أصلُه: السيلانُ، مِن قولِهم: حاض الوادي، إذا سال.
وهو شرعًا: دمُ طبيعةٍ وجِبِلَّةٍ، يخرجُ مِن قَعْرِ الرَّحِمِ في أوقاتٍ معلومةٍ، خَلَقه اللهُ لحكمةِ غذاءِ الولدِ وتربيتِه.
(لا حَيْضَ قَبْلَ تِسْعِ سِنِينَ)، فإنْ رأت دمًا لدونِ ذلك فليس بحيضٍ؛ لأنَّه لم يَثبُتْ في الوجودِ، وبعدَها إنْ صَلَح؛ فحيضٌ، قال الشافعي: (رأيتُ جدَّةً لها إحدى وعشرون سنةً) (١).
(وَلَا) حيضَ (بَعْدَ خَمْسِينَ) سنةً؛ لقولِ عائشةَ: «إِذَا بَلَغَت المَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةٍ خَرَجَت مِنْ حَدِّ الحَيْضِ»، ذكره أحمدُ (٢)، ولا فرق بينَ نساءِ العربِ وغيرِهنَّ.
_________________
(١) رواه البيهقي (١٥٣١).
(٢) جاء في مسائل حرب الكرماني (ص ٦٨ من تحقيق الفريان): (سألت أحمد، قلت: المرأة في كم ينقطع عنها الدم إذا بلغت السن؟ قال: يقال ينقطع عنها الولد في ستين، وإذا انقطع الولد انقطع الدم)، ثم أسند حربٌ عن عائشة أنها قالت: (ما أتى على امرأة خمسون سنة قط فخرج من بطنها ولد)، ورواته لا بأس بهم، إلا أن المرأة التي روت عن عائشة - وهي أم رَزين - لم نجد لها ترجمة، وقد يُسْتأنس بقول الذهبي: (وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها). وذكر ابن أبي يعلى في كتابه التمام أن الشالنجي رواه بإسناده بنحو ما رواه حرب. ينظر: التمام ١/ ١٣٣، ميزان الاعتدال ٤/ ٦٠٤.
[ ١ / ١٧٧ ]
(وَلَا) حيضَ (مَعَ حَمْلٍ)، قال أحمدُ: (إنَّما تَعْرِفُ النِّساءُ الحملَ بانقطاعِ الدمِ) (١)، فإنْ رأتْ دمًا فهو دمُ فسادٍ لا تَتْرُكُ له العبادةَ، ولا يُمْنَعُ زوجُها مِن وطئِها، ويُستحبُّ أن تغتسِلَ بعدَ انقطاعِه، إلا أنْ تراه قبلَ ولادتِها بيومين أو ثلاثةٍ مع أمارةٍ؛ فنِفاسٌ، ولا تَنْقُصُ به مدَّتُه.
(وَأَقَلُّهُ)، أي: أقلُّ الحيضِ (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ)؛ لقولِ عليٍّ ﵁ (٢).
(وَأَكْثَرُهُ)، أي: أكثرُ الحيضِ (خَمْسَةَ عَشَرَ) يومًا بلياليها؛ لقولِ عطاءٍ: (رأيتُ مَنْ تحيضُ خمسةَ عَشَرَ يومًا (٣) (٤).
(وَغَالِبُهُ)، أي: غالبُ الحيضِ (ستُّ) ليالٍ بأيامِها، (أَوْ (٥) سَبْعُ) ليالٍ بأيامِها.
(وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ) يومًا، احتجَّ أحمدُ بما
_________________
(١) المغني (١/ ٢٦٢).
(٢) قال ابن حجر في التعليق على قول الرافعي: (حديث علي: أقل الحيض يوم وليلة)، قال: (كأنه يشير إلى ما ذكره البخاري تعليقًا عن علي وشريح أنهما جوزا ثلاث حيض في شهر). ينظر: التلخيص الحبير ١/ ٤٤٢. وسيأتي تخريجه قريبًا.
(٣) في (ب): يومًا بلياليها.
(٤) رواه الدارقطني (٧٩٧)، والبيهقي (١٥٣٦)، من طريق سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: «الحيض يوم إلى خمس عشرة»، وعلقه البخاري مجزومًا (١/ ٧٢)، قال ابن حجر: (إسناده صحيح).
(٥) في (ب): و.
