مِن نَجَوتُ الشجرةِ، أي: قطعتُها، فكأنَّه قَطَع الأذَى.
والاستنجاءُ: إزالةُ خارجٍ مِن سبيلٍ بماءٍ، أو إزالةُ حُكْمِه بحجرٍ أو نحوِه، ويُسمى الثاني: استجمارًا، مِن الجِمارِ، وهي الحجارةُ الصغيرةُ.
(يُسْتَحَبُّ عِنْدَ دُخولِ الخَلاءِ) ونحوِه، وهو بالمدِّ: الموضِعُ المُعَدُّ لقضاءِ الحاجةِ، (قَولُ: بِسْمِ اللهِ)؛ لحديثِ عليٍّ: «ستْرُ مَا بَيْنَ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ الكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ» رواه ابنُ ماجه، والترمذي وقال: (ليس إسنادُه بالقوي) (١)، (أَعُوذُ
_________________
(١) رواه الترمذي (٦٠٦)، وابن ماجه (٢٩٧)، من طريق الحكم بن بشير بن سلمان، حدثنا خلاد الصفار، عن الحكم بن عبد الله النصري، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، عن علي مرفوعًا. قال الترمذي: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده ليس بذاك القوي)، وضعفه النووي، وقال الألباني: (هذا الإسناد واهٍ)، وذكر له ثلاث علل: الأولى: عنعنة أبي إسحاق. الثانية: الحكم بن عبد الله النصرى، مجهول الحال. الثالثة: محمد بن حميد الرازى، ضعيف كماق قال الذهبي وابن حجر. وصحح الحديث مغلطاي والسيوطي والمناوي. وللحديث شواهد، منها: حديث أنس عند الطبراني في الأوسط (٢٥٠٤)، وتمام في الفوائد (١٧٠٨)، وإسانيده لا تخلو من ضعف. وحديث أبي سعيد عند تمام في الفوائد (١٧١١)، وابن النقور في الفوائد الحسان (١٢)، وقال: (تفرد به زيد العمى، رواه عنه محمد بن الفضل بن عطية وهو ضعيف)، وغيرها. قال الألباني: (وجملة القول أن الحديث صحيح لطرقه المذكورة، والضعف المذكور فى أفرادها ينجبر إن شاء الله تعالى بضم بعضها إلى بعض). ينظر: خلاصة الأحكام ١/ ١٥٠، فيض القدير ٤/ ٩٦، إرواء الغليل ١/ ٨٩.
[ ١ / ٩٣ ]
بِاللهِ مِنَ الخُبْثِ) بإسكانِ الباءِ، قال القاضي عياضٌ: (هو أكثرُ رواياتِ الشيوخِ)، وفسَّره بالشَّرِّ (١)، (والخَبَائِثِ): الشياطينِ، فكأنَّه استعاذ مِن الشِّرِّ وأهلِه، وقال الخطَّابي: (هو بضمِّ الباءِ، وهو جمعُ خبيثٍ، والخبائثُ: جمعُ خبيثةٍ، فكأنه استعاذ مِن ذُكرانِهم وإناثِهم) (٢).
واقتصر المصنِّفُ على ذلك تبعًا للمحرَّرِ (٣)، والفروعِ (٤)، وغيرِهما (٥)؛ لحديثِ أنسٍ: أنَّ النبي ﷺ كان إذا دَخَل الخلاءَ قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ وَالخَبَائِثِ» متفقٌ عليه (٦).
وزاد في الإقناعِ (٧) والمنتهى (٨)،
_________________
(١) إكمال المعلم (٢/ ١٢٥).
(٢) إصلاح غلط المحدثين (ص ٢٢).
(٣) (١/ ٨).
(٤) (١/ ١٢٨).
(٥) الكافي (١/ ١٠٧)، والإقناع (١/ ١٤).
(٦) رواه البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥).
(٧) ثابتة في جميع النسخ، إلا أنها في (أ) عليها شطب من غير الناسخ، ولعلها من السعدي ﵀، وبعد الرجوع إلى الإقناع (١/ ٢٣)، وشرحه كشاف القناع (١/ ١٠٦) تبين عدم وجودها فيه، بل تبع الحجاوي في الإقناع ما في المحرر والفروع.
