وهو: الدُّعاءُ بطلبِ السُّقيا على صفةٍ مخصوصةٍ، أي: الصلاةُ لأجلِ طلبِ السُّقيا على الوجهِ الآتي.
(إِذَا أجْدَبَتِ الأَرْضُ (١)، أي: أَمْحَلت، والجَدْبُ: نقيضُ الخِصْبِ (٢)، (وَقَحَطَ (٣)، أي: احتبس (المَطَرُ)، وضرَّ ذلك، وكذا إذا ضرَّهُم غورُ (٤) ماءِ عيونٍ أو أنهارٍ؛ (صَلَّوْا (٥) جَمَاعَةً وَفُرَادَى)، وهي سنةٌ مؤكدةٌ؛ لقولِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ،
_________________
(١) قال في المطلع (ص ١٣٩): (يقال: أجدبت الأرض، وَجَدَبَتْ، وَجَدُبَتْ، وجدِبت، بفتح الدال وضمها وكسرها، أربع لغات، وكلها بالدال المهملة: إذا أصابها الجدب).
(٢) الخِصْب بالكسر، وزان حِمْل: النماء والبركة. ينظر: الصحاح ١/ ١٢٠، والمصباح المنير ١/ ١٧٠.
(٣) قال في تاج العروس (٢٠/ ٧): (قال ابن دُريد: قَحَطَت الأَرْضُ، كمَنَعَ، وقد حكى الفراء: قَحِطَ المطر، مثل: فَرِحَ، كما فِي الصحاح، قال ابن سِيدَه: والفتح أعلى، وحكى أبو حنيفة: قُحِطَ المطر، مثل: عُنِيَ، ونقله أيضًا ابن بَرِّيّ عن بعضهم، إلا أنه قال: قُحِطَ القطر).
(٤) الغَور بالفتح: من كل شيء قعره، وغور الماء: إذا ذهب في الأرض وسفل فيها. ينظر: المصباح ٢/ ٤٥٦، المعجم الوسيط ٢/ ٦٦٥.
(٥) في (أ) و(ب) و(ع) و(ق): صَلَّوْها.
[ ١ / ٤٣٩ ]
جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ» متفقٌ عليه (١).
والأفضلُ جماعةٌ، حتى بسَفَرٍ، ولو كان القحطُ في غيرِ أرضِهِم.
ولا استسقاءَ لانقطاعِ مطرٍ عن أرضٍ غيرِ مسكونةٍ ولا مسلوكةٍ؛ لعدمِ الضَّررِ.
(وَصِفَتُهَا فِي مَوْضِعِهَا، وَأَحْكَامِهَا كَـ) صلاةِ (عِيدٍ)؛ قال ابنُ عباسٍ: «سُنَّةُ الاسْتِسْقَاءِ سُنَّةُ العِيدَيْنِ» (٢).
فتسنُّ في الصَّحراءِ، ويصلِّي ركعتين، يكبِّرُ في الأُولَى ستًّا زوائدَ، وفي الثانيةِ خمسًا، مِن غيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ، قال ابنُ عباسٍ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي العِيد»، قال الترمذي:
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٢٤)، ومسلم (٨٩٤).
(٢) رواه الدارقطني (١٨٠٠)، والحاكم (١٢١٧)، والبيهقي (٦٤٠٥)، من طريق محمد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن طلحة عن ابن عباس، وصححه الحاكم، وقد تعقبه أهل العلم بأن محمد بن عبد العزيز الزهري، قال فيه البخاري: (منكر الحديث)، وقال النسائي: (متروك الحديث)، ولذا حكم الذهبي وابن عبد الهادي على الحديث بالنكارة، وضعفه عبد الحق الأشبيلي، وابن القطان، والزيلعي، وقال الألباني: (ضعيف جدًا)، فالحديث شديد الضعف لا يتقوى بالشواهد، ويغني عنه حديث ابن عباس الآتي. ينظر: تنقيح التحقيق للذهبي ١/ ٢٩٨، تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ٢/ ٦٠٩، بيان الوهم ٢/ ١١٧، البدر المنير ٥/ ١٤٣، نصب الراية ٢/ ٢٤٠، إرواء الغليل ٣/ ١٣٣.
[ ١ / ٤٤٠ ]
(حديثٌ حسنٌ صحيحٌ) (١)، ويقرأُ في الأولى بـ «سبح»، وفي الثانيةِ بـ «الغاشية»، وتُفعلُ وقتَ صلاةِ العيدِ.
