وفيه فضلٌ عظيمٌ؛ لحديثِ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، فَيَقُولُ الله تَعَالَى: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (١)، وهذه الإضافةُ للتشريفِ والتعظيمِ.
(يُسَنُّ صِيَامُ) ثلاثةِ أيَّامٍ مِنْ كلِّ شهرٍ، والأفضلُ أن يَجعلَها (أَيَّامِ) اللَّيالي (البِيضِ)؛ لما روى أبو ذرٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال له: «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» رواه الترمذي وحسَّنه (٢)، وسُمِّيت بِيضًا لابيضاضِ
_________________
(١) رواه البخاري (١٩٠٤، ٥٩٢٧)، ومسلم (١١٥١)، من حديث أبي هريرة، واللفظ لمسلم.
(٢) رواه الترمذي (٧٦١)، ورواه أحمد (٢١٤٣٧)، والنسائي (٢٤٢٤)، وابن خزيمة (٢١٢٨)، من طريق يحيى بن سام، عن موسى بن طلحة، عن أبي ذر. قال الترمذي: (حديث أبي ذر حديث حسن)، وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن الملقن، وحسنه البغوي وابن كثير والألباني. وأُعلَّ الحديث بعلةٍ: وهي أنه قد روي عند أحمد (٢١٣٣٥)، والنسائي (٢٤٢٦)، من طريق محمد بن عبد الرحمن وحكيم بن جبير، عن موسى بن طلحة، عن ابن الحوتكية، عن أبي ذر، وهذا الطريق أقوى من الطريق السابق، فإن محمد بن عبد الرحمن الراوي عن موسى بن طلحة: ثقة، ويحيى بن سام الراوي عن موسى في الطريق الأولى: مقبول، فيكون المحفوظ عن موسى بن طلحة هو الطريق الثانية، وابن الحوتكية قال فيه الحافظ في التقريب: (مقبول)، أي: لا يقبل حديثه إلا في المتابعات والشواهد. وللحديث شواهد، قال الترمذي: (وفي الباب عن أبي قتادة، وعبد الله بن عمرو، وقرة بن إياس المزني، وعبد الله بن مسعود، وأبي عقرب، وابن عباس، وعائشة، وقتادة بن ملحان، وعثمان بن أبي العاص، وجرير)، ولا يخلو واحد منها من ضعف. ينظر: صحيح ابن حبان ٨/ ٤١١، شرح السنة ٦/ ٣٥٥، مسند الفاروق ١/ ٢٨٦، البدر المنير ٥/ ٧٥٣، تقريب التهذيب ص ٦٠٠، الإرواء ٤/ ١٠١.
[ ٢ / ٤٠ ]
ليلِها كلِّه بالقمرِ.
(وَ) يُسنُّ (١) صومُ (الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ)؛ لقولِه ﵇: «هُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» رواه أحمدُ، والنسائي (٢).
(وَ) صومُ (٣) (سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ)؛ لحديثِ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» خرَّجه (٤) مسلمٌ (٥).
_________________
(١) (من) غير موجودة في (ق).
(٢) رواه أحمد (٢١٧٥٣)، والنسائي (٢٣٥٨)، من طريق ثابت بن قيس أبو الغصن، عن أبي سعيد المقبري، عن أسامة بن زيد، قال: قلت: يا رسول الله، إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما، قال: «أي يومين؟» قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس، قال: «ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم»، وإسناده لا بأس به، وله شواهد من حديث أبي هريرة وعائشة وغيرهما، وصححه ابن خزيمة، والنووي، وابن الملقن، ابن حجر، والألباني. ينظر: صحيح ابن خزيمة ٣/ ٢٩٩، المجموع ٦/ ٣٨٥، فتح الباري ٤/ ٢٣٦، الإرواء ٤/ ١٠٤.
(٣) في (ح): يسن صوم.
(٤) في (أ) و(ع): أخرجه.
(٥) رواه مسلم (١١٦٤)، من حديث أبي أيوب.