(٨) (١/ ١٠).
[ ١ / ٩٤ ]
تبعًا للمقنعِ (١) وغيرِه (٢): (الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)؛ لحديثِ أبي أمامةَ: «لَا يَعْجِزْ أَحَدُكُمْ إِذَا دَخَلَ مِرْفَقَهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (٣).
(وَ) يُستحبُّ أنْ يقولَ (عِنْدَ الخُرُوجِ مِنْهُ)، أي: مِن الخلاءِ ونحوِه: (غُفْرَانَكَ)، أي: أسألُك غفرانَك، مِن الغَفْرِ: وهو السِّترُ؛ لحديثِ أنسٍ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خَرَج مِن الخلاءِ قال: «غُفْرَانَكَ» رواه الترمذي وحسَّنه (٤).
_________________
(١) ص ٢٦.
(٢) الهداية لأبي الخطاب (ص ٥٠)، وعمدة الفقه لابن قدامة (ص ١٤).
(٣) رواه ابن ماجه (٢٩٩)، من طريق عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا، بلفظ: (اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم)، وإسناده واهٍ، قال ابن حبان: (إذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم؛ فهو مما عملته أيديهم)، وضعفه النووي والألباني. ينظر: المجروحين ٢/ ٦٣، خلاصة الأحكام ١/ ١٥٠، السلسلة الضعيفة رقم ٤١٨٩.
(٤) رواه أحمد (٢٥٢٢٠)، وأبو داود (٣٠)، والترمذي (٧)، وابن ماجه (٣٠٠)، وابن خزيمة (٩٠)، وابن الجارود (٤٢)، وابن حبان (١٤٤٤)، والحاكم (٥٦٢)، من طريق يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا. صححه أبو حاتم وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم والذهبي والنووي وابن الملقن والألباني، قال أبو حاتم: (أصح حديث في هذا الباب حديث عائشة). ينظر: علل الحديث ١/ ٥٤٠، خلاصة الأحكام ١/ ١٧٠، البدر المنير ٢/ ٣٩٤، الإرواء ١/ ٩١. تنبيه: قول المؤلف (عن أنس) سبق قلم، إذ لم نجد من ذكره عن أنس، وإنما الحديث من مسند عائشة.
[ ١ / ٩٥ ]
وسُنّ له أيضًا أن يقولَ: (الحَمْدُ لِله الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي)؛ لما رواه ابنُ ماجه عن أنسٍ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خَرَج مِن الخلاءِ قال: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي» (١).
(وَ) يُستحبُّ له (تَقْدِيمُ رِجْلِهِ اليُسْرَى دُخُولًا)، أي: عندَ دخولِ الخلاءِ، ونحوِه مِن مواضِعِ (٢) الأذى.
(وَ) يُستحبُّ له تقديمُ (يُمْنَى) رِجليه (خُرُوجًا، عَكْسَ مَسْجِدٍ)، ومنزِلٍ، (وَ) لُبسِ (نَعْلٍ) وخُفٍّ، فاليُسرى تُقدَّم للأذى واليمنى لما سواه؛ وروى الطبراني في المعجمِ الصغيرِ عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ (٣): «إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِاليُمْنَى، وَإِذَا خَلَعَ
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٣٠١)، من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، وقتادة، عن أنس. وإسماعيل بن مسلم، قال فيه الحافظ: (ضعيف الحديث). ينظر: تقريب التهذيب ص ١١٠. والحديث رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٢١)، عن أبي ذر مرفوعًا، قال الدارقطني: (وليس بمحفوظ، ويروى عن أبي ذر موقوفًا وهو أصح). ينظر: علل الدارقطني ٦/ ٢٣٥. وروي هذا الدعاء عن: أبي ذر عند ابن أبي شيبة (١٠)، وحذيفة عند ابن أبي شيبة (١١)، وأبي الدرداء عند ابن أبي شيبة (١٣)، بأسانيد لا تخلو من مقال، إلا أنها تصلح في الشواهد والمتابعات، فالذي يظهر ثبوت الأثر عن الصحابة ﵃.