[ ١ / ١٧٨ ]
رُوي عن عليٍّ: أنَّ امرأةً جاءته، وقد طلَّقها زوجُها، فزَعَمت أنَّها حاضت في شهرٍ ثلاثَ حِيَضٍ، فقال عليٌّ لشُرَيْحٍ: «قُلْ فِيهَا»، فقال شريحٌ (١): «إنْ جاءت ببيِّنَةٍ مِن بِطَانةِ أهلِها ممن يُرْجى دينُه وأمانتُه فشَهِدَت بذلك، وإلا فهي كاذبة»، فقال عليٌّ: «قَالُون»، أي: جيِّدٌ، بالروميةِ (٢).
(وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ)، أي: أكثرِ الطُّهرِ بين الحيضتين؛ لأنَّه قد وُجِدَ مَن لا تحيضُ أصلًا، لكن غالِبُه بَقيَّةُ الشهرِ.
والطُّهرُ زَمَنَ حيضٍ: خُلوصُ النَّقاءِ، بألا تتغيَّرَ معه قطنةٌ
_________________
(١) نهاية السقط من الأصل.
(٢) رواه ابن أبي شيبة (١٩٢٩٦)، وسعيد بن منصور (١٣١٠)، والدارمي (٨٨٣)، والبيهقي (١٥٤٠٥)، من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي به. وذكره البخاري معلقًا بصيغة التمريض (١/ ٧٢)، قال ابن حجر: (رجاله ثقات وإنما لم يجزم به للتردد في سماع الشعبي من علي، ولم يقل إنه سمعه من شريح فيكون موصولًا)، قال العلائي: (روى عن علي ﵁ وذلك في صحيح البخاري، وهو لا يكتفي بمجرد إمكان اللقاء)، وذلك أن البخاري (٦٨١٢)، روى له من طريق سلمة بن كهيل قال: سمعت الشعبي يحدث عن علي. ويعكر على ذلك قول الدارقطني: (لم يسمع الشعبي من علي إلا حرفًا واحدًا ما سمع غيره)، يشير إلى هذا الحديث. وعلى القول بأن الشعبي لم يسمع من علي فإن مراسيل الشعبي قوية، قال العجلي: (لا يكاد الشعبي يرسل إلا صحيحًا)، وقال أبو داود: (مرسل الشعبي أحب إلي من مرسل النخعي)، وذكر ابن رجب أن أحمد احتج بالأثر. ينظر: علل الدارقطني ٤/ ٩٧، فتح الباري لابن رجب ٢/ ١٤٩، جامع التحصيل ص ٢٠٤، فتح الباري لابن حجر ١/ ٤٢٥، تهذيب التهذيب ٥/ ٦٨.
[ ١ / ١٧٩ ]
احْتَشَت بها.
ولا يُكره وطؤها زمنَه إنِ اغتسلت.
(وَتَقْضِي الحَائِضُ (١) الصَّوْمَ لَا الصَّلَاةَ) إجماعًا، (وَلَا يَصِحَّانِ)، أي: الصومُ والصلاةُ (مِنْهَا)، أي: مِن الحائضِ، (بَلْ يَحْرُمَانِ) عليها، كالطوافِ، وقراءةِ القرآنِ، واللُّبثِ في المسجدِ، لا المرورِ به إنْ أَمِنَت تلويثَه.
(وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا فِي الفَرْجِ) إلا لمن به شَبَقٌ بشَرْطِه، قال اللهُ تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]، (فَإِنْ فَعَلَ) بأن أَوْلَجَ قبلَ انقطاعِه مَن يُجامِعُ مثلُه حَشَفَتَه ولو بحائلٍ، أو مكرَهًا، أو ناسِيًا، أو جاهِلًا؛ (فَعَلَيْهِ دِينَارٌ، أَوْ نِصْفُهُ (٢) على التخييرِ (كَفَّارةٌ)؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهُ» رواه أحمدُ، والترمذي، وأبو داودَ، وقال: (هكذا الروايةُ الصحيحةُ) (٣).
_________________
(١) زاد في (أ): والنفساء.
(٢) قال في المطلع (ص ٥٩): (نِصْفُ دينَارٍ كَفَّارةً: نصف بكسر النون، وضمها لغة، وبها قرأ زيد بن ثابت: (فلها النصف».