[ ٢ / ٤١ ]
ويُستحبُّ تتابُعُها، وكونُها عقِبَ العيدِ؛ لما فيه مِن المسارعةِ إلى الخيرِ.
(وَ) صومُ (شَهْرِ المُحَرَّمِ)؛ لحديثِ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ» رواه مسلمٌ (١).
(وَآكَدُهُ العَاشِرُ، ثُمَّ التَّاسِعُ)؛ لقولِه ﵇: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ وَالعَاشِرَ» (٢)، احتجَّ به أحمدُ، وقال: (إن اشتبه عليه (٣) أوَّلُ الشَّهرِ صام ثلاثةَ أيامٍ؛ ليتيقَّنَ صومَهما) (٤).
وصومُ عاشوراءَ كفارةُ سنةٍ، ويُسنُّ فيه التوسعةُ على العيالِ.
(وَ) صومُ (عَشْرِ (٥) ذِي الحِجَّةِ)؛ لقولِه ﵇: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ»، قالوا: يا رسولَ
_________________
(١) رواه مسلم (١١٦٣)، من حديث أبي هريرة.
(٢) رواه مسلم (١١٣٤)، من حديث ابن عباس قال: حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع» قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفي رسول الله ﷺ.
(٣) في (ب) و(ق): علينا.
(٤) في رواية الميموني وأبي الحارث، كما في شرح العمدة لشيخ الإسلام (٢/ ٥٨٠)، ولفظه: (من أراد أن يصوم عاشوراء، فليصم التاسع والعاشر، إلا أن يُشْكل الشهر، فيصوم ثلاثة أيام، ابن سيرين يقول ذلك).
(٥) في (أ) و(ب) و(ع) و(ق): تسع. قال في هامش (ح): قوله: (وعشر ذي الحجة) قال في المبدع: (والمراد بذلك تسعة وإطلاق العشر عليها تغليبًا).
[ ٢ / ٤٢ ]
اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟، قال: «وَلا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلًا (١) خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» رواه البخاري (٢).
(وَ) آكَدُهُ (يَوْمُ عَرَفَةَ لِغَيْرِ حَاجٍّ بِهَا)، وهو كفارةُ سنتين؛ لحديثِ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» (٣).
وقال في صيامِ يومِ عاشوراءَ: «إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» رواه مسلمٌ (٤).
ويَلِي يومَ عرفةَ في الآكدِيِّة يومُ التروية، وهو الثامنُ (٥).
(وَأَفْضَلُهُ)، أي: أفضلُ صومِ التطوُّعِ (صَوْمُ يَوْمٍ وَفِطْرُ يَوْمٍ)؛ لأمرِه ﵇ عبدَ اللهِ بنَ عمرو قال: «هُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ» متفقٌ عليه (٦).
وشرطُه: أن لا يُضْعِفَ البدنَ حتى يَعجِزَ عمَّا هو أفضلُ
_________________
(١) في (أ) و(ع): رجلٌ.
(٢) رواه البخاري (٩٦٩)، من حديث ابن عباس.
(٣) رواه مسلم (١١٦٢)، من حديث أبي قتادة.
(٤) رواه مسلم (١١٦٢)، من حديث أبي قتادة، وهو من تمام الحديث السابق.
(٥) في (ب): اليوم الثامن.
(٦) رواه البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩)، من حديث عبد الله بن عمرو.
[ ٢ / ٤٣ ]
من القيامِ بحقوقِ اللهِ تعالى وحقوقِ عبادِه اللازمةِ، وإلا فتَرْكُه أفضلُ.
(وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبٍ) بالصومِ؛ لأنَّ فيه إحياءً لشعارِ (١) الجاهليةِ، فإن أفطر منه، أو صام معه غيرَه؛ زالت الكراهةُ.
(وَ) كُرِه إفرادُ يومِ (الجُمُعَةِ)؛ لقولِه ﵇: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَّا وَقَبْلَهُ يَوْمٌ أَوْ بَعْدَهُ يَوْمٌ» متفقٌ عليه (٢).