(٢) في (ق): موضع.
(٣) نهاية السقط من (ح).
[ ١ / ٩٦ ]
فَلْيَبْدَأْ بِاليُسْرَى» (١)، وعلى قياسِه: القميصُ ونحوُه.
(وَ) يُستحبُّ له (اعْتِمادُهُ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى) حالَ جلوسِه لقضاءِ الحاجةِ؛ لما روى الطبراني في المعجمِ، والبيهقي عن سُرَاقةَ بنِ مالكٍ: «أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ نَتكِئَ عَلَى اليُسْرَى، وَأَنْ نَنْصِبَ اليُمْنَى» (٢).
(وَ) يُستحبُّ (بُعْدُهُ) إذا كان (فِي فَضَاءٍ)، حتى لا يراه أحدٌ؛ لفعلِه ﷺ، رواه أبو داودَ مِن حديثِ جابرٍ (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٥٨٥٥)، ومسلم (٢٠٩٧) بنحوه.
(٢) رواه الطبراني في الكبير (٦٦٠٥)، والبيهقي (٤٥٧)، من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن رجل من بني مدلج، عن أبيه، عن سراقة. فيه راويان لم يُسَمِّيا، ومحمد بن عبد الرحمن مجهول، ولذا قال ابن حجر: (رواه البيهقي بسند ضعيف)، وضعفه النووي، وابن دقيق العيد، والحازمي، وابن الملقن، والألباني. ينظر: المجموع ٢/ ٨٩، البدر المنير ٢/ ٣٣٢، بلوغ المرام ص ٣٩، السلسلة الضعيفة ١٢/ ٢٤٥.
(٣) رواه أبو داود (٢)، من طريق إسماعيل بن عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر، ولفظه: «كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد»، وإسماعيل بن عبد الملك صدوق كثير الوهم، وأبو الزبير مدلس وقد عنعنه، ولذا قال النووي: (فيه ضعف يسير، وسكت عليه أبو داود؛ فهو حسن عنده)، وقال ابن حجر بعد ذكره الحديث: (وإسماعيل سيء الحفظ). وللحديث شواهد يتقوى بها، قال البيهقي: (وروي في إبعاد المذهب عن ابن عمر، وعبد الرحمن بن أبي قراد، عن النبي ﷺ)، فحديث ابن عمر عند البيهقي (٤٦٠) بسند صحيح، وحديث عبد الرحمن بن أبي قراد عند النسائي (١٦)، وسنده صحيح، وفي الباب أيضًا: حديث المغيرة بن شعبة عند أحمد (١٨١٧١)، وأبي داود (١)، والترمذي (٢٠)، والنسائي (١٧)، وابن ماجه (٣٣١)، قال الترمذي: (حسن صحيح). ولأجل الشواهد صحح الألباني حديث جابر. ينظر: السنن الكبرى ١/ ١٥١، المجموع ٢/ ٧٧، المطالب العالية ١٥/ ٤٩٤، صحيح أبي داود ١/ ٢٢.
[ ١ / ٩٧ ]
(وَ) يُستحبُّ (اسْتِتَارُهُ)؛ لحديثِ أبي هريرةَ قال: «مَنْ أَتَى الغَائِطَ، فَلْيَسْتَتِرْ» رواه أبو داودَ (١)،
(وارْتِيَادُهُ لِبَولِهِ مَكَانًا رخْوًا) - بتثليثِ الراءِ -: لَيِّنًا هَشًّا (٢)؛ لحديثِ: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ» رواه أحمدُ وغيرُه (٣).
