلى هذا: يُستحبُّ فَرْكُ يابسِه، وغَسلُ رَطْبِه.
(وَرُطُوبَةُ فَرْجِ المرْأَةِ) -وهو مسلكُ الذَّكَرِ-؛ طاهرةٌ (٥)، كالعَرَقِ، والرِّيقِ، والمُخاطِ، والبَلْغَمِ ولو ازْرَقَّ، وما سَال مِن الفمِ وقتَ النومِ.
_________________
(١) في (أ) و(ب): له، أي: دم. مكان قوله: (أي: دم، له).
(٢) في (أ) و(ب) و(ق): بموتها.
(٣) رواه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١)، من حديث أنس بن مالك.
(٤) رواه مسلم (٢٨٨) بهذا اللفظ، ورواه البخاري (٢٣٠) بلفظ الغسل. قال ابن حجر: (لم يخرج البخاري حديث الفرك، بل اكتفى بالإشارة إليه في الترجمة). ينظر: فتح الباري ١/ ٣٣٢.
(٥) في (ب) و(ق): طاهر.
[ ١ / ١٧٥ ]
(وَسُؤْرُ الهِرَّةِ وَمَا دُونَها فِي الخِلْقَةِ طاهرٌ) غيرُ مكروهٍ، غيرَ دجاجةٍ مُخَلَّاةٍ.
والسُّؤرُ - بضمِّ السينِ - مهموزًا: بقيَّةُ طعامِ الحيوانِ وشرابِه، والهِرُّ: القِطُّ.
وإنْ أَكَل هو أو طفل ونحوُهما نجاسةً ثم شَرِب - ولو قبلَ أن يَغِيبَ - مِن مائعٍ؛ لم يُؤَثِّرْ؛ لعمومِ البلوى، لا عن نجاسةٍ بيدِها أو رجلِها.
ولو وقع ما يَنْضَمُّ دُبُرُه في مائعٍ ثم خَرَج حيًّا؛ لم يُؤثِّرْ.
(وسِبَاعُ البَهَائِمِ وَ) سباعُ (الطَّيْرِ) التي هي أكبرُ مِن الهرِّ خِلْقَةً، (وَالحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَالبَغْلُ مِنْهُ)، أي: مِن الحمارِ الأهلي لا الوحشي؛ (نَجِسَةٌ)، وكذا جميعُ أجزائِها وفضلاتِها؛ لأنَّه ﵇ لمَّا سُئل عن الماءِ، وما يَنُوبُه مِن السباعِ والدوابِ، فقال: «إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» (١)، فمفهومُه: أنه يَنجُسُ إذا لم يَبلُغْهما، وقال في الحُمُرِ يومَ خيبرٍ: «إِنَّها رِجْسٌ» متفقٌ عليه (٢)، والرِّجسُ: النجسُ.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص
(٢) رواه البخاري (٤١٩٨)، ومسلم، (١٩٤٠)، من حديث أنس بن مالك.
[ ١ / ١٧٦ ]