لغةً: نيَّةُ الدخولِ في التحريمِ؛ لأنَّه يُحَرِّمُ على نفسِه بنِيَّتِه ما كان مباحًا له قبلَ الإحرامِ مِن النكاحِ والطيبِ ونحوِهِما.
وشرعًا: (نِيَّةُ النُّسُكِ)، أي: نيَّةُ (١) الدخول فيه، لا نيَّتَه (٢) أن يَحجَّ أو يعتمرَ.
(سُنَّ لِمُرِيدِهِ)، أي: مريدِ الدخولِ في النُّسكِ مِن ذكرٍ وأنثى (غُسْلٌ)، ولو حائضًا ونفساء؛ «لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله وعليه وسلم أَمَرَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَهِيَ نُفَسَاءُ أَنْ تَغْتَسِلَ» رواه مسلم (٣)، و«أَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ لإِهْلَالِ الحَجِّ وَهِيَ حَائِض» (٤)، (أَوْ تَيَمُّمٌ لِعَدَمٍ)، أي: عدمِ الماءِ، أو تعذُّرِ استعمالِه لنحوِ مرضٍ.
_________________
(١) في (ق): نيته.
(٢) في (ب): نية.
(٣) رواه مسلم (١٢٠٩)، من حديث عائشة، ولفظه: «نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر يأمرها أن تغتسل وتهل»، ورواه أيضًا (١٢١٠)، من حديث جابر بنحوه.
(٤) رواه مسلم (١٢١٣)، من حديث جابر، وفيه: ثم دخل رسول الله ﷺ على عائشة ﵂، فوجدها تبكي، فقال: «ما شأنك؟» قالت: شأني أني قد حضت، وقد حلَّ الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: «إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج».
[ ٢ / ٧٣ ]
(وَ) سُنَّ له أيضًا (تَنَظُّفٌ)، بأَخْذِ شَعْرٍ، وظفرٍ، وقطْعِ رائحةٍ كريهةٍ؛ لئلا يَحتاجَ إليه في إحرامِه فلا يتمَكَّنُ منه.
(وَ) سُنَّ له أيضًا (تَطَيُّبٌ) في بدنِه بمسكٍ، أو بخورٍ، أو ماءِ وردٍ ونحوِها؛ لقولِ عائشةَ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ» (١)، وقالت «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ المِسْكِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» متفقٌ عليه (٢).
وكُرِهَ أنْ يتطيَّبَ في ثوبِه، وله استدامةُ لُبْسِه ما لم يَنْزَعْهُ، فإنْ نَزَعه فليس له أن يلبِسَه قَبْلَ غَسْلِ الطِّيبِ منه.
ومتى تعمَّد مسَّ ما على بدنِه مِن الطِّيبِ، أو نحَّاه عن موضعِه ثم ردَّه إليه، أو نَقَلَه إلى موضعٍ آخر؛ فدى، لا إنْ سَالَ بعَرَقٍ أو شمسٍ.
(وَ) سُنَّ له أيضًا (تَجَرُّدٌ مِنْ مَخِيْطٍ)، وهو: كلُّ ما يُخاطُ على قدْرِ الملبوسِ عليه؛ كالقميصِ والسراويلِ؛ «لأَنَّه ﵇ تَجَرَّدَ لإِهْلَالِهِ» رواه الترمذي (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩).
(٢) رواه البخاري (٢٧١)، ومسلم (١١٩٠).