(٣) رواه أحمد (٢٠٣٢)، وأبو داود (٢٦٤)، والنسائي (٢٨٩)، وابن ماجه (٦٤٠)، والحاكم (٦١٢)، والبيهقي (١٥١١)، من طريق شعبة، عن الحكم، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا. ورواه الترمذي (١٣٦)، من طريق خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: (يتصدق بنصف دينار). صححه مرفوعًا: أبو داود، والحاكم، وابن القطان، وابن دقيق العيد، وابن الملقن، والذهبي، وابن القيم، وابن حجر، وأحمد شاكر، والألباني. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول- وقد سُئل عن الرجل يأتي امرأته وهي حائض- قال: (ما أحسن حديث عبد الحميد. قيل له: فتذهب إليه؟ قال: نعم). وضعَّف المرفوع جماعة، منهم: الشافعي، والبيهقي وأطال في بيان علله، وابن السكن، وعبد الحق الأشبيلي، وابن الصلاح، والنووي وقال: (واتفق الحفاظ على ضعف هذا الحديث واضطرابه وتلونه)، وجملة ما أعلوا به الحديث ثلاث علل: الأولى: اضطراب متنه وسنده، وأجاب ابن القطان وغيره عنها، وتقدم تجويد أحمد لرواية عبد الحميد، وكثرة طرق الحديث واضطرابها لا يعني ضعف الحديث دائمًا، وإنما يضعف الحديث بالاضطراب الذي لا مرجح فيه. الثانية: ضعف مقسم الراوي عن ابن عباس، ذكرها ابن حزم، ولم يصب، قال أبو حاتم: (صالح الحديث)، وأخرج له البخاري في الصحيح. الثالثة: الاختلاف على شعبة في رفعه ووقفه، وقد رواه عن شعبة مرفوعًا جماعة من أصحابه من أجلِّهم يحيى القطان وغندر الذي هو أوثق الناس فيه، وقد صرح شعبة عن سبب وقفه أحيانًا في رواية سعيد بن عامر عند الدارمي (١١٤٧)، وقال: (أما حفظي فهو مرفوع، وأما فلان وفلان فقالا: غير مرفوع). ينظر: بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢٧٧، تنقيح التحقيق لابن عبدالهادي ١/ ٣٩٥، خلاصة الأحكام ١/ ٢٣٢، البدر المنير ٣/ ٧٥، التلخيص الحبير ١/ ٤٢٧، صحيح أبي داود للألباني ٢/ ١٥.
[ ١ / ١٨٠ ]
والمرادُ بالدينارِ: مِثْقالٌ مِن الذَّهبِ، مَضْروبًا كان أو غيرَه، أو قيمتُه مِن الفضَّةِ فقط.
ويُجزئُ لواحدٍ، وتسقُطُ بعَجْزِه.
وامرأةٌ مطاوِعةٌ (١) كرجلٍ.
_________________
(١) في (ب): طاوعت.
[ ١ / ١٨١ ]
(وَ) يجوزُ أنْ (يَسْتَمْتِعَ مِنْهَا)، أي: مِن الحائضِ (بِمَا دُونَهُ)، أي: دونَ الفَرْجِ، مِنَ القُبلةِ، واللَّمسِ، والوطءِ دونَ الفرجِ؛ لأنَّ المَحيضَ اسمٌ لمكانِ الحيضِ، قال ابنُ عباسٍ: «فَاعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنَّ» (١).
ويُسنُّ سَتْرُ فَرجِها عندَ مباشرةِ غيرِه.
وإذا أراد وَطأها فادَّعَتْ حيضًا مُمكِنًا؛ قُبِل.
(وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ)، أي: دمُ الحيضِ أو النفاسِ (وَلَمْ تَغْتَسِلْ؛ لَمْ يُبَحْ غَيْرُ الصِّيامِ والطَّلاقِ).
فإن عَدِمَتْ الماءَ تيمَّمت، وحَلَّ وطؤُها.
وتُغَسَّلُ المسلمةُ الممتنعةُ قهرًا، ولا نيَّةَ هنا كالكافرةِ؛ للعذرِ، ولا تُصلِّي به.
ويَنوي عن مجنونةٍ غُسِّلت، كميتٍ.
