يُسنُّ الخروجُ إليها بسكينةٍ ووقارٍ، ويُقارِب خُطاه.
وإذا دَخَل المسجدَ قدَّم رِجْلَه اليُمنى، واليُسرى إذا خَرَج، ويقولُ ما وَرَد، فيقولُ عندَ دخولِه: «بِسْمِ اللهِ، وَالصَّلَاةُ (١) وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» (٢)،
ويقولُ عندَ خروجِه أيضًا كذلك، إلا أنَّه يُبْدلُ الرَّحمةَ بالفضلِ.
_________________
(١) قوله: (والصلاة) سقطت من (ب).
(٢) رواه أحمد (٢٦٤١٧)، والترمذي (٣١٤)، وابن ماجه (٧٧١)، من طريق ليث، عن عبد الله بن الحسن، عن أمه، عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ، قالت: كان رسول الله ﷺ، إذا دخل المسجد يقول: «بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك»، وإذا خرج قال: «بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك». وليس في رواية الترمذي البسملة، قال الترمذي: (حديث فاطمة حديث حسن، وليس إسناده بمتصل، وفاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى)، قال المباركفوري: (الظاهر أنه حسنه لشواهده)، وضعفه ابن حجر والألباني، وقال: (وهو مع أنه منقطع كما بينه مخرجه الترمذي، فإن الدعاء المذكور فيه تفرد بذكره في الحديث ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، فدل ذلك على أنه لا يصح وأنه منكر)، فضعف الألباني البسملة في أوله، وقول: (اللهم اغفر لي ذنوبي)، وصحح باقيه لشواهده. وروى مسلم (٧١٣)، من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري، عن أبي حميد الساعدي أو أبي أسيد الأنصاري مرفوعًا: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج، فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك»، ورواه أبو داود (٤٦٥)، وابن ماجه (٧٧٢)، وأبو عوانة (١٢٣٤)، وابن حبان (٢٠٤٨)، وزادوا: «فليسلم على النبي ﷺ، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك» الحديث. صحح الزيادة أبو عوانة، وابن حبان، وابن حجر، والألباني. ينظر: نتائج الأفكار ١/ ٢٨٦، تمام المنة ص ٢٩٠، تحفة الأحوذي ٢/ ٢١٦، السلسلة الضعيفة ١٤/ ١٠٤٨.
[ ١ / ٢٣٩ ]
ولا يُشَبِّكُ أصابعَه، ولا يَخوضُ في حديثِ الدِّنيا، ويجلسُ مستقبلَ القبلةِ.
و(يُسَنُّ) للإمامِ فالمأمومِ (١) (القِيَامُ عِنْدَ) قولِ المقيمِ: («قَدْ» مِنْ إِقَامَتِهَا)، أي: مِن (قد قامت الصَّلاةُ)؛ «لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ» رواه ابنُ أبي أوفى (٢)، وهذا إن رأى المأمومُ الإمامَ، وإلَّا قام عند رؤيتِهِ.
ولا يُحْرِمُ الإمامُ حتى تَفْرُغَ الإقامةُ.
_________________
(١) في (ب): والمأموم.
(٢) رواه أبو يعلى كما في المطالب العالية (٤٥١)، والبزار (٣٣٧١)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٥٣٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٢٩٧)، وابن حزم في المحلى (٣/ ٣٣)، من طريق حجاج بن فروخ التميمي، ثنا العوام بن حوشب، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: كان إذا قال بلال: (قد قامت الصلاة) نهض رسول الله ﷺ فكبر. قال البيهقي: (لا يرويه إلا الحجاج بن فروخ، وكان يحيى بن معين يضعفه)، وضعَّف الحديث النووي، وقال ابن حزم: (هذا أثر مكذوب، الحجاج بن فروخ متفق على ضعفه وترك الاحتجاج به)، وحكم عليه الألباني بالنكارة. ينظر: المحلى ٣/ ٣٣، المجموع ٣/ ٢٥٤، السلسلة الضعيفة ٩/ ٢٢٤.
[ ١ / ٢٤٠ ]
(وَ) يُسنُّ (تَسْوِيَةُ الصَّفِ) بالمناكِبِ والأَكْعُبِ، فليلتفتُ (١) عن يمينِه فيقولُ: استووا رَحِمَكم اللهُ، وعن يسارِه كذلك.
ويُكمَّلُ الأوَّلُ فالأوَّلُ، ويَتراصُّون، ويَمِينِه (٢) والصَّفُّ الأولُ للرِّجالِ أفضلُ، وله ثوابُه وثوابُ مَنْ وراءَه ما اتصلت الصُّفوفٌ، وكلما قَرُب منه فهو أفضلُ، والصفُّ الأخيرُ للنساءِ أفضلُ.
(وَيَقُولُ) قائمًا في فرضٍ مع القدرةِ: (اللهُ أَكْبَرُ)، فلا تَنعقِدُ إلا بها نطقًا؛ لحديثِ: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» رواه أحمدُ وغيرُه (٣).
_________________
(١) في (أ) و(ح) و(ق): فيلتفت.
(٢) في (أ) و(ب): ويمنة.
(٣) رواه أحمد (١٠٠٦)، وأبو داود (٦١)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥)، وغيرهم، من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد ابن الحنفية، عن علي بن أبي طالب. أعله بعض الحفاظ بابن عقيل، ولذلك قال الترمذي: (هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وعبد الله بن محمد بن عقيل هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل - يعني: البخاري -، يقول: كان أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، والحميدي، يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، قال محمد: وهو مقارب الحديث)، وللحديث شواهد أخرى من حديث أبي سعيد الخدري، وجابر وغيرهما، وثبت موقوفًا عن ابن مسعود عند أبي نعيم في كتاب الصلاة، قال الحافظ: (وإسناده صحيح، وهو موقوف). والحديث صححه الترمذي، والحاكم، وابن السكن، وابن حجر، وحسنه البغوي، والنووي، والألباني. ينظر: شرح السنة ٣/ ١٧، خلاصة الأحكام ١/ ٣٤٨، البدر المنير ٣/ ٤٤٧، التلخيص الحبير ١/ ٥٣٤، أصل صفة الصلاة للألباني ١/ ١٨٤.