(٣) رواه الترمذي (٨٣٠)، وابن خزيمة (٢٥٩٥)، من طريق عبد الله بن يعقوب المدني، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال الترمذي: (حسن غريب)، وصححه ابن خزيمة، وابن السكن. وضعفه العقيلي وابن القطان، بأن عبد الله بن يعقوب المدني لا يعرف، قال ابن حجر: (مجهول)، وتابعه أبو غزية محمد بن موسى، قال ابن عدي: (عنده مناكير)، ولذا قال بعد أن ذكر الحديث: (ولا يتابع عليه إلا من طريق فيها ضعف). وذكر ابن الملقن له متابعة أخرى: من طريق الأسوط بن عامر شاذان، عند البيهقي (٨٩٤٤)، وهو ثقة، إلا أنه بغدادي، وعبد الرحمن بن أبي الزناد وإن كان صدوقًا، فقد تغير حفظه لما قدم بغداد. وحسَّن الألباني الحديث بهذه المتابعات، وقواه بالشواهد، وهي: حديث ابن عباس عند الدارقطني (٢٤٣٢)، والحاكم (١٦٣٨)، وفيه يعقوب بن عطاء، قال البيهقي: (غير قوي)، وأثر ابن عمر عند الدارقطني (٢٤٣٣)، والحاكم (١٦٣٩)، وهو صحيح موقوف، وله حكم المرفوع. ينظر: الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٣٨، بيان الوهم ٣/ ٤٤٩، البدر المنير ٦/ ١٢٩، تهذيب التهذيب ٦/ ١٧٠، الإرواء ١/ ١٧٨.
[ ٢ / ٧٤ ]
وسُنَّ أيضًا أنْ يُحْرِمَ (فِي إِزارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ) نظيفين، ونعلين؛ لقولِه ﵇: «وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، وَنَعْلَيْنِ» رواه أحمد (١)، والمرادُ بالنعلينِ: التَّاسُومَةُ (٢)، ولا يجوزُ له لُبْسُ السرموزةِ والجُمْجُمِ (٣)، قاله في الفروعِ (٤).
_________________
(١) رواه أحمد (٤٨٩٩)، وابن خزيمة (٢٦٠١)، وابن الجارود (٤١٦)، من طريق الزهري، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعًا، وصححه ابن خزيمة، وأبو عوانة، وابن الجارود، وابن المنذر، والألباني، وقال ابن حجر: (بإسناد على شرط الصحيح). ينظر: التلخيص الحبير ٢/ ٥١٧، الإرواء ٤/ ٢٩٣.
(٢) التاسومة: هي النَّعْل التي تلبس في المشي. وقال ابن قاسم في حاشيته: (تعرف بنجد والحجاز بالنعال ذوات السيور). ينظر: النهاية في غريب الحديث ٥/ ٨٣، حاشية الروض ٣/ ٥٥٢.
(٣) الجمجم: المداس. ينظر: المعجم الوسيط (ص: ١٣٣).
(٤) (٥/ ٤٢٥).
[ ٢ / ٧٥ ]
(وَ) سُنَّ (إِحْرَامٌ عَقِبَ رَكْعَتَيْنِ) نفلًا، أو عَقِب فريضةٍ؛ «لأَنَّه ﵇ أَهَلَّ دُبُرَ صَلَاةٍ» رواه النسائي (١).
(وَنِيَّتُهُ شَرْطٌ)، فلا يَصيرُ مُحْرِمًا بمجرَّدِ التَّجَرُّدِ أو التلبيةِ مِن غيرِ نيةِ الدخولِ في النسكِ؛ لحديثِ: «إَنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢).