(وَ) إفرادُ يومِ (السَّبْتِ)؛ لحديثِ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» رواه أحمدُ (٣).
_________________
(١) في (ق): لشعائر.
(٢) رواه البخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١١٤٤)، من حديث أبي هريرة.
(٣) رواه أحمد (٢٧٠٧٥)، وأبو داود (٢٤٢١)، والترمذي (٧٤٤)، والنسائي في الكبرى (٢٧٧٥)، وابن ماجه (١٧٢٦)، وابن خزيمة (٢١٦٣)، والحاكم (١٥٩٢)، والبيهقي (٨٤٩٣)، من طريق ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، ورواه النسائي في الكبرى (٢٧٧٢)، وابن حبان (٣٦١٥)، وغيره من طريق حسان بن نوح، عن عبد الله بن بسر مرفوعًا، وجاء من طرق أخرى مختلفة، قال الترمذي: (حديث حسن)، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن السكن، وابن الملقن، وقال الحاكم: (صحيح على شرط البخاري) ووافقه الذهبي، والألباني. وأعلَّه جماعة من الحفاظ، واختلفوا في إعلاله على أربع علل: الأولى: الاضطراب: وبه أعلَّه النسائي، وقد ذكر أوجه الاختلاف فيه في السنن الكبرى. الثانية: المعارضة: وبها أعلَّه الطحاوي والأثرم وغيرهما، وذكرها الحاكم أيضًا، =
[ ٢ / ٤٤ ]
وكُرِه صومُ يومِ النَّيْروزِ، والمِهْرَجانِ، وكلِّ عيدٍ للكفارِ، أو يومٍ يُفْرِدونه بالتَّعظيمِ.
(وَ) يومُ (الشَّكِّ)، وهو يومُ الثلاثين مِن شعبانَ إذا لم يكن غَيْمٌ ولا نحوُه؛ لقولِ عمارٍ: «مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ» رواه أبو داودَ، والترمذي وصحَّحه، والبخاري تعليقًا (١).
_________________
(١) = قال الأثرم: (جاء هذا الحديث بما خالف الأحاديث كلها)، ثم ذكر أحاديث صيام شعبان والمحرم وست من شوال وغيرها، وأن يوم السبت قد يكون فيها. الثالثة: النسخ: وبه أعلَّه أبو داود. الرابعة: الخطأ: فقال مالك: (هذا كذب)، وقال الأوزاعي: (ما زلت له كاتمًا ثم رأيته انتشر)، وذكر الطحاوي عن الزهري أنه ضعَّفه، وقال أحمد: (يحيى بن سعيد يتقيه، أبى أن يحدثني به)، قال ابن القيم: (فهذا تضعيف للحديث)، ونقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام: أن الحديث شاذٌ أو منسوخ، وأن هذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه كالأثرم وأبي داود. وأطال ابن الملقن والألباني الإجابة على ما أُعلَّ به الحديث من العلل ثم جزما بصحته. ينظر: ناسخ الحديث ومنسوخه للأثرم ص ٢٠١، شرح معاني الآثار ٢/ ٨٠، تهذيب السنن ١/ ٤٦٧، الفروع ٥/ ١٠٥، البدر المنير ٥/ ٧٥٩، تنقيح التحقيق ٣/ ٣٤٢، التلخيص الحبير ٢/ ٤٦٨، الإرواء ٤/ ١١٨.
(٢) رواه أبو داود (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦)، والنسائي (٢١٨٨)، وابن ماجه (١٦٤٥)، وابن خزيمة (١٩١٤)، وابن حبان (٣٥٨٥)، والحاكم (١٥٤٢)، والدارقطني (٢١٥٠)، من طريق عمرو بن قيس، عن أبي إسحاق السبيعي، عن صلة بن زفر، عن عمار، قال الترمذي: (حديث عمار حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين)، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والذهبي، وابن الملقن، والألباني، وذكره البخاري معلقًا بصيغة الجزم، باب: قول النبي ﷺ: «إذا رأيتم الهلال =
[ ٢ / ٤٥ ]
ويُكره الوِصالُ، وهو أنْ لا يفطرَ بين اليومين أو الأيامِ، ولا يُكره إلى السَّحَرِ، وتَرْكُه أَوْلَى.