(وَالمُبْتَدَأَةُ)، أي: في زمَنٍ يُمْكِنُ أنْ يكونَ حيضًا، وهي التي رأت الدمَ، ولم تَكُن حاضت؛ (تَجْلِسُ)، أي: تدعُ الصلاةَ
_________________
(١) رواه ابن جرير في التفسير (٤/ ٣٧٥)، والبيهقي (١٤٨١)، من طريق معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. قال ابن حجر في ترجمة علي بن أبي طلحة: (أرسل عن ابن عباس ولم يره)، وهو الذي قاله دحيم وابن حبان. ينظر: تهذيب التهذيب ٧/ ٣٤٠.
[ ١ / ١٨٢ ]
والصيامَ ونحوَهما بمُجرَّدِ رؤيتِه، ولو أحمرَ، أو صُفْرةً، أو كُدْرةً، (أَقَلَّهُ)، أي: أقلَّ الحيضِ يومًا وليلةً، (ثُمَّ تَغْتَسلُ)؛ لأنَّه آخرُ حيضِها حُكْمًا، (وَتُصَلِّي) وتصومُ ولا توطأُ.
(فَإِنْ انْقَطَعَ) دمُها (لِأَكْثَرِهِ)، أي: أكثرِ الحيضِ خمسةَ عشرَ يومًا (فَمَا دُونُ) - بضمِّ النونِ؛ لقطعِه عن الإضافةِ-؛ (اغْتَسلَتْ إِذَا انْقَطَع (١) أيضًا وجوبًا؛ لصلاحيَّتِه أنْ يكونَ حيضَها (٢)، وتَفعلُ كذلك في الشهرِ الثاني والثالثِ.
(فَإِنْ تَكَرَّرَ) الدَّمُ (ثَلَاثًا)، أي: في ثلاثةِ أشهرِ ولم يَختلفْ؛ (فَ) هو كلُّه (حَيْضٌ)، وتَثْبُت (٣) عادتُها، فتجلِسُه في الشهرِ الرابعِ، ولا تَثبتُ بدونِ ثلاثٍ، (وَتَقْضِي مَا وَجَبَ فِيهِ)، أي: ما صامت فيه مِن واجبٍ، وكذا ما طافَتْهُ، أو اعتكَفَتْه فيه.
وإن ارتفعَ حيضُها ولم يَعُدْ، أو أَيِسَت قبلَ التِّكرارِ؛ لم تَقْضِ.
(وإِنْ عَبَرَ)، أي: جاوَزَ الدمُ (أكْثَرَهُ)، أي: أكثرَ الحيضِ (فَـ) هي (مُسْتَحَاضَةٌ).
والاستحاضةُ: سَيَلانُ الدَّمِ في غيرِ وقتِه، مِن العِرْقِ العاذِلِ مِن أدنى الرَّحمِ، دونَ قَعْرِه.
_________________
(١) في (ق): عند انقطاعه.
(٢) في (ق): حيضًا.
(٣) في (ق): وثبتت.
[ ١ / ١٨٣ ]
(فَإِنْ كَانَ) لها تمييزٌ؛ بأنْ كان (بَعْضُ دَمِهَا أَحْمَرَ، وَبَعْضُهُ أَسْوَدَ، وَلَمْ يَعْبُرْ)، أي: يُجاوزْ الأسودُ (أَكْثَرَهُ)، أي: أكثرَ الحيضِ، (وَلَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ؛ فَهُوَ)، أي: الأسودُ (حَيْضُهَا)، وكذا إذا كان بعضُه ثخينًا، أو مُنْتِنًا، وصَلَح حيضًا، (تَجْلِسُهُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي) ولو لم يَتكرَّر أو يَتوالَ، (وَالأحْمَرُ)، أو الرقيقُ، أو غيرُ المنتنِ (١)؛ (اسْتِحَاضَةٌ)، تَصومُ فيه وتصلي.
(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَمُهَا مُتَميِّزًا؛ جَلَسَتْ (٢) عن الصلاةِ ونحوِها أقلَّ الحيضِ مِن كلِّ شهرٍ حتى يتكرَّرَ ثلاثًا، فتَجلِسَ (غَالِبَ الحَيْضِ)، ستًّا أو سبعًا بتحرٍّ (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) مِن أوَّلِ وقْتِ ابتدائِها إنْ عَلِمَتْه، وإلا فَمِن أوَّل كلِّ هِلاليٍّ.