(وَإِذَا أَرَادَ الإِمَامُ الخُرُوجَ لَهَا (٢) وَعَظَ النَّاسَ)، أي: ذَكَّرَهُم ما يُلينُ قُلوبَهم مِن الثَّوابِ والعقابِ، (وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنَ المَعَاصِي، وَالخُرُوجِ مِنَ المَظَالِمِ) بردِّها إلى مستحِقِّيها؛ لأنَّ المعاصي سببُ القحطِ، والتقوى سببُ البركاتِ.
(وَ) أمرَهُم بـ (تَرْكِ التَّشَاحُنِ)، مِن الشَّحناءِ: وهي العداوةُ، لأنَّها تَحْمِلُ على المعصيةِ والبُهتِ، وتَمنعُ نزولَ الخيرِ؛ لقولِه ﵇: «خَرَجْتُ أُخْبِرُكُمْ (٣) بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ» (٤).
(وَ) أمرَهُم بـ (الصِّيَامِ)؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى نزولِ الغيثِ، ولحديثِ:
_________________
(١) رواه أحمد (٢٠٣٩)، وأبو داود (١١٦٥)، والترمذي (٥٥٨)، والنسائي (١٥٠٨)، وابن ماجه (١٢٦٦)، وأبو عوانة (٢٥٢٤)، وابن خزيمة (١٤٠٥)، وابن حبان (٢٨٦٢)، والحاكم (١٢١٩)، وصححه الترمذي، وأبو عوانة، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن الملقن، وحسنه الألباني. ينظر: البدر المنير ٥/ ١٤٣، إرواء الغليل ٣/ ١٣٣.
(٢) قوله: (لها) سقطت من (ب).
(٣) في (ق): لأخبركم.
(٤) رواه البخاري (٤٩) من حديث عبادة بن الصامت، وبنحوه رواه مسلم (١١٦٧) من حديث أبي سعيد الخدري.
[ ١ / ٤٤١ ]
«دَعْوَةُ الصَّائِمِ لَا تُرَدُّ» (١).
(وَ) أمرَهُم بـ (الصَّدَقَةِ)؛ لأنَّها متضمنةٌ للرحمةِ.
(وَيَعِدُهُمْ)، أي: يُعَيِّن لهم (يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ)؛ ليتهيئوا (٢) على الصفةِ المسنونةِ.
(وَيَتَنَظَّفُ) لها بالغُسلِ، وإزالةِ الروائحِ الكريهةِ، وتقليمِ الأظفارِ؛ لئلا يُؤذي.
(وَلَا يَتَطَيَّبُ)؛ لأنَّه يومُ استكانةٍ وخضوعٍ.
(وَيَخْرُجُ) الإمامُ كغيرِه (مُتَوَاضِعًا (٣)، مُتَخَشِّعًا (٤)، أي: خاضِعًا، (مُتَذَلِّلًا)، مِن الذلِّ: وهو الهوانُ، (مُتَضَرِّعًا)، أي:
_________________
(١) رواه أحمد (١٠١٨٣)، بلفظ: «الصائم لا ترد دعوته»، ورواه أحمد أيضًا (٨٠٤٣)، والترمذي (٣٥٩٨)، وابن ماجه (١٧٥٢)، وابن خزيمة (١٩٠١)، وابن حبان (٣٤٢٨)، بلفظ: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر »، وكلا اللفظين من طريق أبي مجاهد الطائي، عن أبي مدلة، عن أبي هريرة مرفوعًا، وأبو مدلة مجهول، ولكن للحديث متابعات وشواهد، ولذا صحح الحديث ابن خزيمة، وابن حبان، وابن الملقن، والألباني في آخر قوليه، وحسنه الترمذي. ينظر: البدر المنير ٥/ ١٥٢، تهذيب التهذيب ١٢/ ٢٢٧، السلسلة الصحيحة ٤/ ٤٠٧.
(٢) في (أ) و(ق): ليتهيئوا للخروج. وفي (ب): ليتأهبوا للخروج.
(٣) قال في المطلع (ص ١٤٠): (مُتواضِعًا: أي: متقصدًا للتواضع، وهو ضد التكبر).
(٤) قال في المطلع (ص ١٤٠): (مُتخشِّعًا: أي: متقصدًا للخشوع، والخشوع، والتخشع والإخشاع: التذلل، ورمي البصر إلى الأرض، وخفض الصوت، وسكون الأعضاء).
[ ١ / ٤٤٢ ]
مُستكينًا (١)؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِلاسْتِسْقَاءِ مُتَذَلِّلًا، مُتَوَاضِعًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَضَرِّعًا»، قال الترمذي: (حديثٌ حسنٌ صحيحٌ) (٢).
(وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينِ، وَالصَّلاحِ، وَالشُّيُوخُ)؛ لأنَّه أسرعُ لإجابَتِهِم، (وَالصِّبْيَانُ المُمَيِّزُونَ)؛ لأنَّهم لا ذنوبَ لهم.
وأُبيحَ خروجُ طفلٍ، وعجوزٍ، وبهيمةٍ، والتوسلُ بالصالحينَ.
(وَإِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ مُنْفَرِدِينَ عَنِ المُسْلِمِينَ) بمكانٍ؛ لقولِه تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال: ٢٥]، (لَا) إن انفردوا (بِيَوْمٍ)؛ لئلا يَتَّفقَ نزولُ غيثٍ يومَ خروجِهِم وحدَهم فيكونُ أعظمَ لفتنتِهِم، وربما افتُتِنَ بهم غيرُهم؛ (لَمْ يُمْنَعُوا)، أي: أهلُ الذمةِ؛ لأنَّه خروجٌ لطلبِ الرِّزقِ.
(فَيُصَلِّي بِهِمْ) ركعتين كالعيدِ؛ لما تقدَّم، (ثُمَّ يَخْطُبُ) خطبةً (وَاحِدَةً)؛ لأنَّه لم يُنقَلْ أنَّ النبي ﷺ خَطَب بأكثرَ منها، ويخطبُ على منبرٍ، ويجلِسُ للاستراحةِ -ذكره الأكثرُ-؛ كالعيدِ في
_________________
(١) في (أ) و(ع): مُستكنًا.
(٢) تقدم تخريجه قريبًا، صفحة الفقرة
[ ١ / ٤٤٣ ]
الأحكامِ، والناسُ جلوسٌ، قاله في المبدعِ (١).
(يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ العِيدِ)؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: «صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الاسْتِسْقَاءِ كَمَا صَنَعَ فِي العِيدِ» (٢).
(وَيُكْثِرُ فِيهَا الاسْتِغْفَارَ، وَقِرَاءَةَ الآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الأَمْرُ بِهِ)؛ كقولِه: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ) الآياتِ [نوح: ١٠]، قال في المحرَّرِ والفروعِ: (يُكثِرُ (٣) فيها الدُّعاءَ، والصلاةَ على النبي ﷺ) (٤)؛ لأنَّ ذلك معونةٌ على الإجابةِ.
(وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) استحبابًا في الدُّعاءِ؛ لقولِ أنسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاءِ، وَكَانَ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» متفقٌ عليه (٥)، وظهورُهُما نحوَ السَّماءِ؛ لحديثٍ رواه مسلمٌ (٦).
(فَيَدْعُوَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ)؛ تأسِّيًا به، (وَمِنْهُ) ما رواه ابنُ عمرَ: (اللَّهُمَّ اسْقِنَا)، بوصلِ الهمزةِ وقطعِها، (غَيْثًا)، أي: مطرًا،
_________________
(١) (٢/ ٢٠٧).
(٢) تقدم تخريجه ص الفقرة
(٣) في (أ) و(ب) و(ع) و(ق): ويكثر.
(٤) المحرر (١/ ١٨٠)، والفروع (٣/ ٢٣١).
(٥) رواه البخاري (١٠٣١)، ومسلم (٨٩٥).
(٦) رواه مسلم (٨٩٦)، من حديث أنس، ولفظه: «أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إليه».
[ ١ / ٤٤٤ ]
(مُغِيثًا)، أي: مُنْقذًا من الشدَّةِ، يُقال: غاثه وأغاثه، (إِلَى آخِرِهِ)، أي: آخِرِ الدُّعاءِ، أي: «هَنِيئًا (١)، مَرِيئًا (٢)، غَدقًا (٣)، مُجَلِّلًا (٤)، سَحًّا (٥)، عَامًّا (٦)، طَبَقًا (٧)، دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ القَانِطِينَ، اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ، اللَّهُمَّ إنَّ بِالعِبَادِ وَالبِلَادِ مِنْ اللَّأْوَاءِ (٨) وَالجَهْدِ (٩) وَالضَّنْكِ (١٠)
مَا لَا نَشْكُوهُ إلَّا إِلَيْك، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ
_________________
(١) قال في المطلع (ص ١٤١): (الهنيء، ممدودًا مهموزًا، هو الطيب المساغ الذي لا يُنغصه شيء، ومعناه هنا: أنه منم للحيوان وغيره، من غير ضرر ولا تعب).
(٢) قال في المطلع (ص ١٤١): (المحمود العاقبة، يقال: مرأني الطعام).