[ ١ / ٢٤١ ]
فلا تصحُّ إن نكَّسَه، أو قال: اللهُ الأكبرُ، أو الجليلُ ونحوُه، أو مدَّ همزةَ (اللهُ)، أو (أكبرُ)، أو قال: أكبار (١).
وإن مَطَّطَه كُرِه مع بقاءِ المعنى.
فإن أتى بالتحريمةِ، أو ابتدَأها، أو أتَمَّها غيرَ قائِمٍ؛ صحَّت نفلًا إن اتَّسَع الوقتُ.
ويكونُ حالَ التَّحريمةِ (٢) (رَافِعًا يَدَيْهِ) ندبًا، فإن عَجَز عن رَفْعِ إحداهما رَفَع الأخرى مع ابتداءِ التَّكبيرِ، ويُنْهِيه معه، (مَضْمُومَةَ (٣) الأَصَابِعِ، مَمْدُودَةَ) الأصابعِ، مُستقبِلًا ببطونِها (٤) القبلةَ، (حَذْوَ) أي: مُقابِلةً (٥) (مَنْكِبَيْهِ)؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «كَانَ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ» متفقٌ عليه (٦)، فإن لم يَقْدِرْ على الرَّفْعِ المسنونِ رَفَع حَسَب إمكانِه، ويَسقُطُ بفراغِ التَّكبيرِ كلِّه.
_________________
(١) أكبار: جمع كَبَر، بفتح الكاف والباء، أي: الطبل الذي له وجه واحد، مثل: أسباب جمع سبب، وقد يجمع على كِبار مثل: جبل وجبال. ينظر: المصباح المنير ٢/ ٥٢٣.
(٢) في (أ) و(ب): حالة تحريمه.
(٣) في (ب): مضمومتي.
(٤) في (أ): ببطونهما.
(٥) في باقي النسخ: مقابل.
(٦) رواه البخاري (٧٣٥)، ومسلم (٣٩٠)، واللفظ لمسلم.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وكَشْفُ يديْهِ هنا وفي الدِّعاءِ أفضلُ، ورَفْعُهما إشارةٌ إلى رفْعِ الحجابِ بينَه وبينَ ربِّه.
(كَالسُّجُودِ)، يعني: أنه يُسنُّ في السُّجودِ وضْعُ يديه بالأرضِ حَذْوَ منكبيه.
(وَيُسْمِعُ الإِمَامُ) استحبابًا التكبيرَ كلَّه (مَنْ خَلْفَهُ) مِن المأمومين؛ ليتابِعوه، وكذا يجهرُ بسمِع اللهُ لمن حمِده، والتَّسليمةِ الأُولى.
فإن لم يُمْكِنْه إسْماعُ جميعِهِم جَهَر به بعضُ المأمومين؛ «لفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ مَعَهُ ﷺ» متفقٌ عليه (١).
(كَقِرَاءَتِهِ)، أي: كما يُسنُّ للإمامِ أن يُسْمِعَ قراءَتَه مَن خلفَه (فِي أَوَّلَتَيْ غَيْرِ الظُّهْرَيْنِ)، أي: الظُّهرِ والعصرِ، فيجهرُ في أوَّلتي المغربِ والعشاءِ، وفي الصُّبحِ، والجمعةِ، والعيدينِ، والكسوفِ، والاستسقاءِ، والتراويحِ، والوترِ؛ بقدرِ ما يُسمعُ المأمومين.
(وَغَيْرُهُ)، أي: غيرُ الإمامِ، وهو المأمومُ والمنفرِدُ، يُسِّرُّ بذلك كلِّه، لكن ينطِقُ به بحيثُ (٢) يُسْمِعُ (نَفْسَهُ) وجوبًا في كلِّ واجبٍ؛ لأنَّه لا يكونُ كلامًا بدونِ الصَّوتِ، وهو ما يَتَأَتَّى سَماعُه حيثُ لا مانِعَ، فإن كان؛ فبحيثُ يحصُلُ السَّماعُ مع عدمِه.
(ثُمَّ) إذا فَرَغ مِن التَّكبيرِ (يَقْبِضُ كُوعَ يُسْراهُ) بيمينِه، ويجعلُهما
_________________
(١) رواه البخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨)، من حديث عائشة.
(٢) في (أ): حيث.
[ ١ / ٢٤٣ ]
(تَحْتَ سُرَّتِهِ) استحبابًا؛ لقولِ عليٍّ: «مِنَ السُّنَّةِ وَضْعُ اليَمِينِ (١) عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ (٢).
(وَيَنْظُرُ) المصلِّي استحبابًا (مَسْجِدَهُ)، أي: موضعَ سجودِه؛ لأنَّه أخْشَعُ، إلا في صلاةِ خوفٍ لحاجةٍ.
(ثُمَّ) يَستفتحُ نَدْبًا فـ (يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ)، أي: أُنزِّهُك اللهم عمَّا لا يَليقُ بك، (وَبِحَمْدِكَ) سبَّحتُك، (وَتَبَارَكَ اسْمُكَ)، أي: كَثُرت بركاتُه (٣)، (وَتَعَالَى جَدُّكَ)، أي: ارتفع قدرُك وعَظُم، (وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ)، أي: لا إله يَستحِقُّ أن يُعْبَدَ غيرُك؛ «كَانَ ﵇ يَسْتَفْتِحُ بِذلِكَ» رواه أحمدُ وغيرُه (٤).
_________________
(١) في (ق): اليمنى.
(٢) أخرجه أحمد (٨٧٥)، وأبو داود (٧٥٦)، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، عن زياد بن زيد السوائي، عن أبي جحيفة، عن علي، قال البيهقي: (لم يثبت إسناده، تفرَّد به عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو متروك)، وقال النووي: (اتفقوا على تضعيفه؛ لأنه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، منكر الحديث، مجمع على ضعفه)، وضعفه ابن القطان، وابن عبد الهادي، وابن حجر، والألباني. ينظر: معرفة السنن والآثار للبيهقي ٢/ ٣٤٠، شرح صحيح مسلم ٤/ ١١٥، نصب الراية ١/ ٣١٣، التلخيص الحبير ١/ ٦٥٠، إرواء الغليل ٢/ ٦٩.