(وَالمُسْتَحَاضَةُ المُعْتَادَةُ) التي تَعرِف شهرَها، ووقتَ حيضِها، وطُهرِها منه، (وَلَوْ) كانت (مُميِّزَةً؛ تَجْلِسُ عَادَتَهَا)، ثمُّ تَغتسلُ بعدَها وتُصلِّي، (وَإِنْ نَسِيَتْهَا)، أي: نسيت عادتَها (عَمِلَتْ بِالتَّمْيِيزِ الصَّالِحِ)، بألا ينقُصَ الدمُ الأسودُ ونحوُه عن يومٍ وليلةٍ، ولا يَزيدُ على خمسةَ عشرَ، ولو تَنَقَّل أو لم يَتَكرَّرْ.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ) صالحٌ، ونسِيَت عدَدَه ووقتَه؛ (فَغَالِبُ
_________________
(١) في (أ): وغير الرقيق وغير المنتن. وفي (ح): أو غير الرقيق وغير المنتن. وفي (ق): والرقيق وغير المنتن.
(٢) في (ح) و(ق): قعدت.
[ ١ / ١٨٤ ]
الحَيْضِ)، تجلِسُه مِن أوَّلِ كلِّ مدَّةٍ عُلِم الحيضُ فيها وضاعَ موضِعُه، وإلا فمِن أوَّل كلِّ هلالي، (كَالعَالِمَةِ بِمَوْضِعِهِ)، أي: موضعِ الحيضِ، (النَّاسِيَةِ لِعَدَدِهِ)، فتجلِسُ غالبَ الحيضِ في موضعِه.
(وَإِنْ عَلِمَتْ) المستحاضَةُ (عَدَدَهُ)، أي: عدَدَ أيامِ حيضِها، (وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهُ مِنَ الشَّهْرِ، وَلَوْ) كان موضِعُه مِن الشهرِ (فِي نِصْفِهِ؛ جَلَسَتْهَا)، أي: جلست أيامَ عادتِها (مِنْ أَوَّلِهِ)، أي: أوَّل الوقْتِ الذي كان الحيضُ يأتِيها فيهِ، (كَمَنْ)، أي: كمُبْتَدَأةٍ (لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ)، فتجلِسُ مِن أوَّلِ وقتِ ابتدائِها، كما تقدَّم.
(وَمَنْ زَادَتْ عَادَتُهَا)، مثلَ: أن يكونَ حيضُها خمسةً مِن كلِّ شهرٍ، فيصيرُ ستَّةً، (أَوْ تَقَدَّمَتْ)، مثلَ: أن يكونَ عادتُها مِن أوَّلِ الشهرِ فتراه في آخرِه (١)، (أَوْ تَأَخَّرَتْ)، عكسُ التي قبلَها؛ (فَمَا تَكَرَّرَ) مِن ذلك (ثَلَاثًا) فهو (حَيْضٌ).
ولا تَلتفِتُ إلى ما خَرَج عن العادَةِ قبلَ تَكرُّرِه؛ كدمِ المبتدأةِ الزائدِ على أقلِّ الحيضِ، فتصومُ فيه وتُصلِّي قبلَ التِّكرارِ، وتَغتسِل عندَ انقطاعِه ثانيًا، فإذا تكرَّر ثلاثًا صار عادةً، فتُعِيدُ ما صامته ونحوَه مِن فرضٍ.
_________________
(١) في (ب): أن تكون عادتها من آخر الشهر فتراه في أوله.
[ ١ / ١٨٥ ]
(وَمَا نَقَصَ عَنِ العَادَةِ طُهْرٌ)، فإنْ كانت عادتُها ستًّا فانقطع لخمسٍ؛ اغتسلت عندَ انقطاعِه وصَلَّت؛ لأنَّها طاهرةٌ.
(وَمَا عَادَ فِيهَا)، أي: في أيامِ عادتِها؛ كما لو كانت عشرًا فرأت الدمَ ستًّا، ثم انقطع يومين، ثم عاد في التاسعِ والعاشرِ؛ (جَلَسَتْهُ) فيهما؛ لأنَّه صادَفَ زمنَ العادةِ؛ كما لو لم يَنقطِعْ.
(وَالصُّفْرَةُ وَالكُدْرَةُ فِي زَمَنِ العَادَةِ حَيْضٌ)، فتجلسُهما، لا بعدَ العادةِ، ولو تكرَّرتا؛ لقولِ أُمِّ عطيةَ: «كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا» رواه أبو داودَ (١).