(٣) قال في المطلع (ص ١٤١): (الغدق: بفتح الدال وكسرها، والمُغْدِق: الكثير الماء والخير).
(٤) قال النووي في تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٩٢): (المجلِّل: بكسر اللام، وهو الساتر للأفق لعمومه، قال الأزهري: هو الذي يعم العباد والبلاد نفعه ويتغشاهم).
(٥) قال في المطلع (ص ١٤١) نقلًا عن الأزهري: (السَّحُّ: الكثير المطر، الشديد الوقع على الأرض، يقال: سح الماء يسح: إذا سال من فوق إلى أسفل، وساح يسيح: إذا جرى على وجه الأرض).
(٦) قال في المطلع (ص ١٤١): (العامُّ: الشامل).
(٧) قال في المطلع (ص ١٤١): (الطَّبَق: بفتح الطاء والباء، قال الأزهري: هو العام الذي طبق البلاد مطره).
(٨) قال في المحكم (١٠/ ٤٤٦): (اللأْواء: المشقة والشدة، وقيل: القحط).
(٩) قال في المطلع (ص ١٤١): (الجَهْد: بفتح الجيم: المشقة، وبضمها وفتحها: الطاقة).
(١٠) الضَنْك: الضيق .. ينظر: الصحاح ٤/ ١٥٩٨.
[ ١ / ٤٤٥ ]
ارْفَعْ عَنَّا الجُوعَ وَالجَهْدَ وَالعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ البَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا» (١).
ويُسنُّ أنْ يَستقبِلَ القبلةَ في أثناءِ الخطبةِ، ويحوِّلَ رداءه فيَجعلَ
_________________
(١) رواه الشافعي في الأم معلقًا (١/ ٢٨٧)، قال: وروى سالم بن عبد الله عن أبيه: «أن النبي ﷺ كان إذا استسقى قال: » ثم ذكره، قال ابن حجر: (ولم نقف له على إسناد، ولا وصله البيهقي في مصنفاته). وقال البيهقي: (وقد روينا بعض هذه الألفاظ وبعض معانيها في حديث أنس بن مالك في الاستسقاء، وفي حديث جابر وكعب بن مرة، وعبد الله بن زيد وغيرهم) ثم ساقها بأسانيده. وقد جاء بعض ألفاظ هذا الحديث في أحاديث أخرى: حديث أنس عند البخاري (١٠١٣)، ومسلم (٨٩٧)، وفيه: «اللهم اسقنا» ثلاثًا، ولفظ مسلم: «اللهم أغثنا» ثلاثًا. حديث جابر عند أبي داود (١١٦٩)، والحاكم (١٢٢٢)، وفيه: «اللهم اسقنا غيثًا، مغيثًا، مريًا، مريعًا، عاجلًا غير آجل، نافعًا غير ضار»، قال الحاكم: (حديث صحيح على شرط الشيخين)، وصحح إسناده النووي، والألباني. حديث كعب بن مرة عند أحمد (١٨٠٦٢)، وابن ماجه (١٢٦٩)، والحاكم (١٢٢٦)، وفيه: «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، مريًا، مريعًا، غدقًا، طبقًا، عاجلًا غير رائث، نافعًا غير ضار»، قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي والألباني. حديث المطلب بن حنطب عند البيهقي (٦٤٤٣)، وفيه: «اللهم سقيا رحمة، ولا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق»، وقال: (هذا مرسل)، وهو من رواية إبراهيم بن محمد وهو متروك. ينظر: معرفة السنن ٥/ ١٧٧، خلاصة الأحكام ٢/ ٨٧٩، البدر المنير ٥/ ١٦١، التلخيص الحبير ٢/ ٢٣١، إرواء الغليل ٢/ ١٤٥.
[ ١ / ٤٤٦ ]
ما على (١) الأيمنِ على الأيسرِ، والأيسرَ على الأيمنِ، ويَفعلُ الناسُ كذلك، ويَتركونَه حتى يَنزعوه مع ثيابِهم.
ويدعو سرًّا فيقولُ: (اللهم إنَّك أمرتنا بدعائِك ووَعَدْتنا إجابتَك (٢)، وقد دعوناك كما أمَرْتَنا، فاستجِب لنا كما وعدتنا)، فإن سُقُوا وإلَّا عادُوا ثانيًا وثالثًا.
(وَإِنْ سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ شَكَرُوا اللهَ، وَسَأَلُوهُ المَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ)، ولا يُصلُّون، إلا أن يكونوا تأهَّبُوا للخروجِ، فيصلُّونَها شكرًا للهِ، ويسألوه (٣) المزيدَ مِن فضلِه.