وفي التَّبصرةِ: ويَقصِدُ مَكانًا عُلْوًا، ولعلَّه لينحدِرَ عنه البولُ،
_________________
(١) رواه أحمد (٨٨٣٨)، وأبو داود (٣٥)، وابن ماجه (٣٣٧)، وابن حبان (١٤١٠)، والحاكم (٧١٩٩)، من طريق الحصين الحبراني، عن أبي سعد الخير، عن أبي هريرة مرفوعًا. صحَّحه ابن حبان والحاكم وابن الملقن، وحسَّنه النووي. فضعَّفه ابن عبد البر وابن حزم بجهالة الحصين الحبراني وشيخه أبي سعيد أو أبو سعد الخير، وأشار البيهقي إلى ضعفه. وأجاب عنه ابن الملقن بذكر جماعة وثقوا الحصين وعرفوه، وكذا أبو سعيد الخير، بل عد جماعة كأبي داود وغيره أبا سعد من الصحابة. قال ابن حجر: (ومداره على أبي سعد الحبراني الحمصي وفيه اختلاف، وقيل: إنه صحابي، ولا يصح، والراوي عنه حصين الحبراني وهو مجهول)، ورجَّح الألباني أن أبا سعد الحبراني صحابي، وجعل علة الحديث جهالة حصين الحبراني .. ينظر: معرفة السنن ١/ ٣٤٨، خلاصة الأحكام ١/ ١٤٧، البدر المنير ٢/ ٣٠٢، التلخيص الحبير ١/ ٣٠١، السلسلة الضعيفة ٣/ ٩٩.
(٢) في (ح) و(ق): أي: لينًا هشًا.
(٣) رواه أحمد (١٩٥٣٧)، وأبو داود (٣)، من حديث أبي موسى الأشعري، وفيه راوٍ لم يُسَمَّ، لذا ضعَّفه النووي، والألباني. ينظر: المجموع ٢/ ٨٣، السلسلة الضعيفة ٥/ ٣٤٣.
[ ١ / ٩٨ ]
فإن لم يَجدْ مكانًا رخْوًا، لَصَق (١) ذَكَرَه؛ ليأمَنَ بذلك (٢) مِن رَشاشِ البولِ.
(وَ) يُستحبُّ (مَسْحُهُ)، أي: أنْ يمسحَ (بِيَدِهِ اليُسْرَى إِذَا فَرَغَ مِنْ بَوْلِهِ مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ)، أي: مِن حَلْقَةِ دُبُرِه، فيضعُ إصْبَعَه الوُسطى تحتَ الذَّكَرِ، والإبهامَ فوقَه، ويمرُّ بهما (إِلَى رَأْسِهِ)، أي: رأسِ الذَّكَرِ (ثَلَاثًا)؛ لئلَّا يَبْقَى مِن البولِ فيه شيءٌ.
(وَ) يستحبُّ (نَتْرُهُ) - بالمثناة - (ثَلَاثًا)، أي: نَتْر ذَكَرِه ثلاثًا؛ ليستخرج بقيَّة البول منه؛ لحديث: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثًا» رواه أحمد وغيره (٣).
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(ق): ألصق.
(٢) سقطت من (أ).
(٣) رواه أحمد (١٩٠٥٣)، وابن ماجه (٣٢٦)، من طريق زمعة بن صالح، عن عيسى بن يزداد اليماني، عن أبيه مرفوعًا، وزمعة ضعيف، وعيسى وأبوه مجهولان، وأشار إلى ضعفه أبو حاتم الرازي، فقال: (ليس لأبيه صحبة، ومن الناس من يدخله في المسند على المجاز، وهو - أي: عيسى - وأبوه مجهولان)، ونقل العقيلي عن البخاري أنه قال: (عيسى بن يزداد، عن أبيه، روى عنه زمعة، ولا يصح)، ثم ذكر العقيلي هذا الحديث، وقال ابن عدي: (عيسى بن يزداد، عن أبيه مرسل، روى عنه زمعة بن صالح، لا يصح)، وضعف الحديث الأشبيلي وابن القطان والألباني، وقال النووي: (اتفقوا على أنه ضعيف). ينظر: الضعفاء للعقيلي ٣/ ٣٨١، علل الحديث ١/ ٥٣٣، الكامل ٦/ ٤٤٧، بيان الوهم ٣/ ٣٠٧، المجموع ٢/ ٩١، السلسلة الضعيفة ٤/ ١٢٤.