(٣) في (ب): بركاتك.
(٤) أخرجه أحمد (١١٤٧٣)، وأبو داود (٧٧٥)، والترمذي (٢٤٢)، والنسائي (٨٩٩)، وابن ماجه (٨٠٤)، من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا، قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم، وقد تُكلم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي، وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث). فحديث أبي سعيدٍ هذا ضعفه أحمد، والترمذي، والنووي، وابن حجر وغيرهم. وصححه الألباني، وقال: (لا ينفي أن يكون حسنًا، فإن رجاله كلهم ثقات، وعلى هذا وإن تكلم فيه يحيى بن سعيد فقد وثَّقه يحيى بن معين، ووكيع، وأبو زرعة)، ثم قال: (وكأن العقيلي أشار إلى تقويته حيث قال: وقد روي من غير وجه بأسانيد جياد). وللحديث شواهد عن عائشة، وأنس، وجابر، وابن عمر وغيرهم، وكلها لا تخلو من مقال، لذا قال النووي: (وروي الاستفتاح: (بسبحانك اللهم وبحمدك) من رواية جماعة من الصحابة، وأحاديثه كلها ضعيفة)، وقال المروذي: (سألت أبا عبد الله عن استفتاح الصلاة، فقال: نذهب فيه إلى حديث عمر، وقد روي فيه من وجوه ليست بذاك). ورجَّح أحمد، والدارقطني، والبيهقي، وابن حجر وغيرهم الموقوف على عمر من قوله، رواه ابن أبي شيبة (٢٣٨٩)، وعبد الرزاق (٢٥٥٥)، والحاكم (٨٥٩)، وابن خزيمة (٤٧١)، والدارقطني (١١٤٢)، والبيهقي (٢٣٥٠)، من طرق عن الأسود بن يزيد عن عمر، وإسناده صحيح، قال الدارقطني: (والمحفوظ عن عمر من قوله، وهو الصواب)، وقال البيهقي؛ (وأصح ما روي فيه الأثر الموقوف على عمر بن الخطاب ﵁)، وتقدم كلام أحمد. تنبيه: رواه مسلم (٣٩٩)، من طريق عبدة عن عمر، قال ابن عبد الهادي: (وهو منقطع، فإنَّ عَبْدَة - وهو ابن أبي لُبابة - لم يدرك عمر، وإنَّما رواه مسلم؛ لأنَّه سمعه مع حديث غيره، فرواهما جميعًا، وإن لم يكن هذا على شرطه)، ولكن الأثر صح عن عمر من غير طريق عبدة كما تقدم. ينظر: خلاصة الأحكام ١/ ٣٦١، تنقيح التحقيق ٢/ ١٥٠، نصب الراية ١/ ٣١٨، التلخيص الحبير ١/ ٥٥٩، إرواء الغليل ٢/ ٤٨.
[ ١ / ٢٤٤ ]
(ثُمَّ يَسْتَعِيذُ) ندبًا، فيقولُ: أعوذُ باللهِ مِن الشَّيطانِ الرجيمِ.
[ ١ / ٢٤٥ ]
(ثُمَّ يُبَسْمِلُ) ندبًا، فيقولُ: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وهي قرآنٌ، آيةٌ منه، نَزَلت فَصلًا بين السُّوَرِ، غيرَ براءةٍ؛ فيُكره ابتداؤها بها.
ويكونُ الاستفتاحُ والتعوذُ والبسملةُ (سِرًّا)، ويُخيرُ في غيرِ صلاتِه (١) في الجهرِ بالبسملةِ.
(وَلَيْسَتْ) البسملةُ (مِنَ الفَاتِحَةِ).
وتُستحبُ عندَ فِعْلِ كلِّ (٢) مُهِمٍّ.
(ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ) تامَّةً، بتشديداتِها، وهي ركنٌ في كلِّ ركعةٍ، وهي أفضلُ سورةٍ، وآيةُ الكرسي أعظمُ آيةٍ، وسُميت فاتحةً؛ لأنَّه يُفْتَتَحُ بقراءتِها الصَّلاةُ، وبكتابتِها في المصاحِفِ، وفيها إحدى عشرة تشديدةً.
ويقرؤها (٣) مرتبةً، متواليةً، (فَإِنْ قَطَعَهَا بِذِكْرٍ، أوْ سُكُوتٍ غَيْرِ مَشْرُوعَيْنِ وَطَالَ) عرفًا؛ أعادها، فإن كان مشروعًا؛ كسؤالِ الرَّحمةِ عندَ تلاوةِ آيةِ رحمةٍ، وكالسكوتِ لاستماعِ قراءةِ إمامِه، وكسجودِه لتلاوةٍ (٤) مع إمامِه؛ لم يَبطلْ ما مضى مِن قراءتِها مطلقًا، (أَوْ تَرَكَ
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(ق) و(ح): صلاة.
(٢) في (أ): كل فعل.
(٣) من (ب): يقرؤها.
(٤) وفي (أ) و(ب) و(ح): وكسجوده للتلاوة. وفي (ق): وكسجود للتلاوته.
[ ١ / ٢٤٦ ]
مِنْهَا تَشْدِيدَةً، أَوْ حَرْفًا، أو تَرْتِيبًا؛ لَزِمَ غَيْرَ مَأْمُومٍ إعَادَتُهَا)، أي: إعادةُ الفاتحةِ، فيستَأْنِفُها إن تعمد.
ويُستحبُ أن يقرأها مرتلةً، مُعْرَبَةً، يقِفُ عندَ كلِّ آيةٍ، «كقِرَاءَتِهِ ﵇» (١).
ويُكره الإفْراطُ في التَّشديدِ والمَدِّ.