(وَيُنَادَى) لها: (الصَّلَاة جَامِعة)؛ كالكسوفِ والعيدِ، بخلافِ جنازةٍ وتراويحَ، والأولُ منصوبٌ على الإغراءِ، والثاني على الحالِ، وفي الرعايةِ: (برفعِهما ونصبِهما) (٤).
(وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا إِذْنُ الإِمَامِ)؛ كالعيدين وغيرِهما.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ المَطَرِ، وَإِخْرَاجُ (٥) رَحْلِهِ وَثِيَابِهِ لِيُصِيبَهَا)؛ لقولِ أنسٍ: أصابنا ونحنُ مع رسولِ اللهِ ﷺ مطرٌ فَحَسَر
_________________
(١) قوله: (ما على) سقطت من (أ) و(ب) و(ق).
(٢) في (ب): عليه إجابتك.
(٣) في (ح) و(ق): ويسألونه.
(٤) ينظر: الفروع (٢/ ٣١).
(٥) في (ب): ويخرج.
[ ١ / ٤٤٧ ]
ثوبَه حتى أصابَه (١) مِن المطرِ، فقلنا: لم صَنَعْت هذا؟ قال: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» رواه مسلمٌ (٢).
وذَكَر جماعةٌ: ويَتوضأُ، ويَغتسِلُ (٣)؛ لأنَّه روي أنَّه ﵇ كان يقولُ إذا سال الوادي: «اخْرُجُوا بِنَا إِلَى الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ طُهْرًا (٤) فَنَتَطَهَّر بِهِ» (٥).
وفي معناه: ابتداءُ زِيادةِ النِّيلِ ونحوِه.
(وَإِذَا زَادَتِ المِيَاهُ وَخِيفَ مِنْهَا، سُنَّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا)، أي: أنزِله حوالي المدينةِ في مواضِعِ النَّباتِ، (وَلَا عَلَيْنَا) في المدينةِ، ولا في غيرِها مِن المباني، (اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ): أي: الروابي الصِّغارِ، (وَالآكَامِ): بفتحِ الهمزةِ تَليها مَدَّةٌ، على وزنِ: آصالٍ، وبكسرِ الهمزةِ بغيرِ مَدٍّ على وزنِ: جبالٍ، قال مالك: (هي
_________________
(١) في (ح): فأصابه.
(٢) رواه مسلم (٨٩٨).
(٣) الهداية لأبي الخطاب الكلوذاني (ص ١١٧)، والمحرر لمجد الدين ابن تيمية (١/ ١٨٠).
(٤) في (ب): طهورًا.
(٥) رواه الشافعي في الأم (١/ ٢٨٩)، ومن طريقه البيهقي (٦٤٥٧)، قال الشافعي: أخبرني من لا أتهم عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، فذكره، قال البيهقي: (هذا منقطع)، وذلك أن يزيد بن الهاد من صغار التابعين، وضعَّف الحديث النووي والألباني. ينظر: خلاصة الأحكام ٢/ ٨٨٤، إرواء الغليل ٣/ ١٤٤.
[ ١ / ٤٤٨ ]
الجبالُ الصِّغارُ) (١)، (وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ)، أي: الأمكنةِ (٢) المنخفضةِ، (وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ)، أي: أصولِها؛ لأنَّه أنفعُ لها؛ لما في الصحيحِ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ» (٣)، (رَبَّنَا لا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) أي: لا تُكلِّفْنا مِن الأعمالِ ما لا نُطيقُ، (الآيَةَ) (٤): (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (٥) [البقرة: ٢٨٦].
ويُستحبُّ أن يقولَ: «مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ»، ويحرمُ: «بِنَوْءِ كَذَا» (٦)، ويباحُ: (في نوءِ كذا)، وإضافةُ المطرِ إلى النِّوءِ دونَ اللهِ كُفْرٌ إجماعًا، قاله في المبدعِ (٧) (٨).
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض (١/ ٣٠).
(٢) في (ب): الأماكن.
(٣) رواه البخاري (١٠١٣)، ومسلم (٨٩٧)، من حديث أنس في الاستسقاء.
(٤) في جميع النسخ الأخرى زيادة: أي.
(٥) كتبت الآية في جميع النسخ بحذف الواو من (ولا تحملنا).
(٦) رواه البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١)، من حديث زيد بن خالد الجهني، أنه قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب».
(٧) (٢/ ٢١٥)، وفيه اختصار.
(٨) زاد في (ب): والله أعلم.
[ ١ / ٤٤٩ ]