(فَصْلٌ)
في الجمعِ
(يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ)، أي: الظهرِ والعصرِ في وقتِ إحداهُما (١)، (وَ) يجوزُ الجمعُ (بَيْنَ العِشَاءَيْنِ)، أي: المغربِ والعشاءِ (فِي وَقْتِ إِحدَاهُمَا (٢) فِي سَفَرِ قَصْرٍ)؛ لما روى معاذٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إِلَى العَصْرِ يُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ، وَكَانَ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ» رواه أبو داودَ، والترمذي (٣)
وقال: (حسنٌ
_________________
(١) في (ب): أحدهما.
(٢) في (ب): أحدهما.
(٣) رواه أحمد (٢٢٠٩٤)، وأبو داود (١٢٢٠)، والترمذي (٥٥٣)، من طريق قتيبة بن سعيد، أخبرنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن معاذ بن جبل، قال أبو داود: (ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده)، وهذا إسناد صحيح، قال النووي: (رجاله ثقات رجال الشيخين)، وصححه ابن حبان، وابن القيم، والألباني، وله شواهد من حديث ابن عباس وأنس وغيرهما. وأعله جمع من المحدثين، قال أبو داود: (هذا حديث منكر، وليس في جمع التقديم حديث قائم)، وقال أبو سعيد بن يونس: (لم يحدث بهذا الحديث إلا قتيبة، ويقال: إنه غلط فيه)، وقال أبو حاتم: (لا أعرفه من حديث يزيد، والذي عندي: أنه دخل له حديث في حديث)، وقال ابن حجر: (وقد أعله جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث، وأشار البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة)، وأطال الحاكم في بيان ضعفه، وأجاب عن ضعفه ابن القيم في الهدي، والألباني في الإرواء، قال ابن القيم: (إسناده صحيح، وعلته واهية). ينظر: علل الحديث ٢/ ١٠٤، زاد المعاد ١/ ٤٥٩، التلخيص الحبير ٢/ ١٢١، فتح الباري ٢/ ٥٨٣، إرواء الغليل ٣/ ٢٩.
[ ١ / ٣٨٠ ]
غريبٌ) (١)، وعن أنسٍ معناه، متفقٌ عليه (٢).
(وَ) يُباحُ الجمعُ بينَ ما ذُكر (لِمَرِيضٍ يَلْحَقُهُ بِتَرْكِهِ)، أي: تَرْك الجمعِ (مَشَقَّةٌ)؛ «لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ»، وفي روايةٍ: «مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» رواهما مسلمٌ مِن حديثِ ابنِ عباسٍ (٣)،
ولا عذرَ بعدَ ذلك إلا المرضَ، وقد ثَبت جوازُ الجمعِ
_________________
(١) قال الترمذي بعد ذكره للحديث: (وحديث معاذ حديث حسن غريب، تفرد به قتيبة، لا نعرف أحدًا رواه عن الليث غيره، وحديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ حديث غريب، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ، من حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ: أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء)، وهذا تحسين لحديث معاذ برواية أبي الزبير، وأما الحديث المذكور فقال فيه: (حديث غريب).
(٢) رواه البخاري (١١١١)، ومسلم (٧٠٤)، وتقدم لفظه قريبًا.
(٣) رواه مسلم (٧٠٥)، بلفظ: «من غير خوف ولا سفر»، من طريق أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ووافق أبا الزبير على ذلك جماعة. ورواه مسلم أيضًا في نفس الموطن من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بلفظ: «من غير خوف ولا مطر»، وهذا اللفظ طعن به جماعة من الحفاظ، منهم ابن خزيمة، والبزار، والبيهقي، وابن عبد البر، وجملة ما أعلوه به: أن الجمع في الحضر بغير سبب محرمٌ إجماعًا، فلم يكن هناك سبب للجمع إلا المرض، ورواية حبيب بن أبي ثابت مخالفة لرواية جماعة، فكانت سهوًا وغلطًا. وأجاب عن ذلك ابن المنذر، وابن تيمية، والألباني: بأن حبيب بن أبي ثابت أوثق من أبي الزبير، فلم تُقدم رواية أبي الزبير على رواية حبيب؟ !، وقوله في الحديث: «في المدينة» يدل على أنه لم يكن في سفر، فقوله: «من غير خوف ولا مطر» أولى؛ لما فيها من زيادة معنى وعدم التكرار، ثم بين ابن تيمية وغيره معنى الحديث، وأنه لا وجه لتضعيفه. ينظر: السنن الكبرى ٣/ ٢٣٦، الأوسط لابن المنذر ٢/ ٤٣٣، مجموع الفتاوى ٢٤/ ٧٤، إرواء الغليل ٣/ ٣٤.
[ ١ / ٣٨١ ]
للمستحاضةِ، وهي (١) نوعُ مرضٍ.