(وَيَحْرُمُ صَوْمُ) يومي (العِيدَيْنِ) إجماعًا (١)؛ للنهي المتفقِ عليه (وَلَوْ فِي فَرْضٍ).
(وَ) يَحرمُ (صِيَامُ أيَّامِ التَّشْرِيقِ)؛ لقولِه ﵇: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ، وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ» رواه مسلم (٢)، (إِلَّا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ)، فيَصحُّ صومُ أيامِ التشريقِ لمن عَدِمَ الهَدْيَ؛ لقولِ ابنِ عمرَ وعائشةَ:
_________________
(١) = فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» (٣/ ٢٧). وأُعلَّ هذا الإسناد بأن أبا إسحاق قد رمي بالتدليس، وقد عنعنه، ويقوي ذلك أن أبا سعيد الأشج رواه في جزئه (ص ١٤٢) عن أبي خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن أبي إسحاق قال: حُدِّثت عن صلة، قال ابن حجر: (وللحديث مع ذلك علة خفية، ذكر الترمذي في العلل أن بعض الرواة قال فيه: عن أبي إسحاق، قال: حُدِّثت عن صلة، فذكره)، وبعنعنة أبي إسحاق ضعَّف الألباني هذه الطريق، وقواها بالمتابعات. ثم قال ابن حجر: (وله متابع بإسناد حسن)، وهذه المتابعة رواها ابن أبي شيبة (٩٥٠٢)، عن عبد العزيز العمى، عن منصور، عن ربعي، عن عمار، ورواها أيضًا عبد الرزاق (٧٣١٨)، عن الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن رجل قال: كنا عند عمار، فذكره. ينظر: البدر المنير ٥/ ٦٩١، تغليق التعليق ٣/ ١٤١، الإرواء ٤/ ١٢٥.
(٢) اختلاف الأئمة العلماء لابن هبيرة (١/ ٢٥١)، والمغني (٣/ ١٦٩).
(٣) رواه مسلم (١١٤١)، من حديث نبيشة الهذلي.
[ ٢ / ٤٦ ]
«لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الهَدْيَ» رواه البخاري (١).
(وَمَنْ دَخَلَ فِي فَرْضٍ مُوَسَّعٍ) مِنْ صومٍ أو غيرِه؛ (حَرُمَ قَطْعُهُ)، كالمضيَّقِ، فيَحْرُمُ خُروجُه مِن الفرضِ بلا عذرٍ؛ لأنَّ الخروجَ مِنْ عهدةِ الواجبِ متعيِّنٌ، ودخَلَت التَّوسِعةُ في وقتِه رِفقًا ومَظِنَّةً للحاجةِ، فإذا شرَع تعيَّنت المصلحةُ في إتمامِه.
(وَلَا يَلْزَمُ) الإتمامُ (فِي النَّفلِ)، مِن صومٍ وصلاةٍ ووضوءٍ وغيرِها؛ لقولِ عائشةَ: يا رسولَ اللهِ أُهْدِيَ لنا حَيْسٌ، فقال: «أَرِنِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا»، فأكل. رواه مسلمٌ وغيرُه (٢)، وزاد النسائي بإسنادٍ جيدٍ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا» (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (١٩٩٧).
(٢) رواه مسلم (١١٥٤)، وتقدم تخريجه صفحة الفقرة.