(وَيَجْهَرُ الكُلُّ)، أي: المنفرِدُ، والإمامُ (٢)، والمأمومون (٣) معًا
_________________
(١) رواه أحمد (٢٦٥٨٣)، وأبو داود (٤٠٠١)، والترمذي (٢٩٢٣)، من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، قالت: «كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته»، وفيه عنعنة ابن جريج وهو مدلس، إلا أن نافع بن عمر الجمحي تابعه عند أحمد (٢٦٤٧٠). وأعله الطحاوي بعدم سماع ابن أبي مليكة هذا الحديث من أم سلمة، بل سمعه من يعلى بن مَمْلك وهو مجهول، إذ قد ورد الحديث عند الترمذي (٢٩٢٣)، من طريق الليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك، عن أم سلمة، ورجح الترمذي هذا الطريق، فقال: (وحديث الليث أصح). وأجاب ابن الملقن وغيره عن ذلك: بأنه لا يمتنع سماع ابن أبي مليكة من أم سلمة مرة، ومن يعلى بن مملك مرة، ويقوي ذلك تصحيح من صححه من الأئمة، قلنا: ومتابعة نافع بن عمر تقويه أيضًا. والحديث صححه الترمذي، والحاكم، وابن خزيمة، والدارقطني، والبيهقي، والنووي، وابن الملقن، والألباني. ينظر: سنن الدارقطني ٢/ ٨٦، خلاصة الأحكام ١/ ٣٦٦، البدر المنير ٣/ ٥٥٦، إرواء الغليل ٢/ ٦٠.
(٢) في (ق): الإمام والمنفرد.
(٣) في (ب): والمأموم.
[ ١ / ٢٤٧ ]
(بِآمِينَ (١) فِي) الصَّلاةِ (الجَهْرِيَّةِ) بعدَ سكتةٍ لطيفةٍ؛ ليُعْلَمَ أنَّها ليست مِن القرآنِ، وإنما هي طابَعُ (٢) الدُّعاءِ، ومعناه: اللهم استجب، ويَحرُمُ تشديدُ مِيمِها.
فإن تَرَكه إمامٌ، أو أسرَّه؛ أتى به مأمومٌ جهرًا.
ويَلزمُ الجاهلُ تعلُّم الفاتحةِ، والذِّكرِ الواجبِ.
ومَن صلَّى وتَلَقَّفَ القراءةَ مِن غيرِه صحَّت.
(ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا)، أي: بعدَ الفاتحةِ (سُورَةً) ندبًا، كاملةً، يَفتتحُها ببسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، وتجوزُ آيةٌ، إلا أنَّ أحمدَ استَحب كونُها طويلةً كآيةِ الدَّينِ والكرسي.
ونصَّ على جوازِ تفريقِ السورةِ في ركعتين (٣)؛ «لِفِعْلِهِ ﵇» (٤).
_________________
(١) قال في المطلع (ص ٩٣): (آمين: فيه لغتان مشهورتان، قصر الألف ومدها، وحكي عن حمزة والكسائي: المد والإمالة، وحكى القاضي عياض وغيره لغة رابع: تشديد الميم مع المد، قال أصحابنا: ولا يجوز التشديد؛ لأنه يخل بمعناه فيجعله: بمعنى قاصدين، كما قال تعالى: (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ)، وقال أبو العباس ثعلب: ولا تشدد الميم فإنه خطأ).
(٢) طابَع: بالفتح: ما يطبع ويختم، أما الطّابِع -بالكسر- فهو الرجل الذي يطْبَع الكتاب. ينظر: لسان العرب ٨/ ٢٢٣، تصحيح التصحيف ص ٣٦١.
(٣) قال إسحاق بن هانئ: سألت أبا عبد الله عن الرجل يقرأ السورة في ركعتين؟ قال: (لا بأس به). ينظر: مسائل ابن هانئ، رقم ٢٥٣.
(٤) من ذلك ما رواه أحمد (٢٣٥٤٥)، من حديث أبي أيوب أو زيد بن ثابت: «أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين»، إسناده صحيح ورجاله ثقات. وأصله في البخاري (٧٦٤)، من حديث زيد قال: «مالك تقرأ في المغرب بقصارٍ، وقد سمعت النبي ﷺ يقرأ بطولى الطوليين» يعني: الأعراف. وروى النسائي (٩٩١)، من حديث عائشة: «أن رسول الله ﷺ قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فرَّقها في ركعتين»، وحسن النووي إسناده، وصححه الألباني. ينظر: خلاصة الأحكام ١/ ٣٨٦، صحيح أبي داود ٣/ ٣٩٨.
[ ١ / ٢٤٨ ]
ولا يُعتَدُّ بالسُّورةِ قبلَ الفاتحةِ.
ويُكره الاقتصارُ في الصَّلاةِ على الفاتحةِ، والقراءةُ بكلِّ القرآنِ في فرضٍ؛ لعدمِ نقلِه، وللإطالةِ.
و(تَكُونُ) السُّورةُ (فِي) صلاةِ (الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ المُفَصَّلِ)، بكسرِ الطاءِ (١)، وأوَّلُه (ق) [ق: ١]، ولا يُكره لعذرٍ كمرضٍ وسفرٍ بقصارِه.
(وَ) تكونُ (فِي) صلاةِ (المَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ)، ولا يُكره بطِوالِه.
(وَ) تكونُ السُّورةُ (فِي البَاقِي) مِن الصَّلواتِ؛ كالظُّهرين والعشاءِ (مِنْ أَوْسَاطِهِ).
ويحرُمُ تَنْكِيسُ الكلِماتِ، وتَبْطُلُ به.
ويُكره تَنْكِيسِ السُّورِ والآياتِ.
_________________
(١) قال في المطلع (ص ٩٤): (طوال -بكسر الطاء لا غير-: جمع طويل، وطُوال -بضم الطاء-: الرجل الطويل، وطَوال -بفتحها-: المُدَّةُ: ذكره أبو عبد الله بن مالك في مثلثه، وذكره غيره. والمفصل للعلماء في أوله أربعة أقوال: أحدهما: أنه من أول (ق)، والثاني: أنه من أول الحجرات، والثالث: من أول الفتح، والرابع: من أول القتال، والصحيح الأول).
