(تُسَنُّ زِيَارَةُ القُبُورِ)، وحكاه النووي إجماعًا (١)؛ لقولِه ﵇: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَزُورُوهَا» رواه مسلم (٢)، والترمذي وزاد: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ» (٣).
وسُنَّ أنْ يقِفَ زائرٌ أمامَه قريبًا منه، كزيارتِه في حياتِه.
(إِلَّا لِنِسَاءٍ (٤)؛ فتُكرهُ لهُنَّ زيارتُها غيرَ قبرِه ﷺ وقبرِ صاحِبيْهِ ﵄؛ روى أحمد، والترمذي وصحَّحه عن أبي هريرة: «أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَعَنَ زَوَّارَاتِ القُبُورِ» (٥).
_________________
(١) = من حديث عبد الرزاق، لا أعلم أحدًا رواه عن ثابت غير معمر)، وقال الدارقطني: (تفرّد به معمر عن ثابت عنه). ينظر: العلل الكبير ص ٢٦٣، علل الحديث ٣/ ٥٧٢، أطراف الأفراد والغرائب ٢/ ٥٣، شرح علل الترمذي ٢/ ٦٩١، المجموع ٨/ ٤٤٦، السلسلة الصحيحة ٥/ ٥٦٤، أحاديث معلة ظاهرها الصحة للوادعي ص ٣٧.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ٤٦).
(٣) رواه مسلم (٩٧٧)، من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه.
(٤) رواه الترمذي (١٠٥٤)، وقال: (حديث بريدة حديث حسن صحيح)، وصححها الألباني. ينظر: إرواء الغليل ٣/ ٢٢٤.
(٥) في (أ) و(ع): للنساء. وفي (ب) و(ق): النساء.
(٦) رواه أحمد (٨٤٤٩)، والترمذي (١٠٥٦)، وابن ماجه (١٥٧٦)، وابن حبان (٣١٧٨)، من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة. صحّحه الترمذي، وابن حبان، وابن تيمية، والألباني، وحسّنه ابن القطان، وأجاب ابن القطان وابن تيمية عمّن تكلّم في عمر بن أبي سلمة: بأن جماعة من الحفاظ كأحمد وابن معين وغيرهما وثَّقوه. ينظر: بيان الوهم ٥/ ٥١٢، مجموع الفتاوى ٢٤/ ٣٤٩، أحكام الجنائز ص ١٨٥.
[ ١ / ٥٠٣ ]
(وَ) يُسنُّ أنْ (يَقُولَ إِذَا زَارَهَا أَوْ مَرَّ بِهَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، يَرْحَمُ (١) اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ العَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ)؛ للأخبارِ الواردةِ بذلك (٢).
وقولُه: (إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ) استثناءٌ للتبرُّكِ، أو راجعٌ
_________________
(١) في (أ) و(ع): ويرحم.
(٢) من تلك الأخبار: حديث أبي هريرة عند مسلم (٢٤٩): أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة، فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». حديث عائشة عند مسلم (٩٧٤)، وفيه: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون». حديث بريدة عند مسلم (٩٧٥)، ولفظه: «كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية». حديث عائشة عند أحمد (٢٤٤٢٥)، وأبو داود (٣٢٠١)، وابن ماجه (١٥٤٦)، وفيه: «اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم»
[ ١ / ٥٠٤ ]
للُّحوقِ لا للموتِ، أو إلى البقاعِ.
ويَسمعُ الميتُ الكلامَ، ويَعرِفُ زائرَه يومَ الجمعةِ بعدَ الفجرِ قبلَ طلوعِ الشمسِ، وفي الغنيةِ: (يَعرفُه كلَّ وقتٍ، وهذا الوقتُ آكدُ) (١).
وتُباحُ زيارةُ قبرِ كافرٍ.
(وَتُسَنُّ تَعْزِيَةُ) المسلمِ (المُصَابِ بِالمَيِّتِ) ولو صغيرًا، قبلَ الدفنِ وبعدَه؛ لما روى ابنُ ماجه وإسنادُه ثقاتٌ عن عمرو بنِ حزمٍ مرفوعًا: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلَّا كَسَاهُ اللهُ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (٢).
ولا تعزيةَ بعدَ ثلاثٍ.
_________________
(١) ينظر: الفروع (٣/ ٤١٥). ولم نقف عليه في الغنية.
(٢) رواه ابن ماجه (١٦٠١)، من طريق قيس أبو عمارة، قال: سمعت عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، يحدث عن أبيه، عن جده مرفوعًا. حسّنه النووي، وأقره المناوي، وحسنه الألباني بشواهده، وقال البيهقي: (هو أصح شيء في الباب). وأعلّه ابن عبد الهادي بعلتين: الأولى: الإرسال، فإن محمد بن عمرو بن حزم ولد في السنة العاشرة من الهجرة. والثانية: قيس أبو عمارة، فقد قال فيه البخاري: (فيه نظر)، وهي من أشد عبارات الجرح عنده، وقال فيه الحافظ: (فيه لين)، وأقره البوصيري على إعلاله بهذه العلة. ينظر: الكامل في الضعفاء ٧/ ١٧١، شعب الإيمان ١١/ ٤٦٥، خلاصة الأحكام ٢/ ١٠٤٦، تنقيح التحقيق ٢/ ٦٨٢، تقريب التهذيب ص ٤٥٨، مصباح الزجاجة ٢/ ٥٠، إرواء الغليل ٣/ ٢١٦.
[ ١ / ٥٠٥ ]
فيُقالُ لمصابٍ بمسلمٍ: (أعظَمَ اللهُ أجرَك، وأحسنَ عزاكَ (١)، وغفرَ لميتِك).