(٣) رواه النسائي (٢٣٢٢)، من طريق أبي الأحوص، عن طلحة بن يحيى بن طلحة، عن مجاهد، عن عائشة مرفوعًا، قال الألباني: (إسناده صحيح على شرط مسلم). وقد رواه سبعة من الحفاظ عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة، ولم ذكروا هذه الزيادة، وفي رواية مسلم (١١٥٤) ما يدل على أن هذه الزيادة مدرجة من كلام مجاهد، حيث قال في آخره: قال طلحة: فحدثت مجاهدًا بهذا الحديث، فقال: «ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها».
[ ٢ / ٤٧ ]
وكُرِه خروجُه منه بلا عذرٍ.
(وَلَا قَضَاءُ فَاسِدِهِ)، أي: لا يلزمُه قضاءُ ما فسد مِنَ النفلِ، إلا الحجَ والعمرةَ فيَجبُ إتمامُهما؛ لانعقادِ الإحرامِ لازِمًا، فإن أفسدَهما، أو فسَدَا؛ لَزِمَه القضاءُ.
(وَتُرْجَى لَيْلَةُ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَخِيرِ (١) مِنْ رمضانَ؛ لقولِه ﵇: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» متفقٌ عليه (٢)، وفي الصحيحين: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٣)، زاد أحمدُ: «وَمَا تَأَخَّرَ» (٤)،
وسمِّيت
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(ع): الأواخر.
(٢) رواه البخاري (٢٠٢٠)، ومسلم (١١٦٩)، من حديث عائشة.
(٣) رواه البخاري (٣٥)، ومسلم (٧٦٠)، من حديث أبي هريرة.
(٤) لم نجد هذه الزيادة عند أحمد من حديث أبي هريرة، وإنما رواها النسائي في الكبرى (٢٥١٢)، عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا، وإسناده ثقات، إلا أن محمد بن عبد الله بن يزيد وإن كان قد وافقه عليها جماعة من الرواة يبلغون الأربعة، إلا أنه خالفهم ثمانية من الثقات الذين رووه عن ابن عيينة بدون الزيادة، منهم: كأحمد، والشافعي، والحميدي، وابن المديني، وإسحاق بن راهويه وغيرهم، رووه عن ابن عيينة بدون هذه الزيادة، وتابع ابن عيينة عن الزهري تسعة من الرواة لم يذكروا هذه الزيادة، وتابع الزهري عن أبي سلمة جماعة ولم يذكروا الزيادة إلا واحدًا في غير المحفوظ عنه، وتابع أبا سلمة عن أبي هريرة جماعة أيضًا، ولم يذكر واحد منهم الزيادة، كما جاء الحديث عن عائشة عند النسائي (٢١٩٢)، وأبي سعيد عند أحمد (١١٥٢٤)، بأسانيد جيدة دون ذكر الزيادة، ولذا حكم عليها ابن عبد البر والألباني بالشذوذ والنكارة. وجاءت زيادة (وما تأخر)، في حديث عبادة بن الصامت عند أحمد، من طريقين (٢٢٧٦٥، ٢٢٧١٣)، الطريق الأول: جاء عن خالد بن معدان، عن عبادة، ولم يصح سماعه منه كما صرَّح أبو حاتم. والطريق الثاني: عن عبد الله بن محمد بن عقيل - وفي حفظه ضعف -، عن عمر بن عبد الرحمن - وهو غير معروف -، عن عبادة، ولأجل ذلك ولما تقدم من مخالفة الثابت من الأحاديث حكم عليها الألباني بالضعف أيضًا. وقد حسَّن ابن القطان وابن حجر زيادة (وما تأخر)، وحكم عليها ابن عبد البر، والأشبيلي، والألباني بالنكارة والشذوذ، وقال ابن كثير: (هذا من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه التي لا يشاركه فيها غيره، وليس صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)، وقال شيخ الإسلام: (قوله: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) مختص به دون أمته). ينظر: المراسيل لابن أبي حاتم ص ٥٢، التمهيد ٧/ ١٠٥، بيان الوهم ٥/ ٧٢٧، مجموع الفتاوى ١٠/ ٣١٥، تفسير ابن كثير ٧/ ٣٢٨، معرفة الخصال المكفرة للذنوب لابن حجر ص ٤٢، السلسلة الضعيفة ١١/ ١٣٤.