(وَمَنْ رَأَتْ يَوْمًا) أو أقلَّ أو أكثرَ (دَمًا، وَيوَمًا) أو أقلَّ أو أكثرَ (نقَاءً؛ فَالدَّمُ حَيْضٌ) حيثُ بلَغَ مجموعُه أقلَّ الحيضِ، (وَالنَّقَاءُ طُهْرٌ)، تغتسلُ فيه، وتصومُ وتصلي، ويُكره وطؤها فيه، (مَا لَمْ يَعْبُرْ)، أي: يُجاوزْ مجموعُهما (أَكْثَرَهُ)، أي: أكثرَ الحيضِ، فيكونُ استحاضةً.
(وَالمُسْتَحَاضَةُ وَنَحْوُها) مِمَّن به سلسُ بولٍ أو مذيٍ أو ريحٍ، أو جُرحٌ لا يَرْقَأُ دَمُه، أو رُعافٌ دائمٌ:
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٠٧) بهذا اللفظ وهي على شرط مسلم كما قال ابن الملقن والألباني، وقد رواه البخاري أيضًا (٣٢٦) بدون قولها: (بعد الطهر). ينظر: البدر المنير ٣/ ١٣٤، صحيح أبي داود للألباني ٢/ ١١٤.
[ ١ / ١٨٦ ]
(تَغْسِلُ فَرْجَهَا)؛ لإزالةِ ما عليه مِن الحدَثِ (١).
(وَتَعْصِبُهُ) عَصْبًا يَمنعُ الخارجَ حسبَ الإمكانِ، فإنْ لم يُمْكِنْ عَصْبُه كالبَاسورِ؛ صلَّى على حَسَبِ حالِه، ولا يَلزمُ إعادتُهما لكلِّ صلاةٍ إنْ لم يُفَرِّطْ.
(وَتَتَوَضَّأُ لِـ) دخولِ (وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) إن خَرَج شيءٌ، (وَتُصَلِّي) ما دام الوقتُ (فُرُوضًا وَنَوافِلَ)، فإنْ لم يَخرجْ شيءٌ لم يَجبْ وضوءٌ.
وإن اعْتِيد انقطاعُه زمنًا يتَّسِعُ للوضوءِ والصلاةِ؛ تعَيَّن؛ لأنَّه أمْكَن الإتيانُ بها كاملةً.
ومَن يَلحقُه السلسُ قائمًا صلَّى قاعدًا، وراكعًا (٢) أو ساجدًا يركعُ ويسجدُ.
(وَلَا تُوطَأُ) المستحاضةُ (إِلَّا مَعَ خَوْفِ العَنَتِ (٣) منه أو منها، ولا كفارةَ فيه.
(وَيُسْتَحبُ غُسْلُهَا)، أي: غُسلُ المستحاضةِ (لِكُلِّ صَلَاةٍ)؛ لأنَّ
_________________
(١) في (أ) و(ب): الخبث.
(٢) في (ق): أو راكعًا.
(٣) قال في المطلع (ص ٦١): (العَنَت: بفتح العين والنون، قال الجوهري: الإثم، وقوله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُم) يعني: الفجور والزنا، والعنت أيضًا: الوقوع في أمر شاق).
[ ١ / ١٨٧ ]
«أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَكَانَتْ تَغْتَسِل عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» متفقٌ عليه (١).
(وَأَكْثَرُ مُدَّةِ النِّفَاسِ)، وهو دمٌ تُرْخِيه الرَّحمُ للولادةِ وبعدَها، وهو بقيَّةُ الدَّمِ الذي احتُبِسَ في مدَّةِ الحملِ لأجلِه، وأصلُه لغةً: مِن التَّنَفسِ، وهو الخروجُ مِن الجوفِ، أو مِن: نفَّسَ اللهُ كُرْبتَه، أي: فرَّجَها، (أَرْبَعُونَ يَوْمًا)، وأوَّلُ مدَّتِه مِن الوضعِ.
وما رأته قبلَ الولادَةِ بيومينِ أو ثلاثةٍ بأمارةٍ؛ فنفاسٌ، وتقدَّم (٢).
ويَثبتُ حُكمُه بشيءٍ فيه خَلْقُ الإنسانِ.
ولا حدَّ لأقلِّه؛ لأنه لم يَردْ تحديدُه.
وإن جاوَز الدمُ الأربعين، وصادَف عادةَ حيضِها ولم يَزدْ، أو زاد وتكرَّر؛ فحيضٌ إن لم يُجاوِزْ أكثرَه.
