هي الأوعيةُ، جمَعُ إناءٍ، لمَّا ذَكَر الماءَ ذَكَر ظَرْفَه.
(كُلُّ إِناءٍ طَاهِرٍ)؛ كالخشبِ والجلودِ والصُّفْرِ (١) والحديدِ، (وَلَوْ) كان (ثَمِينًا)؛ كجوهرٍ وزُمُرُّدٍ؛ (يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ واستِعْمَالُه) بلا كراهةٍ، غيرَ جلدِ آدميٍّ، وعَظمِه؛ فيحرمُ.
(إلَّا آنِيَةَ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، ومُضَبَّبًا بِهِما)، أو بأحدِهما غيرَ ما يأتي، وكذا المُمَوَّهُ، والمَطْلِيُّ، والمُطَعَّمُ، والمُكْفَتُ بأحدِهما؛ (فَإِنَّه يَحرُمُ اتِّخاذُها)؛ لما فيه مِن السَّرفِ والخُيلاءِ وكسرِ قلوبِ الفقراءِ، (وَاسْتِعْمَالُها) في أكلٍ وشربٍ وغيرِهما، (وَلَو عَلَى أُنْثَى)؛ لعمومِ الأخبارِ وعدمِ المخصِّصِ، وإنَّما أُبيح التحلِّي للنساءِ؛ لحاجتِهِنَّ إلى التزيُّنِ للزوجِ.
وكذا الآلاتُ كلُّها؛ كالدواةِ، والقلمِ، والمُسْعَطِ (٢)، والقِنديلِ، والمِجْمَرةِ، والمِدْخَنةِ، حتى المِيلِ ونحوِه.
(وَتَصِحُّ الطَّهارَةُ مِنْهَا)، أي: مِن الآنيةِ المحرَّمةِ، وكذا الطَّهارةُ
_________________
(١) الصُّفر -بالضم-: نوع من النحاس تعمل منه الأواني، وأبو عبيدة يقوله: بالكسر. ينظر: الصحاح ٢/ ٧١٤، المطلع ١٦٩.
(٢) قال في المصباح المنير (١/ ٢٧٧): (المُسعط -بضم الميم-: الوعاء يجعل فيه السعوط، وهو من النوادر التي جاءت بالضم، وقياسها الكسر؛ لأنه اسم آلة).
[ ١ / ٨٧ ]
بها، وفيها، وإليها، وكذا آنيةٌ مغصوبةٌ.
(إِلَّا ضَبَّةً يَسِيرَةً) عُرفًا، لا كثيرةً (١)، (مِنْ فِضَّةٍ) لا ذهبٍ، (لِحَاجَةٍ)، وهي أنْ يتعَلَّقَ بها غرضٌ (٢) مِن (٣) غيرِ الزينةِ فلا بأس بها؛ لما روى البخاري عن أنسٍ ﵁: «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» (٤).
وعُلِمَ منه: أنَّ المُضبَّبَ بذهبٍ حرامٌ مُطلقًا، وكذا المُضبَّبُ بفضةٍ لغيرِ حاجةٍ، أو بِضبَّةٍ كبيرةٍ عُرفًا ولو لحاجةٍ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: «مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاء ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ (٥) مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» رواه الدارقطني (٦).
_________________
(١) في (ب): كبيرة.
(٢) في (ب): غرض صحيح.
(٣) سقطت من (أ) و(ب).
(٤) رواه البخاري (٣١٠٩). والشَّعب: قال القسطلاني: (بفتح الشين المعجمة، أي: الصدع). ينظر: إرشاد الساري ٥/ ٢٠٠.
(٥) سقطت من (أ) و(ق).
(٦) رواه الدارقطني (٩٦)، والبيهقي (١٠٨)، من طريق زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر. والحديث أعلَّه الذهبي وابن حجر والألباني، وضعَّفه النووي ابن القطان، وقال: (زكريا - أي: ابن إبراهيم بن عبد الله بن مُطيع - وأبوه لا يعرف لهما حال)، وضعَّف إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية. وقال الحاكم: (واللفظة: «أو إناء فيه شيء من ذلك» لم نكتبها إلا بهذا الإسناد). قال البيهقي: (المشهور عن ابن عمر موقوفًا عليه)، ثم روى الموقوف (١٠٩)، من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: «أنه كان لا يشرب في قدح فيه حلقة فضة، ولا ضبة فضة»، قال ابن حجر عن الموقوف: (بسند على شرط الصحيح). ينظر: علوم الحديث للحاكم ص ١٣١، خلاصة الأحكام ١/ ٨١، مجموع الفتاوى ٢١/ ٨٥، تنقيح التحقيق لابن عبدالهادي ١/ ١٤٣، التلخيص الحبير ١/ ٢١٤، فتح الباري ١/ ٨٧، الإرواء ١/ ٧٠.