[ ١ / ٢٤٩ ]
ولا يُكره ملازمةُ سورةٍ مع اعتقادِ جوازِ غيرِها.
(وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِقِرَاءَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ) بنِ عفانَ ﵁؛ كقراءةِ ابنِ مسعودٍ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ) (١).
وتَصحُّ بما وافَق مُصحفَ عثمانَ، وصحَّ سندُه، وإن لم يَكُن مِن العشرةِ، وتَتعلق به الأحكامُ.
وإن كان في القراءةِ زيادةُ حرفٍ فهي أوْلَى؛ لأجلِ العشرِ حسناتٍ.
(ثُمَّ) بعدَ فراغِه مِن قراءةِ السُّورةِ (يَرْكَعُ مُكَبِّرًا)؛ لقولِ أبي هريرةَ ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَبِّرُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ» متفق عليه (٢).
(رَافِعًا يَدَيْهِ) مع ابتداءِ الرُّكوعِ؛ لقولِ ابنِ عمرَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ، وإِذَا أَرَادَ أَنْ
_________________
(١) رواه عبد الرزاق (١٦١٠٢، وما بعده)، من طرق عن عطاء ومجاهد وأبي إسحاق والأعمش، عن ابن مسعود، قال البيهقي في سننه (٢٠٠١٢): (وكل ذلك مراسيل عن عبد الله بن مسعود ﵁)، إلا أنه في رواية مجاهد قال: في قراءة عبد الله (متتابعة). قال الألباني: (فقد يكون قرأها في مصحفه، وقد يكون سمعها منه صغيرًا، فإن بين وفاة ابن مسعود وولادة مجاهد عشر سنين)، ثم قال: (وبالجملة فالحديث أو القراءة ثابت بمجموع هذه الطرق عن هؤلاء الصحابة: ابن مسعود، وابن عباس، وأُبَي). ينظر: إرواء الغليل ٨/ ٢٠٣.
(٢) رواه البخاري (٧٨٩)، ومسلم (٣٩٢).
[ ١ / ٢٥٠ ]
يَرْكَعَ، وبَعْدَمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ» متفق عليه (١).
(وَيَضَعُهُمَا)، أي: يديه (عَلَى رُكْبَتَيْهِ، مُفَرَّجَتَيْ الأَصَابِعِ) استحبابًا.
ويُكره التَّطْبِيقُ؛ بأن يَجعلَ إحدى كفَّيْه على الأُخرى، ثم يَجعلهما بين ركبتيه إذا رَكَع، وهذا كان في أوَّلِ الإسلامِ، ثم نُسخ.
ويكونُ المصلِّي (مُسْتَوِيًا ظَهْرُهُ)، ويجعلُ رأسَه حِيَالَ ظهرِه، فلا يَرفعُه ولا يَخفِضُه، روى ابنُ ماجه عن وابصةَ بنِ معبدٍ قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ سَوَّى ظَهْرَهُ، حَتَّى لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ المَاءُ لَاسْتَقَرَّ» (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣٥)، ومسلم (٣٩٠).
(٢) رواه ابن ماجه (٨٧٢)، قال البوصيري: (هذا إسناد ضعيف، فيه طلحة بن زيد، قال فيه البخاري وغيره: منكر الحديث، وقال أحمد وابن المديني: يضع الحديث)، وقال ابن رجب: (وإسناده ضعيف جدًا). وللحديث شواهد صُحِّح الحديث من أجلها، منها: حديث أبي مسعود عند الطبراني في الكبير (٦٧٤)، وحديث أبي برزة عند الطبراني في الأوسط (٥٦٧٦)، قال الحافظ: (ورواه الطبراني في الكبير من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو، ومن حديث أبي برزة الأسلمي، وإسناد كل منهما حسن)، وحسَّن ابن الملقن إسناد حديث أبي برزة، وصححه الألباني بمجموع الشواهد. ينظر: فتح الباري لابن رجب ٧/ ١٦٦، مصباح الزجاجة ١/ ١٠٨، البدر المنير: ٣/ ٥٩٦، التلخيص الحبير ١/ ٥٨٨، أصل صفة الصلاة للألباني ٢/ ٦٣٧.
[ ١ / ٢٥١ ]
ويُجَافي مِرفقيه عن جنبيه.
والمجزئُ: الانحناءُ بحيثُ يُمكِنُ (١) مسُّ ركبتيه بيديه إن كان وسَطًا في الخِلقةِ، أو قدرُه مِن غيرِه، ومِن قاعدٍ: مقابلةُ وجهِه ما وراءَ ركبتيه مِن الأرضِ أدنى مقابلةً، وتتمَّتُها الكمالُ.
(وَيَقُولُ) راكعًا: (سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ)؛ «لأَنَّهُ ﵇ كَانَ يَقُولُهَا فِي رُكُوعِهِ» رواه مسلمٌ وغيرُه (٢)، والاقتصارُ عليها أفضلُ، والواجبُ مرةً، وأدنى الكمالِ ثلاثٌ، وأعلاه لإمامٍ عشرٌ، وقال أحمدُ (٣): (جاء عن الحسنِ: التَّسبيحُ التَّامُّ سبعٌ، والوسطُ خمسٌ، وأدناه ثلاثٌ) (٤).
(ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ السَّابقِ، (قَائلًا إِمَامٌ وَمُنْفَرِدٌ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه)، مرتَّبًا وجوبًا؛ «لأَنَّهُ ﵇ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ» (٥)،
_________________
(١) في (ح): يمكنه.
(٢) رواه مسلم (٧٧٢)، ورواه أيضًا أحمد (٢٣٣٦٧)، وأبو داود (٨٦٩)، وابن ماجه (٨٨٧)، وغيرهم، من حديث حذيفة بن اليمان، وفيه: «ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم».