[ ١ / ٩٩ ]
(وَ) يُستحبُّ (تَحَوُّلُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ لِيَسْتَنْجِي) في غيرِه (إِنْ خَافَ تَلَوُّثًا) باستنجائِه في مكانِه؛ لئلَّا يَتنجسَ.
ويَبدأُ ذكرٌ وبِكرٌ بقُبُلٍ؛ لئلَّا تَتلوَّثَ يدُه إذا بدأَ بالدُّبرِ، وتُخيَّر ثَيِّبٌ.
(ويُكْرَهُ دُخُولُهُ)، أي: دخولُ الخلاءِ أو نحوِه (١) (بِشَيءٍ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى)، غيرَ مصحفٍ فيحرمُ، (إِلَّا لِحَاجَةٍ)، لا دراهِمَ ونحوِها، وحِرْزٍ للمشقةِ، ويَجْعَلُ فصَّ (٢) خاتمٍ احتاج للدخولِ به بباطنِ كفِّ يُمنى.
(وَ) يُكره استكمالُ (رَفْعِ ثَوْبِهِ قَبلَ دُنُوِّهِ)، أي: قُربِه (مِنَ الأَرْضِ) بلا حاجةٍ، فيرفعُ شيئًا فشيئًا، ولعلَّه يجبُ إن كان ثَمَّ من
_________________
(١) في (أ) و(ق): ونحوه.
(٢) قال في المطلع (ص ٥٠٨): (فص الخاتم معروف، بفتح الفاء وكسرها وضمها، ذكره شيخنا- يريد: ابن مالك صاحب الألفية- في مُثَلَّثِهِ، والجوهري ﵀ لم يطلع على غير الفتح، فلذلك قال: فص الخاتم والعامة تقول: فص بالكسر).
[ ١ / ١٠٠ ]
ينظرُه، قاله في المبدعِ (١).
(وَ) يُكره (كَلَامُهُ فِيهِ)، ولو بردِّ سلامٍ، وإن عَطَس حَمِدَ (٢) بقلبِه، ويجبُ عليه تحذيرُ ضَريرٍ، وغافلٍ عن هلَكَةٍ.
وجَزَم صاحبُ النَّظمِ بتحريمِ القراءةِ في الحُشِّ وسطحِه وهو متوجِّهٌ على حاجتِه (٣).
(وَ) يُكره (بَوْلُهُ فِي شَقٍّ) - بفتحِ الشينِ - (وَنَحْوِه)؛ كسَرَبٍ (٤): ما يتَّخِذُه الوحشُ والدبيبُ بيتًا في الأرضِ.
ويُكره أيضًا بولُه في إناءٍ بلا حاجةٍ، ومُستَحَمٍّ غيرِ مُقَيَّرٍ أو مُبَلَّطٍ.
(ومَسُّ فَرْجِهِ)، أو فرجِ زوجتِه ونحوِها (بِيَمِينِه، و) يُكره (اسْتِنْجاؤُهُ واسْتِجْمَارُهُ بِها)، أي: بيمينِه؛ لحديثِ أبي قتادةَ: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الخَلَاءِ
_________________
(١) (١/ ٥٩).
(٢) في باقي النسخ: حمد الله.
(٣) ينظر: الفروع (١/ ١٢٩)، المبدع (١/ ٥٩)، والإنصاف (١/ ٩٦). وصاحب النظم هو محمد بن عبد القوي بن بدران المقدسي المرداوي الحنبلي، ولد سنة ثلاث وستمائة بمردا. له القصيدة الدالية التي نظم بها كتاب المقنع للموفق ابن قدامة. ينظر: ذيل الطبقات ٤/ ٣٠٧.
(٤) قال في كشاف القناع (١/ ٦٢): (بفتح السين والراء، عبارة عن الثقب، وهو ما يتخذه الدبيب والهوام بيتًا في الأرض).
[ ١ / ١٠١ ]
بِيَمِينِهِ» متفقٌ عليه (١).
(و) استقبالُ (٢) (النَّيِّرَيْنِ)، أي: الشَّمسِ والقمرِ؛ لما فيهما مِن نورِ اللهِ تعالى.
(ويَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ واسْتِدْبارُهَا) حالَ قضاءِ الحاجةِ (فِي غَيْرِ بُنْيَانٍ)؛ لخبرِ أبي أيوبٍ مرفوعًا: «إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» متفقٌ عليه (٣).
ويَكفي انحرافُه عن جهةِ القبلةِ، وحائلٌ ولو كمُؤْخِرةِ رَحْلٍ، ولا يُعْتَبر القُرْبُ مِن الحائلِ.
ويُكره استقبالُها حالَ الاستنجاءِ.
(وَ) يحرمُ (لُبْثُه فَوقَ حَاجَتِهِ)؛ لما فيه مِن كشفِ العورةِ بلا حاجةٍ، وهو مُضرٌّ عندَ الأطباءِ.
(وَ) يحرمُ (بَوْلُه) وتغوُّطُه (فِي طَريقٍ) مسلوكٍ، (وَظِلٍّ نَافِعٍ)، ومثلُه (٤): مُشمَّسٌ زمنَ الشتاءِ، ومُتحدَّثُ الناس، (وَتَحْتَ شَجَرَةٍ عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ)؛ لأنَّه (٥) يُقذِّرُها، وكذا في مَوْرِدِ الماءِ، وتغوُّطُهُ بماءٍ مطلقًا.
_________________
(١) رواه البخاري (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧) واللفظ له.
(٢) اعتبرها في (أ) و(ب) من المتن.
(٣) رواه البخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤).
(٤) في (ب): زمن الصيف، ومثله.
(٥) في (ب): سواء كان الثمر يقصد للأكل أو غيره؛ لأنه.
[ ١ / ١٠٢ ]
(ويَسْتَجْمِرُ) بحَجَرٍ أو نحوِه (ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالمَاءِ)؛ لفعلِه ﷺ. رواه أحمدُ وغيرُه مِن حديثِ عائشةَ، وصحَّحه الترمذي (١)،
فإن عَكَس كُره.
(وَيُجْزئُهُ الاسْتِجْمارُ) حتَّى مع وجودِ الماءِ، لكن الماءَ أفضلُ، (إِنْ لَمْ يَعْدُ)، أي: يَتجاوزْ (الخَارِجُ مَوْضِعَ العَادَةِ)، مثلَ: أنْ ينتشِرَ الخارجُ على (٢) شيءٍ مِن الصَّفْحةِ، أو يَمتدَّ إلى الحَشَفَةِ امتدادًا غيرَ معتادٍ؛ فلا يُجزئُ فيه إلا الماءَ؛ كقُبُلَي الخُنْثى المُشْكِلِ، ومخرجٍ
_________________
(١) رواه أحمد (٢٤٨٢٦)، ورواه الترمذي (١٩)، والنسائي (٤٦)، وابن حبان (١٤٤٣)، من طريق قتادة عن معاذة عن عائشة، ولفظه: «مرن أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول، فإنّا نستحي منهم، فإن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك»، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح وعليه العمل عند أهل العلم)، وصححه ابن حبان والنووي والألباني. تنبيه: صنيع المؤلف يوهم أن في الحديث ما يدل على إتباع الحجارة الماء، وإنما تبع المؤلف في ذلك بهاء الدين المقدسي في العدة شرح العمدة، وليس في لفظ من ألفاظ الحديث ذلك، وقد صنع ذلك قبلهم البيهقي في السنن الكبرى وتعقَّبه ابن التركماني فقال: (وليس فيه أيضًا ذكر الجمع بين الاحجار والماء). ولعلهم أرادوا ما رواه البزار بسنده عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية فى أهل قباء: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين)، فسألهم رسول الله ﷺ؟، فقالوا: (نتبع الحجارة الماء)، قال البزار: (لا نعلم أحدًا رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، ولا عنه إلا ابنه)، قال الحافظ: (ومحمد بن عبد العزيز ضعَّفه أبو حاتم)، وضعفه الحديث الألباني أيضًا. ينظر: المجموع ٢/ ١٠١، كشف الأستار عن زوائد البزار ١/ ١٣٠، التلخيص ١/ ٣٢٣، الإرواء ١/ ٨٢.
(٢) في (ب): إلى.