ولا يَدخُلُ حيضٌ واستحاضةٌ في مدَّةِ نفاسٍ.
(وَمَتَى طَهُرَتْ قَبْلَهُ)، أي: قبلَ انقضاءِ أكثرِه (تَطَهَّرتْ)، أي: اغتسلت، (وَصَلَّتْ)، وصامت؛ كسائرِ الطاهراتِ؛ كالحائضِ إذا انقطعَ دمُها في عادتِها.
(وَيُكْرَهُ وَطْؤُهَا قَبْلَ الأَرْبَعِينَ بَعدَ) انقطاعِ الدمِ و(التَّطْهِيرِ)، أي:
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢٧)، ومسلم (٣٣٤)، من حديث عائشة.
(٢) انظر صفحة
[ ١ / ١٨٨ ]
الاغتسالِ، قال أحمدُ: (ما يُعجبني أن يأتِيَها زوجُها، على حديثِ عثمانَ بنِ أبي العاصِ) (١).
(فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ) في الأربعين (فَمَشْكُوكٌ فِيهِ)، كما لو لم تَرَهُ ثم رَأَتْهُ فيها، (تَصُومُ، وَتُصَلِّي)، أي: تَتعبَّدُ؛ لأنَّها واجبةٌ في ذمَّتِها بيقينٍ، وسقوطُها بهذا الدمِ مشكوكٌ فيه، (وَتَقْضِي الوَاجِبَ) مِن صومٍ ونحوِه؛ احتياطًا، ولوجوبِه يقينًا، ولا تقضي الصلاةَ كما تقدَّم.
(وَهُوَ)، أي: النفاسُ (كَالحَيْضِ):
(فِيمَا يَحِلُّ)؛ كالاستمتاعِ بما دونَ الفرجِ.
(وَ) فيما (يَحْرُمُ) به؛ كالوطءِ في الفرجِ، والصومِ، والصلاةِ، والطلاقِ بغيرِ سؤالِها على عوضٍ.
(وَ) فيما (يَجِبُ) به؛ كالغُسْلِ، والكفارةِ بالوطءِ فيه.
(وَ) فيما (يَسْقُطُ) به؛ كوجوبِ الصلاةِ، فلا تقضيها.
_________________
(١) مسائل أحمد برواية ابن أبي الفضل صالح (ص ٢٣٧)، دون ذكر حديث عثمان بن أبي العاص. وأثر عثمان بن أبي العاص: رواه عبدالرزاق (١٢٠١)، وابن أبي شيبة (١٧٤٥٠)، والدارقطني (٨٥٣)، من طرق عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص. والحسن سمع من عثمان بن أبي العاص كما قال ابن المديني، ولكنه كثير التدليس ولم يصرح بالسماع، قال ابن حجر: (والحسن عن عثمان بن أبي العاص منقطع)، وضعَّفه الألباني. ينظر: العلل لابن المديني ص ٥١، التلخيص ١/ ٤٤١، الإرواء ١/ ٢٢٦.
[ ١ / ١٨٩ ]
(غَيْرَ العِدَّة)، فإن المُفارَقَةَ في الحياةِ تَعتدُّ بالحيضِ دونَ النفاسِ.
(وَ) غيرَ (البُلُوغِ)، فيثبتُ بالحيضِ دونَ النفاسِ؛ لحصولِ البلوغِ بالإنزالِ السَّابقِ للحَمْلِ.
ولا يُحْتَسبُ بمُدَّةِ النفاسِ على المُولي، بخلافِ مدَّةِ الحيضِ.
(وَإِنْ وَلَدَت) امرأةٌ (تَوْأَمَيْنِ)، أي: وَلَدَين في بطْنٍ واحدٍ؛ (فَأَوَّلُ نِفَاسٍ (١) وَآخِرُهُ مِنْ أَوَّلِهِمَا)؛ كالحملِ الواحدِ، فلو كان بينَهما أربعون فأكثرَ، فلا نفاسَ للثاني.
ومَنْ صارت نُفساءُ بتعدِّيها بضربِ بطنِها أو شُرْبِ (٢) دواءٍ؛ لم تَقْضِ. (٣)
_________________
(١) في (ق): النفاس.
(٢) في (ق): بشرب.
(٣) في هامش الأصل: (بلغ مقابلة على مؤلفه).
[ ١ / ١٩٠ ]