(٣) رسالة الإمام أحمد في الصلاة التي نقلها ابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ٣٥٨).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٥٦٨)، وسنده صحيح.
(٥) ثبت ذلك في صحيح البخاري (٧٣٥)، ومسلم (٣٩٠)، من حديث ابن عمر، وفيه: «وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، ونحوه من حديث أبي هريرة عند البخاري (٧٨٩)، ومسلم (٣٩٢).
[ ١ / ٢٥٢ ]
قاله في المبدعِ (١)، ومعنى سمِع: استجاب.
(وَ) يقولان (بَعْدَ قِيَامِهِمَا) واعتدالِهما: (رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاءِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، ومِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)، أي: حمدًا لو كان أجسامًا لملأ ذلك، وله قولُ: اللهم ربنا ولك الحمد، وبلا (واو) أفضلُ، عكسُ: ربنا لك الحمد (٢).
(وَ) يقولُ (مَأْمُومٌ فِي رَفْعِهِ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، فَقَطْ)؛ لقولِه ﵇: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ» متفقٌ عليه مِن حديثِ أبي هريرةَ (٣).
وإذا رَفَع المصلِّي مِن الرُّكوعِ، فإنْ شاء وضَعَ يمينه على شمالِه، أو (٤) أرسَلَهما.
(ثُمَّ) إذا فَرَغ مِنْ ذِكْرِ الاعتدالِ (يَخِرُّ مُكَبِّرًا)، ولا يرفعُ يديه، (سَاجِدًا عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ: رِجْلَيْهِ، ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَبْهَتِهِ مَعَ أَنْفِهِ)؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: «أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا: الجَبْهَةِ وَاليَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ،
_________________
(١) (١/ ٣٩٦).
(٢) في (أ) و(ب): عكس ربنا ولك الحمد.
(٣) رواه البخاري (٧٣٤)، ومسلم (٤١٤).
(٤) في (ح): أو إن شاء.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وَالرِّجْلَيْنِ» متفق عليه (١)، وللدارقطني عن عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ مرفوعًا: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَضَعْ أَنْفَهُ عَلَى الأَرْضِ» (٢).
ولا تجبُ مباشرةُ المصلَّى بشيءٍ منها، فتصحُّ (وَلَوْ) سجد (مَعَ حَائلٍ) بين الأعضاءِ ومُصلَّاه؛ قال البخاري في صحيحِه: (قال الحسنُ: كان القومُ يسجدون على العمامةِ والقَلَنْسُوةِ) (٣)، إذا كان الحائلُ (لَيْسَ مِنْ أَعْضَاءِ سُجُودِهِ)، فإن جَعَلَ بعضَ أعضاءِ السُّجودِ فوقَ بعضٍ؛ كما لو وَضَع يديه على فخذيه، أو جبهتَه على يديه؛ لم يُجزئْه.
ويُكره تَرْكُ مباشرتِها بلا عذرٍ.
ويُجزئُ بعضُ كلِّ عضوٍ.
_________________
(١) رواه البخاري (٨٠٩)، ومسلم (٤٩٠).
(٢) رواه الدارقطني (١٣١٨)، ورواه الحاكم (٩٩٧) والبيهقي (٢٦٥٦)، من طريق عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا، قال الحاكم: (صحيح على شرط البخاري)، ووافقه الذهبي، والألباني. وأعلَّه الترمذي والدارقطني والبيهقي بالإرسال، قال الدارقطني: (قال لنا أبو بكر: لم يُسنِده عن سفيان وشعبة إلا أبو قتيبة، والصواب عن عاصم عن عكرمة مرسلًا)، وقال البيهقي: (قال أبو عيسى الترمذي: حديث عكرمة عن النبي ﷺ مرسلًا أصح)، واعترض على ذلك ابن الجوزي فقال: (هو ثقة - يعني: أبا قتيبة الراوي عن سفيان وشعبة -، أخرج عنه البخاري، والرفع زيادة، وهي من الثقة مقبولة). ينظر: التحقيق ١/ ٣٩٢، نصب الراية ١/ ٣٨٢، أصل صفة الصلاة للألباني ٢/ ٧٣٣.
(٣) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (١/ ٨٦)، ووصله ابن أبي شيبة (٢٧٣٩)، والبيهقي (٢٦٦٧)، وإسناده صحيح، قال البيهقي: (هذا أصح ما في السجود على العمامة موقوفًا على الصحابة).
[ ١ / ٢٥٤ ]
وإن جَعَل ظُهورَ كفَّيه أو قدميه على الأرضِ، أو سَجَد على أطرافِ أصابعِ يديه؛ فظاهرُ الخبرِ أنه يجزئُه، ذكره في الشَّرحِ (١).
ومن عَجَز بالجبهةِ لم يلزمْه بغيرِها، ويومئُ ما يُمكنُه.
(وَيُجَافِي) الساجدُ (عَضُدَيْهِ (٢) عَنْ جَنْبَيْهِ، وبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ)، وهما عن ساقيه، ما لم يُؤذِ جارَه.
(وَيُفَرِّقُ رُكْبَتَيْهِ)، ورجلَيه، وأصابعَ (٣) رجليه، ويُوجهُها إلى القبلةِ، وله أن يَعتمِدَ بمرفقيه على فخذيه إن طال.
(وَيَقُولُ) في السُّجودِ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى)، على ما تقدَّم في تسبيحِ الرُّكوعِ.
(ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) إذا فَرَغ مِن السَّجدةِ (مُكَبِّرًا، وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا يُسْرَاهُ)، أي: يُسرى رجلَيه، (نَاصِبًا يُمْنَاهُ)، ويُخرجُها مِنْ تحتِه، ويَثني أصابِعَها (٤) نحوَ القبلةِ، ويَبسِطُ يديه على فخذيه مضمومتي الأصابعِ.
_________________
(١) الشرح الكبير لابن أبي عمر (١/ ٥٦٠).
(٢) قال في الصحاح (٢/ ٥٠٩): (العَضُد: الساعد، وهو من المِرفق إلى الكتف، وفيه أربع لغات: عَضُد وعَضِد، مثال: حَذُر وحَذِر، وعَضْد وعُضْد، مثال: ضَعْف وضُعْف).
