(يَجِبُ عُشْرٌ) وهو واحدٌ مِن عشرةٍ (فِيمَا سُقِيَ بِلَا مَؤُنَةٍ)؛ كالغَيْثِ، والسيوحِ، والبعلِ (٢) الشَّاربِ بعروقِه.
(وَ) يجبُ (نِصْفُهُ)، أي: نصفُ العُشْرِ (مَعَهَا)، أي: مع المؤنةِ؛ كالدُّولابِ تُديرُه البقرُ (٣)، والنواضِحِ يُسْتقَى عليها؛ لقولِه ﵇ في حديثِ ابنِ عمرَ: «وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ» رواه البخاري (٤).
(وَ) يجبُ (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ)، أي: أرباعِ العُشرِ (بِهِمَا)، أي: فيما يَشربُ بلا مُؤنةٍ وبِمؤنةٍ نِصفين، قال في المبدعِ: (بغيرِ خلافٍ نعلمُه) (٥).
_________________
(١) النَّمَّامُ: نَبْتٌ طيِّب الرائحة. ينظر: مختار الصحاح ص ٣٢٠.
(٢) في (أ) و(ع): البعلي. وفي هامش (ح): يقال له: بعل من غير نسبة.
(٣) في (ع): البقرة.
(٤) تقدم تخريجه صفحة الفقرة
(٥) (٢/ ٣٤١).
[ ١ / ٥٣١ ]
(فَإِنْ تَفَاوَتَا)، أي: السقي بمؤنةٍ وبغيرِها؛ (فَـ) الاعتبارُ (بِأَكْثَرِهِمَا نَفْعًا) ونموًّا؛ لأنَّ اعتبارَ عددِ السَّقي وما يُسقَى به في كلِّ وقتٍ مُشِقٌّ، فاعْتُبِر الأكثرُ؛ كالسَّومِ.
(وَمَعَ الجَهْلِ) بأكثرِهما نفعًا (العُشْرُ)؛ ليَخرجَ مِنْ عُهْدةِ الواجبِ بيقينٍ.
وإذا كان له حائطان، أحدُهما يُسْقَى بمؤنةٍ والآخرُ بغيرِها؛ ضُمَّا في النصابِ، ولكلِّ منهما حُكْمُ نفسِه في سَقْيِه بمؤنةٍ أو غيرِها.
ويُصَدَّقُ مالِكٌ فيما سَقَى به.
(وَإِذَا اشْتَدَّ الحَبُّ، وَبَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ؛ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ)؛ لأنَّه يُقْصَدُ للأَكلِ والاقتياتِ، كاليابسِ، فلو باع الحبَّ أو الثمرةَ أو تَلِفا بتعديه بَعْدُ؛ لم تسقطْ، وإنْ قطعَهما أو باعَهما قبلَه فلا زكاةَ؛ إن لم يَقصِدْ الفِرارَ منها.
(وَلَا يَسْتَقِرُّ الوُجُوبُ إِلَّا بِجَعْلِهَا فِي البَيْدَرِ) ونحوِه، وهو موضعُ تَشْمِيسِها وتَيْبِيسِها؛ لأنَّه قبل ذلك في حُكْمِ ما لم تَثْبت اليدُ عليه.
(فَإِنْ تَلِفَتْ) الحبوبُ أو الثمارُ (قَبْلَهُ)، أي: قبلَ جعلِها في البَيْدَرِ (بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ) ولا تفريطٍ؛ (سَقَطَتْ)؛ لأنَّها لم تستقِرَّ.
وإن تلِف البعضُ؛ فإن كان قبل الوجوبِ زكَّى الباقي إن بَلَغ
[ ١ / ٥٣٢ ]
نصابًا، وإلا فلا، وإن كان بعدَه زكَّى الباقي مطلقًا حيثُ بلَغ مع التَّالفِ نصابًا.
ويَلزمُ إِخْراجُ حبٍّ مُصفًّى، وثَمِرٍ يابسًا.
ويَحرمُ شِراءُ زكاتِه أو صدقتِه، ولا يَصحُّ.
ويُزَكِّي كلَّ نوعٍ على حِدَتِه.
(وَيَجِبُ العُشْرُ) أو نصفُه (عَلَى مُسْتَأْجِرِ الأَرْضِ دُونَ مَالِكِهَا)؛ كالمستعيرِ؛ لقوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١].
ويَجتمعُ العُشْرُ والخَراجُ في أرضٍ خَرَاجيَّةٍ.
ولا زكاةَ في قَدْرِ الخَراجِ إنْ لم يَكُن له مالٌ آخرُ.
(وَإِذَا أخَذَ مِنْ مُلْكِهِ أَوْ مَوَاتٍ)؛ كرؤوسِ الجبالِ، (مِنَ العَسَلِ مِائَةً وَسِتِّينَ رِطْلًا عِرَاقِيًّا؛ فَفِيهِ عُشْرُهُ)، قال الإمامُ: (أذهبُ إلى أنَّ في العسلِ زكاة العُشْرِ، قد (١) أخذ عمرُ منهم الزكاةَ) (٢).
_________________
(١) في (أ) و(ع): وقد.