[ ١ / ٨٨ ]
(وَتُكْرَهُ مُبَاشَرَتُها)، أي: الضبَّةِ المباحةِ (لِغَيرِ حَاجَةٍ)؛ لأنَّ فيه (١) استعمالًا للفضةِ، فإن احتاج إلى مباشرتِها، كتَدفُّقِ الماءِ أو نحوِ ذلك؛ لم يُكره.
(وتُبَاحُ آنيةُ الكُفَّارِ) إن لم تُعْلَم نجاستُها، (وَلَوْ لَمْ تَحِلَّ ذَبَائِحُهُم)؛ كالمجوسِ؛ لأنَّه «ﷺ تَوَضَأَ مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ» متفقٌ عليه (٢).
(وَ) تباحُ (ثِيَابُهم)، أي: ثيابُ الكفَّارِ، ولو وَلِيَتْ عوراتِهم كالسَّرَاويلِ، (إِنْ جُهِلَ حَالُهَا) ولم تُعلمْ نجاستُها؛ لأنَّ الأصلَ الطَّهارةُ، فلا تَزولُ بالشكِّ.
وكذا ما صَبَغوه أو نَسَجوه، وآنيةُ مَن لابَسَ النجاسةَ كثيرًا؛
_________________
(١) في (أ): فيها.
(٢) رواه البخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢)، من حديث عمران بن حصين في حديث طويل، اختصره المؤلف تبعًا للمجد في المنتقى وابن عبدالهادي في المحرر، ولم يُصِبْ مَن وهَّم المجد ومن تبعه في ذكره، بل الحديث فيه اغتسال بعض الصحابة من الجنابة بهذا الماء، ففيه: أن النبي ﷺ: «أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: «اذهب فأفرغه عليك»، وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها».
[ ١ / ٨٩ ]
كمدمنِ الخمرِ، وثيابُهم.
وبدنُ الكافرِ طاهرٌ، وكذا طعامُه وماؤُه.
لكن تُكره الصلاةُ في ثيابِ المرضِعِ، والحائضِ، والصبي ونحوِهم.
(وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ مَيْتَةٍ بِدِباغٍ)، رُوِيَ عن عمرَ (١)، وابنِه (٢)، وعائشةَ (٣)، وعمرانَ بنِ حُصَيْنٍ ﵃ (٤).
وكذا لا يَطهرُ جِلدُ غيرِ مأكولٍ بذكاةٍ؛ كلَحْمِهِ.
(ويُبَاحُ اسْتِعْمَالُهُ)، أي: استعمالُ الجلدِ (بَعْدَ الدَّبْغِ) بطاهرٍ
_________________
(١) رواه سعيد بن منصور (٢٧٤٧)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٩٣٩٠)، وفي إسناده عبدالرحمن بن زياد الأفريقي، ضعَّفه ابن حجر. ينظر: تقريب التهذيب ص ٣٤٠.
(٢) رواه ابن أبي شيبة (٢٤٧٦٥) عن مجاهد، قال: أبْصَر ابن عمر على رجل فروًا فأعجبه لِينه، فقال: «لو أعلم هذا ذُكِّيَ، لسرَّني أن يكون لي منه ثوب»، وإسناده صحيح.
(٣) رواه عبد الرزاق (١٩٩)، من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر، أن محمد بن الأشعث، كلَّم عائشة في أن يتخذ لها لحافًا من الفراء، فقالت: «إنه ميتة ولست بلابسة شيئًا من الميتة» قال: فنحن نصنع لك لحافًا ندبغ وكرهت أن تلبس من الميتة. وإسناده صحيح.
(٤) رواه ابن المنذر في الأوسط (٨٥٠)، بإسناده عن الأشعث، عن محمد، قال: «كان ممن يكره الصلاة في الجلد إذا لم يكن ذكيًا عمر، وابن عمر، وعائشة، وعمران بن حصين، وابن جابر».