(وَيُسْتَحَبُّ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ نُسُكَ كَذَا)، أي: أنْ يُعَيِّنَ ما يُحْرِمُ به ويَلْفِظُ به، وأن يقولَ: (فَيَسِّرْهُ لِي)، وتقَبَّلْهُ منِّي، وأنْ يَشْتَرِطَ فيقولَ: (وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي (٣) حَيْثُ حَبَسْتَنِي)؛
_________________
(١) رواه النسائي (٢٧٥٤)، وأحمد (٢٣٥٨)، وأبو داود (١٧٧٠)، والترمذي (٨١٩)، الحاكم (١٦٥٧)، من طريق خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مختصرًا ومطولًا، وخصيف مختلف فيه، قال ابن الملقن: (وبحسب اختلاف أقوالهم في خصيف، اختلف الحفاظ في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه)، فصححه الحاكم والذهبي، وقال الترمذي: (حديث حسن غريب). وأعله البيهقي به، فقال: (هذا حديث ضعيف الإسناد؛ لأن خصيفًا غير قوي)، وتبعه المنذري على ذلك، وقال ابن حجر: (وفيه خصيف، وهو لين الحديث)، وضعفه الألباني. وأجاب عن ذلك النووي: بأن خصيفًا وثقه جماعة من الحفاظ المتقدمين كابن معين وابن سعد، وقال: (وقول الترمذي إنه حسن لعله اعتضد عنده فصار بصفة الحسن). ولعله أراد بالشاهد: ما رواه الدارمي (١٨٤٨)، والبزار (٧١٨٣)، من طريقين عن أنس مرفوعًا، ولا يخلو واحد منهما من ضعف. ينظر: معرفة السنن ٧/ ١٢٠، المجموع ٧/ ٢١٦، البدر المنير ٦/ ١٤٨، التلخيص الحبير ٢/ ٥١٩، الدراية ٢/ ٩، ضعيف أبي داود ٢/ ١٥٠.
(٢) تقدم تخريجه صفحة الفقرة
(٣) قال في المطلع (ص ٢٠٥): (فَمَحلِّي: أي: مكان إحلالي، بفتح الحاء وكسرها، فالفتح مقيسٌ، والكسرُ مسموعٌ، يقال: حل بالمكان، يحلُّ به: بضم الحاء، وأحل من إحرامه، وحل منه).
[ ٢ / ٧٦ ]
لقولِه صلى الله وعليه وسلم لضُبَاعةَ بنتِ الزبيرِ حينَ قالت له: إني أريد الحجَّ وأَجِدُني وَجِعةً، فقال: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» متفقٌ عليه (١)، زاد النسائي في روايةٍ إسنادها جيدٌ: «فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكَ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (٢)، فمتى حُبِسَ بمرضٍ، أو عدوٍّ، أو ضَلَّ الطَّريقَ؛ حَلَّ ولا شيء عليه.
ولو شَرَط أن يَحِلَّ متى شاء، أو إنْ أفسدَه لم يَقْضِه؛ لم يصحَّ الشَّرطُ.
ولا يَبطُلُ الإحرامُ بجنونٍ، أو إغماءٍ، أو سكرٍ؛ كموتٍ، ولا يَنْعَقدُ مع وجودِ أحدِها.
والإنساكُ: تمتُّعٌ، وإفرادٌ، وقِرانٌ.
(وَأَفْضَلُ الأَنْسَاكِ التَّمَتُّعُ)، فالإفرادُ، فالقرانُ، قال أحمدُ: (لا
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠٨٩)، ومسلم (١٢٠٧)، من حديث عائشة.
(٢) رواه النسائي (٢٧٦٦)، من طريق ثابت بن يزيد الأحول، عن هلال بن خباب، قال: سألت سعيد بن جبير، عن الرجل يحج يشترط؟ قال: الشرط بين الناس فحدثته، حديثه يعني عكرمة فحدثني، عن ابن عباس، أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج فكيف أقول؟ قال: «قولي، لبيك اللهم لبيك، ومحلي من الأرض حيث تحبسني، فإن لك على ربك ما استثنيت»، قال العقيلي: (أما حديث ضباعة فقد روي عن ابن عباس، وجابر، وعائشة، عن النبي ﷺ، بأسانيد صالحة)، وحسن إسناده الألباني. ينظر: الضعفاء ٢/ ١٣٧، الإرواء ٤/ ١٨٦.