(٢) ذكرها في المغني (٣/ ٢٠)، وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: (سألت أبي عن العسل هل تجب فيه الزكاة؟ قال: في العسل العُشر). ينظر: مسائل عبد الله ص ١٦٥، وبنحوه في مسائل أبي داود (ص ١١٥). وأما أثر عمر: فرواه عبد الرزاق (٦٩٧٠)، وابن أبي شيبة (١٠٠٥٢)، من طريق عطاء الخراساني، عن عمر، قال: «في العسل عشر»، قال ابن حجر في عطاء: (صدوق يهم كثيرًا، ويرسل ويدلس)، وقال: (روى عن الصحابة مرسلًا). وروى أبو داود (١٦٠٠)، والنسائي (٢٤٩٩)، من طريق عمرو بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «جاء هلال إلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له، وسأله أن يحمي له واديًا يقال له: سلبة، فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادي، فلما ولي عمر بن الخطاب، كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب يسأله، فكتب عمر: إن أدَّى إلي ما كان يؤدي إلى رسول الله ﷺ من عشر نحله فاحم له سلبة ذلك، وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من شاء». قال الدارقطني: (رواه عبد الرحمن بن الحارث، وعبد الله بن لهيعة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مسندًا عن عمر، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن شعيب مرسلًا عن عمر)، قال ابن حجر معلقًا: (فهذه علته وعبد الرحمن وابن لهيعة ليسا من أهل الإتقان، لكن تابعهما عمرو بن الحارث أحد الثقات، وتابعهما أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عند ابن ماجه)، ووافقه الألباني، وحسَّن الحديث المرفوع ابن عبد البر. وضعَّف المرفوع جماعة من الحفاظ، قال الشافعي: (الحديث في أن في العسل العشر ضعيف)، قال البخاري: (ليس في زكاة العسل شيء يصح)، وقال ابن المنذر: (ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت)، وقال ابن عبد البر: (وضعَّف أحمد بن حنبل الحديث المرفوع عن النبي ﷺ أنه أخذ منه العشر)، وسبق بيان احتجاجه بأثر عمر في أخذ الزكاة من العسل، وقال العقيلي: (زكاة العسل فليس يثبت فيه عن النبي ﷺ شيء، وإنما يصح عن عمر بن الخطاب فعله). ينظر: العلل الكبير ص ١٠٢، السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٢١٤، الضعفاء للعقيلي ٢/ ٣٠٩، علل الدارقطني ٢/ ١١٠، الاستذكار ٣/ ٢٤٠، تنقيح التحقيق ٣/ ٥٩، تهذيب التهذيب ٧/ ٢١٢، تقريب التهذيب ص ٣٩٢، التلخيص الحبير ٢/ ٣٧٠، الإرواء ٣/ ٢٨٤.
[ ١ / ٥٣٣ ]
ولا زكاةَ فيما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ على الشَّجرِ؛ كالمَنِّ، والتَّرَنْجَبِيلِ (١).
_________________
(١) قال في تهذيب اللغة (١٥/ ٣٣٨): (قال الليث: المنُّ كان يسقط على بني إسرائيل من السماء، إذ هُم في التيه، وكان كالعسل الحامس حلاوة، وقال الزجاج: جملة (المن) في اللغة: ما يمن الله به مما لا تعب فيه ولا نصب، قال: وأهل التفسير يقولون: إن المن شيء كان يسقط على الشجر حلو يشرب، يقال: إنه الترنجبين).
[ ١ / ٥٣٤ ]
ومَنْ زكَّى ما ذُكر مِن المُعشَّراتِ مرةً؛ فلا زكاةَ فيه بَعْدُ؛ لأنَّه غيرُ مُرصدٍ للنماءِ (١).
والمَعْدِنُ (٢) إن كان ذهبًا أو فضةً ففيه رُبْعُ عُشْرِه إنْ بلَغ نصابًا، وإن كان غيرَهما ففيه رُبْعُ عُشْرِ قيمتِه إن بلَغَت نصابًا بعد سَبكٍ وتصفيةٍ، إن كان المُخرِجُ له مِن أهلِ وجوبِ الزكاةِ.
(وَالرِّكَازُ: مَا وُجِدَ مِنْ دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ)، بكسرِ الدالِ، أي: مَدْفَونِهم، أو مَنْ تَقدَّم مِن كفارٍ، عليه أو على بعضِه علامةُ كفرٍ فقط، (فِيهِ (٣) الخُمُسُ فِي (٤) قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ)، ولو عَرْضًا؛ لقولِه ﷺ: «وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ» متفقٌ عليه عن أبي هريرةَ (٥).
ويُصرفُ مَصرِفَ الفيءِ المطلقِ للمصالحِ كلِّها، وباقيه لواجدِه، ولو أجيرًا لغيرِ طلبِه.
_________________
(١) في (أ) و(ع): لنماء.
(٢) قال في تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١١٥): (المَعدِن: بفتح الميم وكسر الدال، قال الأزهري: سمي معدنًا لعدون ما أنبته الله تعالى فيه، أي: لإقامته فيه، يقال: عدن بالمكان يعدن -بكسر الدال- عدونًا، إذا أقام، والمعدن المكان الذي عدن فيه شيء من جواهر الأرض، وقال الجوهري: سمي معدنًا لإقامة الناس فيه).
(٣) في (أ) و(ع): ففيه. وجعل الفاء الأولى من الشرح.
(٤) في (ب): من.
(٥) رواه البخاري (١٤٩٩)، ومسلم (١٧١٠).
[ ١ / ٥٣٥ ]
وإنْ كان على شيءٍ منه علامةُ المسلمين؛ فلُقَطةٌ، وكذا إنْ لم تَكُنْ علامةٌ.
[ ١ / ٥٣٦ ]