[ ١ / ٩٠ ]
منشفٍ للخَبَثِ، قال في الرعايةِ: (ولا بُدَّ فيه من زوالِ الرائحةِ الخبيثةِ) (١)، وجَعْلُ المُصرانِ (٢) والكَرشِ (٣) وَتَرًا دباغٌ، ولا يحصُلُ بتَشْمِيسٍ ولا تَتْرِيبٍ، ولا يفتقِرُ إلى فِعْلِ آدميٍّ، فلو وَقَع في مَدبَغةٍ فاندبغَ؛ جاز استعمالُه، (فِي يَابِسٍ) لا مائعٍ، ولو وَسِع قُلَّتين مِن الماءِ، إذا كان الجلدُ (مِنْ حَيْوَانٍ طَاهِرٍ فِي الحَيَاةِ)، مأكولًا كان كالشاةِ، أوْ لَا كالهِرَّةِ (٤).
أما جلودُ السِّباعِ؛ كالذِّئبِ ونحوِه مما خِلقَتُه أكبرُ مِن الهِرِّ ولا يُؤكلُ؛ فلا يُباحُ دبغُه، ولا استعمالُه قبلَ الدَّبغِ ولا بعدَه، ولا (٥) يصحُّ بيعُه.
ويباحُ استعمالُ مُنْخُلٍ (٦) مِنْ شعرٍ نجسٍ في يابسٍ.
(وَلَبَنُهَا (٧)، أي: لبنُ الميتةِ، (وَكُلُّ أَجْزَائِهَا)؛ كقَرْنِها،
_________________
(١) لم نجده في الرعاية الصغرى، ولعله في الكبرى وهو غير مطبوع. وينظر: المبدع ١/ ٥٢.
(٢) قال في المطلع (ص ٤٧٣): (المصران -بضم الميم-: جمع مصير، وهو المعاء، كرغيف ورغفان، ثم المصارين: جمع الجمع).
(٣) قال في المطلع (ص ٤٧٣): (الكرش: بفتح أوله وكسر ثانيه وسكونه: لكل مجترٍّ بمنزلة المعدة للإنسان، وهي مؤنثة).
(٤) في (أ) و(ب) و(ق): كالهر.
(٥) في (أ) و(ق): فلا.
(٦) قال في كشاف القناع (١/ ٥٦): (مُنخُل: بضم الميم والخاء المعجمة).
(٧) في (أ) و(ب) و(ق): وعظم الميتة ولبنها.
[ ١ / ٩١ ]
وظُفُرها، (١) وعصَبِها، وعظمِها (٢)، وحافِرِها، وإِنفَحَتِها (٣)، وجلدتِها؛ (نَجِسَةٌ)، فلا يصحُّ بيعُها، (غَيْرَ شَعْرٍ (٤) وَنَحْوِه)؛ كصوفٍ، ووَبَرٍ، وريشٍ مِن طاهرٍ في حياةٍ (٥)، فلا ينجسُ بموتٍ، فيجوزُ استعمالُه.
ولا ينجُسُ باطنُ بيضةِ مَأكولٍ، صَلُبَ قِشرُها بموتِ الطائرِ.
(وَمَا أُبِيْنَ مِنْ) حيوانٍ (حَيٍّ فَهُوَ كَمَيْتَتِهِ)، طهارةً ونجاسةً، فما قُطِعَ مِنَ السَّمكِ طاهرٌ، وما قُطِع مِن بهيمةِ الأنعامِ ونحوِها مع بقاءِ حياتِها نجسٌ، غيرَ مِسكٍ وفَأْرَتِه، والطَّريدةِ، وتأتي في الصيدِ (٦).
_________________
(١) بضم الفاء وسكونها. ينظر: المطلع ص ٢٣.
(٢) سقطت من (أ) و(ب) و(ق).
(٣) قال النووي ﵀: (الإنفحة فيها أربع لغات: أفصحهن عند الجمهور: إنفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء وتخفيف الحاء. والثانية: كذلك لكنها بتشديد الحاء. والثالثة: بفتح الهمزة مع التشديد. والرابعة: المنفحة بكسر الميم وإسكان النون وتخفيف الحاء). ينظر: تحرير ألفاظ التنبيه ص ١٩٠. وفي القاموس (١/ ٢٤٥): (شيء يستخرج من بطن الجدي الرضيع، أصفر، فيعصر في صوفة، فيغلط كالجبن، فإذا أكل الجدي، فهو كرش، وتفسير الجوهري الإنفحة: بالكرش، سهو).
(٤) قال في المطلع (ص ٢٣): (بفتح العين وسكونها).
(٥) في (ب): الحياة.
(٦) ولم يذكرها رحمه الله تعالى في كتاب الصيد.
[ ١ / ٩٢ ]