[ ٢ / ٧٧ ]
أَشُكُّ (١) أنَّه ﵇ كان قارنًا، والمتعةُ أحبُّ إليَّ) ا. هـ (٢)، وقال: (لأنه آخرُ ما أَمر به النبي صلى الله وعليه وسلم) (٣)، ففي الصحيحين: أنَّه ﷺ أَمَر أصحَابَه لمَّا طافوا وسعوا أنْ يجعلوها عمرةً إلا مَن ساق هديًا، وثبت على إحرامِه لسوقِه الهديَ، وتأسَّفَ بقولِه: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْتُ (٤) مَعَكُمْ» (٥).
(وَصِفَتُهُ) أي: التمتعُ: (أَنْ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَيَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالحَجِّ فِي عَامِهِ) مِن مكةَ، أو قُرْبِها، أو بعيدٍ منها.
والإفرادُ: أن يُحْرِمَ بحجٍّ ثم بعمرة (٦) بعد فراغِه منه.
والقِرانُ: أن يُحْرِمَ بهما معًا، أو بها ثم يُدْخِلُه عليها قبلَ شروعٍ في طوافِها، ومَنْ أحْرَم به ثم أدخلها عليه لم يَصحَّ إحرامُه بها.
(وَ) يجبُ (عَلَى الأُفُقِيِّ)، وهو مَن كان مسافَةَ قصْرٍ فأكثرَ مِن
_________________
(١) في (ع): شك.
(٢) نقله ابن مفلح في الفروع (٥/ ٣٣٥) عن الإمام أحمد، وجاء في مسائل أبي داود (ص ١٧٢): «نرى التمتع أفضل من الإقران والحج».
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٧١٠)، ومسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (ص ٢٠١).
(٤) في (ب): لحللت.
(٥) رواه البخاري (١٦٥١)، ومسلم (١٢١٦)، من حديث جابر.
(٦) في (ع): عمرة.
[ ٢ / ٧٨ ]
الحرمِ إن أحرم متمتعًا أو قارِنًا؛ (دَمُ) نُسُكٍ لا جُبْرانٍ، بخلافِ أهلِ الحرمِ، ومَن مِنه دونَ المسافةِ؛ فلا شيءَ عليه؛ لقولِه تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [البقرة: ١٩٦].
ويُشترطُ: أنْ يُحْرِم بها مِن ميقاتٍ أو مسافةِ قصرٍ فأكثرَ من مكةَ، وألَّا يسافرَ بينهما، فإن سافر مسافةَ قصرٍ فأحرم فلا دمَ عليه.
وسُنَّ لمفردٍ وقارنٍ فَسْخُ نيَّتِهما بحجٍ، ويَنْوِيان بإحرامِهما ذلك عمرةً مفردةً؛ لحديثِ الصحيحين السابقِ (١)، فإذا حلَّا (٢) أحْرَمَا به ليصيرَا مُتَمَتِّعَيْن، ما لم يَسُوقَا هديًا أو يَقِفَا بعرفةَ.
وإن ساقه متمتعٌ لم يَكُن له أن يَحِلَّ، فيُحْرِم بحجٍّ إذا طاف وسعى لعمرتِه قبلَ حلقٍ، فإذا ذبحه يومَ النحرِ حلَّ منهما.
(وَإِنْ حَاضَتْ المَرْأَةُ) المتمتِّعةُ قبْلَ طوافِ العمرةِ (فَخَشِيِتْ فَوَاتَ الحَجِّ؛ أَحْرَمَتْ بِهِ) وجوبًا (وَصَارَت قَارِنَةً)؛ لما روى مسلمٌ: أنَّ عائشةَ كانت متمتِّعةً فحاضت، فقال لها النبي ﷺ: «أَهِلِّي بِالحَجِّ» (٣)، وكذا لو خَشِيَه غيرُها.
_________________
(١) انظر ص الفقرة
(٢) في (ق): أحلاَّ.
(٣) رواه مسلم (١٢١١)، ورواه البخاري (١٥٥٦)، من حديث عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ: «من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا» قالت: فقدمت مكة وأنا حائض، لم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ، فقال: «انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة».