(٣) في (ق): ويفرق أصابع.
(٤) في (ح): أصابعهما.
[ ١ / ٢٥٥ ]
(وَيَقُولُ) بينَ السَّجدتين: (رَبِّ اغْفِرْ لِي)، الواجِبُ مرةً، والكمالُ ثلاثٌ.
(وَيَسْجُدُ) السَّجدةَ (الثَّانِيَةَ كَالأُولَى) فيما تقدَّم مِن التَّكبيرِ والتَّسبيحِ وغيرِهما.
(ثُمَّ يَرْفَعُ) مِن السُّجودِ (مُكَبِّرًا، نَاهِضًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ)، ولا يَجلِسُ للاستراحةِ، (مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ إِنْ سَهُلَ)، وإلا اعتمد على الأرضِ (١)، وفي الغُنيةِ: (يُكره أن يُقَدِّم إحدى رِجليه) (٢).
(وَيُصَلِّي) الرَّكعةَ (الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ) أي: كالأُولى، (مَا عَدَا التَّحْرِيمَةَ)، أي: تكبيرةَ الإحرامِ، (والاسْتِفْتَاحَ، والتَّعَوُّذَ، وَتَجْدِيدَ النِّيَّةِ)، فلا تُشرعُ إلا في الأُولى، لكنْ إن لم يَتعوَّذْ فيها تعوَّذَ في الثَّانيةِ.
(ثُمَّ) بعدَ فراغِه مِن الرَّكعةِ الثَّانيةِ (يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا)؛ كجلوسِه بين السَّجدتين، (وَيَدَاهُ عَلَى فَخِذَيْهِ (٣»، ولا يُلْقِمُهُما ركبتيه، (يَقْبِضُ خِنْصِرَ (٤»
_________________
(١) في (ب) و(ق): بالأرض.
(٢) الغنية لطالبي طريق الحق (٢/ ٣٨٧).
(٣) قال في المطلع (٩٩): (الفخذ: مؤنثة، وهي بفتح الفاء، وكسر الخاء، ويجوز فيها كسر الفاء كإبل، ويجوز إسكان الخاء مع فتح الفاء وكسرها).
(٤) خِنْصِر: بكسر الخاء والصاد، وقد تفتح الصاد: الإصبع الصغرى، وقيل: الوسطى. ينظر: لسان العرب ٤/ ٢٦١، تاج العروس ١١/ ٢٢٩.
[ ١ / ٢٥٦ ]
يدِه (١) (اليُمْنَى وَبِنْصِرَهَا (٢)، وَيُحَلِّقُ إبْهَامَهَا مَعَ الوُسْطَى)؛ بأن يَجمعَ بين رأسَيْ الإبهامِ والوسطى، فتُشبِه الحَلْقةَ مِن حديدٍ ونحوِه، (وَيُشِيرُ بِسَبَّابَتِهَا) مِن غيرِ تحريكٍ، في تشهُّدِه، ودعائِه، في الصَّلاةِ وغيرِها، عندَ ذكرِ اللهِ تعالى تنبيهًا على التوحيدِ، (وَيَبْسُطُ) أصابعَ (اليُسْرَى) مضمومةً إلى القبلةِ.
(وَيَقُولُ) سرًا: (التَّحِيَّاتُ لِله)، أي: الألفاظُ التي تَدلُّ على السَّلامِ والمُلكِ والبقاءِ والعظمةِ للهِ تعالى، أي (٣): مملوكةٌ له أو مختصةٌ به، (وَالصَّلَوَاتُ) أي: الخمسُ، أو الرحمةُ، أو المعبودُ بها، أو العباداتُ كلُّها، أو الأدعيةُ، (وَالطَّيِّبَاتُ)، أي: الأعمالُ الصالحةُ، أو مِن الكَلِم، (السَّلَامُ)، أي: اسمُ السلامِ وهو اللهُ، أو سلامُ اللهِ، (عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ)، بالهمزِ مِن النَّبأ؛ لأنه يُخبرُ عن اللهِ، وبلا همزٍ إما تسهيلًا، أو من النَّبْوَة، وهي الرِّفعةُ، وهو: مَن ظَهَرت المعجزةُ على يدِه، (وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ)، جمعُ بركةٍ، وهي: النَّماءُ والزيادةُ، (السَّلَامُ عَلَيْنَا)، أي: على الحاضرين مِن الإمامِ والمأمومِ (٤) والملائكةِ، (وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ)، جمعُ صالحٍ، وهو: القائِمُ بما عليه مِن حقوقِ اللهِ وحقوقِ عبادِه، وقيل: المُكثرُ
_________________
(١) في (ق): يد.
(٢) بِنْصِر: بكسر الباء والصاد: الإصبع التي تلي الخنصر. ينظر: المصباح المنير ١/ ٥٠.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في (ب): والمأمومين.
[ ١ / ٢٥٧ ]
مِن العملِ الصالحِ، ويَدخلُ فيه النِّساءِ، ومَن لم يشارِكْه في الصَّلاةِ، (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، أي: أخبر أنِّي قاطِعٌ بالوحدانيةِ، (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) المُرْسَلُ إلى النَّاسِ كافةً، (هَذَا التَّشَهُّدُ الأَوَّلُ)، علَّمه النبيُّ ﷺ ابنَ (١) مسعودٍ، وهو في الصحيحين (٢).
(ثُمَّ يَقُولُ) في التشهُّدِ الذي يعقِبُه سلامٌ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)؛ لأمرِه ﷺ بذلك، في المتفقِ عليه مِن حديثِ كعبِ بنِ عجرةَ (٣).
ولا يُجزئُ لو أبدل (آل) بـ (أهل)، ولا تقديمُ الصَّلاةِ على التشهُّدِ.
(وَيَسْتَعِيذُ) ندبًا، فيقولُ: أعوذُ باللهِ (مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَ) مِن (عَذَابِ القَبْرِ، وَ) مِن (فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَ) مِن (فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ)، والمحيا والممات: الحياةُ والموتُ، والمسيحُ بالحاءِ المهملةِ على المعروفِ.