[ ٢ / ٤٨ ]
بذلك لأنَّه يُقَدَّرُ فيها ما يكونُ في تلك السنةِ، أو لعِظَمِ قَدْرِها عند اللهِ، أو لأنَّ للطاعاتِ فيها قَدْرًا عظيمًا، وهي أفضلُ الليالي، وهي باقيةٌ لم تُرفَع؛ للأخبارِ.
(وَأَوْتَارُهُ آكَدُ)؛ لقولِه ﵇: «اطْلُبُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ، أَوْ (١) سَبْعٍ بَقِينَ، أَوْ تِسْعٍ بَقِينَ» (٢)، (وَلَيْلَةُ سَبْعٍ
_________________
(١) في (أ) و(ق): أو خمس بقين، أو.
(٢) رواه أحمد (٢٠٣٧٦)، والترمذي (٧٩٤)، وابن خزيمة (٢١٧٥)، وابن حبان (٣٦٨٦)، والحاكم (١٥٩٨)، من طريق عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بكرة مرفوعًا، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والذهبي، والألباني. ينظر: التعليقات الحسان ٥/ ٤٤٤.
[ ٢ / ٤٩ ]
وَعِشْرِينَ أَبْلَغُ)، أي: أرجاها (١)؛ لقولِ ابنِ عباسٍ (٢)،
وأُبيِّ بنِ كعبٍ (٣)، وغيرِهما (٤).
_________________
(١) في (أ) و(ع): أرجى لها.
(٢) رواه عبد الرزاق (٧٦٧٩)، وابن خزيمة (٢١٧٢)، والحاكم (١٥٩٧)، من طرق عن ابن عباس، قال: دعا عمر بن الخطاب أصحاب محمد ﷺ، فسألهم عن ليلة القدر؟ فأجمعوا أنها في العشر الأواخر، قال ابن عباس: فقلت لعمر: «إني لأعلم، أو إني لأظن أي ليلة هي؟»، قال عمر: وأي ليلة هي؟ فقلت: سابعة تمضي، أو سابعة تبقى من العشر الأواخر، فقال عمر: ومن أين علمت ذلك؟ فقال: «خلق الله سبع سماوات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، وإن الدهر يدور في سبع، وخلق الله الإنسان من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، والطواف بالبيت سبع، ورمي الجمار سبع، لأشياء ذكرها»، فقال عمر: لقد فطنت لأمر ما فطنَّا له. وأسانيده صحيحة، وصححه ابن خزيمة والحاكم، وقال: (صحيح على شرط مسلم)، واستدل به ابن عبد البر. ينظر: التمهيد ٢/ ٢١٢ ..
(٣) رواه مسلم (٧٦٢)، قال أُبَيٌّ في ليلة القدر: «والله إني لأعلمها، وأكثر علمي هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها هي ليلة سبع وعشرين».
(٤) جاء ذلك عن: معاوية بن أبي سفيان عند أبي داود الطيالسي (١٠٥٤)، من طريق شعبة، عن قتادة، عن مطرف، عن معاوية، قال: «ليلة القدر ليلة سبع وعشرين»، ورواه أبو داود (١٣٨٦)، وابن حبان (٣٦٨٠)، عن معاوية مرفوعًا، وصحَّحه ابن حبان والألباني، وقال ابن رجب: (وله علة - أي: المرفوع -، وهي وقفه على معاوية، وهو أصح عند الإمام أحمد والدارقطني)، وقال الدارقطني: (ولا يصح عن شعبة مرفوعًا). وروى ابن أبي شيبة (٨٦٦٧)، عن قنان بن عبد الله النهمي، قال: سألت زرًّا عن ليلة القدر، فقال: «كان عمر وحذيفة وناس من أصحاب رسول الله ﷺ لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين تبقى ثلاث»، وقنان قال فيه ابن حجر: (مقبول). ينظر: العلل للدارقطني ٧/ ٦٥، لطائف المعارف ص ٢٠٠، صحيح أبي داود ٥/ ١٣١.