[ ١ / ١٠٣ ]
غيرِ فرْجٍ، وتنجُّسِ مخرجٍ بغيرِ خارجٍ.
ولا يجبُ غَسْلُ نجاسةٍ وجنابةٍ بداخلِ فرجِ ثَيِّبٍ، ولا داخلِ حَشَفةِ أقْلفَ غيرِ مَفْتوقٍ.
(ويُشْتَرَطُ لِلاسْتِجْمَارِ بِأَحْجَارٍ وَنَحْوِهَا)؛ كخشبٍ وخِرَقٍ (أَنْ يَكُونَ) ما يُستجمرُ به (طَاهِرًا)، مُباحًا، (مُنْقِيًا، غَيْرَ عَظْمٍ وَرَوْثٍ) ولو طاهِرين، (وَطَعَامٍ) ولو لبهيمةٍ، (وَمُحْتَرَمٍ)؛ ككُتُبِ عِلمٍ، (وَمُتَّصِلٍ بِحَيْوَانٍ)؛ كذَنبِ البهيمةِ، وصوفِها المتَّصِل بها.
ويحرمُ الاستجمارُ بهذه الأشياءِ، وبجلدِ سمكٍ، أو حيوانٍ مذكًّى مطلقًا، أو حشيشٍ رَطبٍ.
(وَيُشْتَرَطُ) للاكتفاءِ بالاستجمارِ (ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ مُنْقِيَةٍ فَأَكْثَرَ) إنْ لم يحصُلْ بثلاثٍ، ولا يجزئُ أقلُّ منها، ويُعتبرُ أنْ تَعمَّ كلُّ مسحةٍ المحَلَّ، (وَلَوْ) كانت الثلاثُ (بِحَجَرٍ ذِي شُعَبٍ) أجزأت إنْ أنْقَت.
وكيفما حَصَل الإنقاءُ في الاستجمارِ أجزأ، وهو أن يَبقى أثرٌ لا يُزيلُه إلا الماءُ، وبالماءِ: عَوْدُ المحَلِّ (١) كما كان، مع السَّبعِ غسلاتٍ، ويَكفي ظنُّ الإنقاءِ.
(وَيُسَنُّ قَطْعُهُ)، أي: قَطْعُ ما زاد على الثلاثِ (عَلَى وِتْرٍ (٢)،
_________________
(١) في (أ) و(ح): خشونة المحل.
(٢) قال في المطلع (ص ٢٦): (الوتر: بكسر الواو وفتحها: الفرد، لغتان مشهورتان، نقلهما الزجاج وغيره).
[ ١ / ١٠٤ ]
فإنْ أنقَى برابعةٍ زاد خامسةً، وهكذا.
(وَيَجِبُ اسْتِنْجَاءٌ (١) بماءٍ أو حجرٍ ونحوِه (لِكِلِّ خَارِجٍ) مِن سبيلٍ إذا أراد الصلاةَ ونحوَها، (إِلَّا الرِّيحَ)، والطاهرَ، وغيرَ المُلوِّثِ.
(وَلَا يَصِحُ قَبْلَهُ)، أي: قبلَ الاستنجاءِ بماءٍ أو حجرٍ ونحوِه (وُضُوءٌ وَلَا تَيَمُّمٌ)؛ لحديثِ المقدادِ المتفقِ عليه: «يَغْسِل ذَكَرَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأْ» (٢).
ولو كانت النجاسةُ على غيرِ السَّبيلين، أو عليهما غيرَ خارجةٍ منهما؛ صحَّ الوضوءُ والتيمُّمُ قبلَ زوالِها.
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(ق): الاستنجاء.
(٢) رواه النسائي باللفظ المذكور (٤٣٩) مرسلًا، من طريق بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار قال: أرسل علي بن أبي طالب ﵁ المقداد إلى رسول الله ﷺ يسأله، وذكره. وأصل الحديث عن علي ﵁ عند البخاري (٢٦٩) بلفظ: (توضأ واغسل ذكرك)، ومسلم (٣٠٣) بلفظ: (يغسل ذكره ويتوضأ).
[ ١ / ١٠٥ ]