_________________
(١) في (ب): لابن.
(٢) رواه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٣).
(٣) رواه البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦).
[ ١ / ٢٥٨ ]
(وَ) يجوزُ أن (يَدْعُوَ بِمَا وَرَدَ)، أي: في الكتابِ والسُّنةِ (١)، أو عن الصَّحابةِ والسَّلفِ، أو بأمرِ الآخرةِ، ولو لم يُشبِه ما وَرَد.
وليس له الدعاءُ بشيءٍ مما يُقصَدُ به ملاذُّ الدنيا وشهواتُها، كقولِه: اللهم ارزقني جاريةً حسناءَ، أو طعامًا طيِّبًا، وما أشبَهَه، وتَبطلُ به.
(ثُمَّ يُسَلِّمُ) وهو جالسٌ؛ لقولِه ﷺ: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (٢)، وهو منها، فيقولُ (عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ (٣) كَذَلِكَ).
وسُنَّ التفاتُه عن يسارِه أكثرَ، وأن لا يطوِّلَ السَّلامَ، ولا يمدَّه في الصلاةِ ولا على النَّاسِ، وأنْ يقِف على آخرِ كلِّ تسليمةٍ، وأن ينويَ به الخروجَ من الصلاةِ.
ولا يجزئُ إن لم يَقُل: ورحمةُ اللهِ، في غيرِ جنازةٍ (٤)، والأَوْلى أن لا يزيدَ: وبركاتُهُ.
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(ق) و(ح): أو السنة.
(٢) تقدم تخريجه (١/ ٢٤١) حاشية (٣).
(٣) قال في المطلع (ص ١٠٦): (وعن يَسَارِهِ: بفتح الياء، ويجوز كسرها، والأول أفصح، قال العزيزي في آخر غريب القرآن له: قيل ليس في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة إلا يسار لليد، ويقال: يِعار، من قولهم: يعر الجدي: إذا صاح).
(٤) في (أ) و(ح) و(ق): صلاة جنازة.
[ ١ / ٢٥٩ ]
(وإِنْ كَانَ) المصلِّي (فِي ثُلَاثِيَّةٍ) كمغربٍ، (أَوْ رُبَاعِيَّةٍ) كظهرٍ، (نَهَضَ مُكَبِّرًا بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ)، ولا يرفعُ يديه، (وَصَلَّى مَا بَقِيَ كَـ) الرَّكعةِ (الثَّانِيَةِ، بِالحَمْدِ)، أي: بالفاتحةِ (١) (فَقَطْ)، ويُسِرُّ بالقراءةِ.
(ثُمَّ يَجْلِسُ فِي تَشَهُّدِهِ الأَخِيرِ مُتَوَرِّكًا (٢»، يَفْرُش (٣) رِجلَه اليسرى، وينصِبُ اليمنى (٤) ويُخرِجُها (٥) عن يمينِهِ، ويَجعلُ أَلْيَتَيْهِ على الأرضِ، ثم يَتشهَّدُ ويُسلِّمُ.
(وَالمَرْأَةُ مِثْلُهُ)، أي: مثلُ الرَّجلِ في جميعِ ما تقدَّم، حتى رفعِ اليدين، (لَكِنْ تَضُمُّ نَفْسَهَا) في ركوعٍ وسجودٍ وغيرِهما، فلا تَتجافى، (وَتسْدلُ (٦) رِجْلَيْهَا فِي جَانِبِ يَمِينِهَا) إذا جَلَسَت، وهو
_________________
(١) في (ب) و(ح): الفاتحة.
(٢) قال في المطلع (ص ١٠٦): (مُتَوَرِّكًا: هو متفعل من الورك، قال الجوهري: والتورك على اليمني: وضع الورك في الصلاة على الرجل اليمني، والورك ما فوق الفخذ، وهي مؤنثة، وقد تخفف، مثل فَخْذٍ وفَخِذٍ، وزاد القاضي عياض لغة ثالثة، وهي كسر الواو مع سكون الراء، على وزن وزر).
(٣) قال في المطلع (ص ٩٧): (يَفرش رجله: بفتح الياء، والمشهور فيه ضم الراء، وذكر القاضي عياض في المشارق: كسر الراء، ولم يحك الضم).
(٤) في (ب): رجله اليمنى
(٥) في (أ) و(ب) و(ق) و(ح): ويخرجهما.
(٦) قال في المطلع (ص ٩٧): (تسْدلُ رجلَيْها: بفتح التاء مع ضم الدال وكسرها، وبضم التاء مع كسر الدال، ثلاث لغات في المضارع، وفي الماضي لغتان: سدل، وأسدل، والأول أكثر وأشهر، كل ذلك عن ابن سيده في المحكم، ومعناه ترسلهما).
[ ١ / ٢٦٠ ]
أفضلُ، أو متربعةً، وتُسرُّ بالقراءةِ وجوبًا إنْ سَمِعها أجنبي، وخُنثى كأنثى.
ثم يُسنُّ أن يستغفرَ ثلاثًا، ويقولَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ (١) يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ» (٢)، ويقولَ: «سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ» معًا، ثلاثًا وثلاثين (٣)، ويدعوَ بعدَ كلِّ مكتوبةٍ مخلصًا في دعائِه.
_________________
(١) زاد في (أ) و(ق): وتعاليت.
(٢) رواه مسلم (٥٩١)، من حديث ثوبان، قال: كان رسول الله ﷺ، إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام».
(٣) رواه البخاري (٨٤٣)، ومسلم (٥٩٥)، من طريق سُمي عن أبي صالح عن أبي هريرة، وفيه: «ألا أحدثكم إن أخذتم أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله، تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين»، قال سُمي: فرجعت إلى أبي صالح فقلت له ذلك، فأخذ بيدي فقال: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، حتى تبلغ من جميعهن ثلاثة وثلاثين.
[ ١ / ٢٦١ ]