وبكافرٍ: (أعظَمَ اللهُ أجرَكَ، وأحسنَ عزاكَ).
وتحرُمُ تعزيةُ كافرٍ.
وكُرِهَ تكرارُها.
ويَرُدُّ معزَّى: بـ: استجابَ اللهُ دعاك، ورحِمَنا وإياك، وإذا جاءتْهُ التَّعزيةُ في كتابٍ ردَّها على الرسولِ لفظًا.
(وَيَجُوزُ البُكَاءُ (٢) عَلَى المَيِّتِ)؛ لقولِ أنسٍ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ» (٣)، وقال: «إنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ» متفق عليه (٤).
ويُسَنُّ الصبرُ، والرضى، والاسترجاعُ؛ فيقولُ: «إِنَّا للهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أجُرْنِي (٥) فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا» (٦).
_________________
(١) سائر النسخ (عزاك)، وفي كتب اللغة: عزاء كسماء. ممدود هل هذا من الرسم أو خطأ؟
(٢) قال في الصحاح (٦/ ٢٢٨٤): (البُكا: يُمَدُّ ويُقْصَرُ، فإذا مددت أردت الصوتَ الذي يكون مع البكاء، وإذا قَصَرْتَ أردت الدموعَ وخروجها).
(٣) رواه البخاري (١٢٤٦).
(٤) رواه البخاري (١٣٠٤)، ومسلم (٩٢٤)، من حديث ابن عمر.
(٥) قال القاضي عياض: (رويناه بالمد للهمزة وكسر الجيم، وبالقصر وتسهيل الهمزة أو تسكينها وضم الجيم). ينظر: مشارق الأنوار ١/ ١٩.
(٦) رواه مسلم (٩١٨)، من حديث أم سلمة، أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها».
[ ١ / ٥٠٦ ]
ولا يلزمُ الرِّضى بمرضٍ، وفقرٍ، وعاهةٍ، ويحرُمُ بفعلِ المعصيةِ.
وكُرِهَ لمصابٍ تغييرُ حالِه، وتعطيلُ معاشِه، لا جَعْلُ علامةٍ عليه ليُعْرَفَ فيُعَزَّى، وهجرُه للزينةِ، وحَسَنِ الثِّيابِ ثلاثةَ أيامٍ.
(وَيَحْرُمُ النَّدْبُ)، أي: تعدادُ محاسنِ الميتِ، كقولِ: واسيِّداهُ، وانقطاعَ ظهراهُ، (وَالنِّيَاحَةُ) وهي: رَفْعُ الصوتِ بالنَّدبِ، (وَشَقُّ الثَّوْبِ، وَلَطْمُ الخَدِّ، وَنَحْوُهُ)؛ كصراخٍ، ونتفِ شعرٍ، ونَشْرِهِ، وتسوِيدِ وجهٍ، وخَمْشِهِ؛ لما في الصحيحين: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» (١)، وفيهما: «أَنَّهُ (٢) ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ» (٣) (٤)، والصالقةُ: التي ترفعُ صوتَها عند المصيبةِ، وفي
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٩٤)، ومسلم (١٠٣)، من حديث ابن مسعود.
(٢) في (ب): أن النبي.
(٣) رواه البخاري (١٢٩٦)، ومسلم (١٠٤)، من حديث أبي موسى الأشعري.
(٤) قال النووي في شرح مسلم (٢/ ١١٠): (الصالقة: وقعت في الأصول بالصاد، وسلق بالسين، وهما صحيحان، وهما لغتان: السلق والصلق، وسلق وصلق، وهي صالقة وسالقة، وهي التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة: التي تشق ثوبها عند المصيبة، هذا هو المشهور الظاهر المعروف، وحكى القاضي عياض عن ابن الأعرابي أنه قال: الصلق: ضرب الوجه).
[ ١ / ٥٠٧ ]
صحيحِ مسلمٍ: «أَنَّهُ ﷺ لَعَنَ النَّائِحَةَ وَالمُسْتَمِعَةَ» (١).
_________________
(١) لم نجده في صحيح مسلم، وقد جاء عن جماعة من الصحابة:
(٢) أبو سعيد الخدري عند أحمد (١١٦٢٢)، وأبو داود (٣١٢٨)، قال أبو حاتم: (هذا حديث منكر، ومحمد بن الحسن بن عطية وأبوه وجده ضعفاء الحديث)، وضعفه النووي، وابن الملقن، وابن حجر.
(٣) ابن عمر عند ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٩٨)، والبيهقي (٧١١٤)، وفيه عفير بن معدان، قال أحمد: (منكر الحديث، ضعيف)، وضعَّفه ابن الملقن وابن حجر.
(٤) أبو هريرة عند ابن عدي (٦/ ٥٤)، من طريق عمر بن يزيد، عن الحسن، عن أبي هريرة، قال ابن طاهر: (عمرو هذا قال ابن عدي فيه: إنه منكر الحديث، والحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئًا، والحديث غير محفوظ)، وضعَّفه ابن الملقن، وابن حجر.
(٥) ابن عباس عند الطبراني (١١٣٠٩)، وفيه الصباح أبو عبد الله الفراء، قال الهيثمى: (ولم أجد من ذكره)، وضعَّف الألباني الأحاديث الأربعة كلها. ينظر: علل الحديث ٣/ ٥٧٠، الكامل في الضعفاء ٦/ ٥٤، ميزان الاعتدال ٣/ ٨٣، الخلاصة ٢/ ١٠٥٣، مجمع الزوائد ٣/ ١٣، البدر المنير ٥/ ٣٦٢، التلخيص الحبير ٢/ ٣١٩، الإرواء ٣/ ٢٢٢.
[ ١ / ٥٠٨ ]