[ ٢ / ٥٠ ]
وحِكْمةُ إخفائِها ليجتهدوا في طلبِها.
(وَيَدْعُو فِيهَا)؛ لأنَّ الدَّعاءَ مستجابٌ فيها، (بِمَا وَرَدَ) عن عائشةَ قالت: يا رسولَ اللهِ إن وافقتُها فبِمَ أدعو؟ قال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» رواه أحمدُ، وابنُ ماجه، وللترمذي معناه وصحَّحه (١)،
ومعنى «العَفْوَ»: التركُ.
وللنسائي مِنْ حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: «سَلُوا اللهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ وَالمُعَافَاةَ (٢)، فَمَا أُوتِيَ أَحَدٌ بَعْدَ يَقِينٍ خَيْرًا مِنْ مُعَافَاةٍ» (٣)،
_________________
(١) رواه أحمد (٢٥٣٨٤)، والترمذي (٣٥١٣)، وابن ماجه (٣٨٥٠)، والحاكم (١٩٤٢)، من طريق ابن بريدة، عن عائشة، قال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين)، ووافقه الذهبي، وصححه النووي والألباني. وأعلَّه ابن حجر بعدم سماع عبد الله بن بريدة من عائشة كما قال ذلك الدارقطني والبيهقي، وأجاب الألباني عن ذلك: بأن عبد الله بن بريدة عاصر عائشة ولم يُرم بالتدليس، وبأن الموقوف عنها يشهد للمرفوع، إذ هي لا تقول ذلك إلا بتوقيف. ورواه ابن أبي شيبة (٢٩١٨٩)، موقوفًا على عائشة، قالت: «لو علمت أي ليلة ليلة القدر كان أكثر دعائي فيها أسأل الله العفو والعافية»، ورجحه الدارقطني. ينظر: علل الدارقطني ١٥/ ٨٩، السنن الكبرى ٧/ ١٩٠، الأذكار للنووي ص ١٩١، الفتوحات الربانية ٤/ ٣٤٦، السلسلة الصحيحة ٧/ ١٠٠٩.
(٢) في (أ): والمعافاة الدائمة.
(٣) جاء الحديث بهذا اللفظ من حديث أبي بكر الصديق، رواه أحمد (٥)، والنسائي في الكبرى (١٠٦٤٩)، وابن ماجه (٣٨٤٩)، وابن حبان (٩٥٢)، والبزار (٧٥)، والحاكم (١٩٣٨)، من طريق سليم بن عامر، عن أوسط البجلي، عن أبي بكر مرفوعًا. وصحَّحه ابن حبان، والحاكم، والذهبي، والألباني، وحسَّنه البزار، وقال المنذري: (ورواه النسائي من طرق وعن جماعة من الصحابة وأحد أسانيده صحيح). ورواه النسائي في الكبرى (١٠٦٥٦)، من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قام فينا أبو بكر فقال: قام فينا رسول الله ﷺ عام أول كقيامي فيكم، فقال: «إن الناس لم يعطوا شيئًا هو أفضل من العفو والعافية، فسلوهما الله»، وصوَّبه البزار، ورواه أيضًا (١٠٦٥٧) من طريق أبي صالح مرسلًا عن أبي بكر دون ذكر أبي هريرة، ورجَّحه الدارقطني، وقال: (والمرسل هو المحفوظ). ينظر: العلل للدارقطني ١/ ٢٣٣، الترغيب والترهيب للمنذري ٤/ ١٣٧، صحيح الأدب المفرد ص ٢٦٨.
[ ٢ / ٥١ ]
فالشُّرُّ الماضي يزولُ بالعفْوِ، والحاضرُ بالعافيةِ، والمستقبلُ بالمعافاةِ؛ لتضمُّنِها دوامَ العافيةِ.
[ ٢ / ٥٢ ]