[ ٢ / ٧٩ ]
ومَن أَحْرَم وأَطْلَق؛ صحَّ وصرَفَه لما شاء، وبِمثل ما أَحَرم فلانٌ انعقد بمثلِه، وإنْ جَهِل جعلَه عمرةً؛ لأنَّها اليقينُ.
ويصحُّ: أحْرَمْتُ يومًا، أو بنِصْفِ نُسُكٍ، لا إنْ أَحْرَم فلانٌ فأنا مُحْرِمٌ؛ لعدمِ جزمِه.
(وَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ قَالَ) -قطع به جماعةٌ (١)، والأصحُّ عَقِب إحرامِه-: (لَبَّيْكَ اللَّهُمْ لَبَّيْكَ)، أي: أنا مقيمٌ على طاعتِك وإجابةِ أمركِ، (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)، روى ذلك ابنُ عمرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ في حديثٍ متفقٍ عليه (٢).
وسُنَّ أن يَذْكَرَ نُسُكَه فيها، وأنْ يبدأَ القارنُ بِذِكْرِ عمرتِه، وإكثارُ التلبيةِ، وتتأكَّدُ إذا علا نَشَزًا (٣)، أو هبط واديًا، أو صلَّى مكتوبةً، أو أَقْبَل ليلٌ أو نهارٌ، أو التقَتِ الرِّفاقُ، أو سَمِع مُلَبِّيًا، أو فعلَ محظورًا ناسيًا، أو رَكِب دابَّتَه، أو نزل عنها، أو رأى البيتَ.
(يُصَوِّتُ بِهَا الرَّجُلُ)، أي: يجهرُ بالتلبيةِ؛ لخبرِ السائبِ بنِ
_________________
(١) كالخرقي في مختصره (ص ١٥٤)، وابن قدامة في المغني (٣/ ٢٧٠)، وابن أبي عمر في الشرح الكبير (٣/ ٢٥٤)، وغيرهم.
(٢) رواه البخاري (٥٩١٥)، ومسلم (١١٨٤).
(٣) قال في المصباح المنير (٢/ ٦٠٥): (النَّشز- بفتحتين-: المرتفع من الأرض، والسكون لغة).
[ ٢ / ٨٠ ]
خلادٍ مرفوعًا: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ وَالتَّلْبِيَةِ»، صحَّحه الترمذي (١).
وإنما يُسَنُّ الجهرُ بالتلبيةِ في غيرِ مساجدِ الحِلِّ وأمصارِه، وفي غيرِ طوافِ القدومِ والسعي بعدَه.
وتُشرَعُ بالعربيةِ لقادِرٍ، وإلا فبِلُغَتِه.
ويُسنُّ بعدَها دعاءٌ، وصلاةٌ على النبي ﷺ.
(وَتُخْفِيهَا المَرْأَةُ) بقَدْرِ ما تُسْمِعُ رفيقتَها، ويُكرَه جهرُها فوقَ ذلك مخافةَ الفتنةِ.
ولا تُكرَه التلبيةُ لِحَلالٍ.
_________________
(١) رواه أحمد (١٦٥٥٧)، وأبو داود (١٨١٤)، والترمذي (٨٢٩)، والنسائي (٢٧٥٣)، وابن ماجه (٢٩٢٢)، وابن خزيمة (٢٦٢٥)، وابن الجارود (٤٣٤)، وابن حبان (٣٨٠٢)، والحاكم (١٦٥٢)، من طريق عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن الحارث بن هشام، عن خلاد بن السائب، عن أبيه، وصححه البخاري، والترمذي، وابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبان، والحاكم، وابن الملقن، والألباني. ينظر: العلل الكبير ص ١٣٠، البدر المنير ٦/ ١٥٢، صحيح أبي داود ٦/ ٧٩.
[ ٢ / ٨١ ]