ويجوزُ أيضًا لمرضِعٍ لمشقَّةِ كَثْرَةِ نجاسةٍ، ونحوِ مُستحاضةٍ، وعاجزٍ عن طهارةٍ أو تيممٍ لكلِّ صلاةٍ، أو عن معرفةِ وقتٍ كأعمى (٢) ونحوِه، ولعذرٍ أو شغلٍ يُبيحُ تركَ جمعةٍ وجماعةٍ.
(وَ) يُباحُ الجمعُ (بَيْنَ العِشَاءَيْنِ) خاصةً (لِمَطَرٍ يَبُلُّ الثِّيَابِ) وتوجدُ معه مشقةٌ، والثلجُ والبَرَدُ والجليدُ مثلُه، (وَلِوَحَلٍ، وَرِيحٍ شَدِيدَةٍ بَارِدَةٍ)؛ «لأَنَّهُ ﵇ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ» رواه النجاد بإسنادِه (٣)،
_________________
(١) في (ب): وهو.
(٢) في (ب): كالأعمى.
(٣) لعل النجاد رواه في مسنده أو في سننه، وهو غير مطبوع، ورواه الضياء في المنتقى من مسموعاته بمرو (مخطوط)، قال الضياء: وثنا الأنصاري، حدثني محمد بن زريق بن جامع المديني أبو عبد الله بمصر، ثنا سفيان بن بشر، قال: حدثني مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. قال الألباني: (وهذا سند واهٍ جدًا، وآفته الأنصارى وهو محمد بن هارون بن شعيب بن إبراهيم بن حيان أبو علي الدمشقي، قال عبد العزيز الكتاني: كان يُتهم). ينظر: إرواء الغليل ٣/ ٣٩. وروى البخاري (٥٤٣)، من طريق جابر بن زيد، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا، الظهر والعصر والمغرب والعشاء»، فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة، قال: عسى. وهذا الظن من أيوب وشيخه جابر بن زيد مردود بما ورد في صحيح مسلم من حديث ابن عباس نفسه بقوله: «من غير خوف ولا مطر».
[ ١ / ٣٨٢ ]
وفعلُه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ (١).
وله الجمعُ لذلك (وَلَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي مَسْجِدٍ طَرِيقُهُ تَحْتَ سَابَاطٍ (٢) ونحوِه؛ لأنَّ الرخصةَ العامةَ يَستوي فيها حالُ وجودِ المشقةِ وعدمِها؛ كالسَّفرِ.
(وَالأَفْضَلُ) لمن له الجمعُ (فِعْلُ الأَرْفَقِ بِهِ مِنْ) جمعِ (تَأْخِيرٍ)؛ بأنْ يؤخِّرَ الأُولَى إلى الثانيةِ، (وَ) جمعِ (تَقْدِيمٍ)؛ بِأَنْ يقدِّمَ الثانيةَ فيصلِّيها مع الأُولَى؛ لحديثِ معاذٍ السابقِ (٣)، فإن استويَا فتأخيرٌ أفضلُ.
والأفضلُ بعرفةَ التقديمُ، وبمزدلفةَ التأخيرُ مطلقًا، وتركُ الجمعِ سِواهما أفضلُ.
_________________
(١) جاء في المدونة (١/ ٢٠٤): قال ابن وهب: عن عمرو بن الحارث، أن سعيد بن أبي هلال حدثه، أن ابن قسيط حدثه: «إن جمع الصلاتين بالمدينة في ليلة المطر المغرب والعشاء سنة، وأنْ قد صلاها أبو بكر وعمر وعثمان على ذلك»، وهذا مرسل صحيح الإسناد. وروى ابن أبي شيبة (٤٤٤٠)، عن صفوان بن سليم قال: «جمع عمر بن الخطاب بين الظهر والعصر في يوم مطير»، وهذا مرسل أيضًا.
(٢) السَّاباط: سقيفة بين حائطين تحتها طريق، والجمع سَوابيط، وساباطات. ينظر: الصحاح ٣/ ١١٢٩.
(٣) تقدم تخريجه ص ، الفقرة
[ ١ / ٣٨٣ ]
ويُشترطُ للجمعِ: ترتيبٌ مطلقًا، (فَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الأُولَى يُشْتَرَطُ (١) له ثلاثةُ شروطٍ:
(نِيَّةُ الجَمْعِ عِنْدَ إِحْرَامِهَا)، أي: إحرامِ الأُولَى دونَ الثانيةِ.
(وَ) الشرطُ الثاني: الموالاةُ بينَهما، فـ (لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِمِقْدَارِ إِقَامَةِ) صلاةٍ (وَوُضُوءٍ خَفِيفٍ)؛ لأنَّ معنى الجمعِ: المتابعةُ والمقارنةُ، ولا يحصُلُ ذلك مع التفريقِ الطويلِ، بخلافِ اليسيرِ فإنه معفوٌ عنه.
(وَيَبْطُلُ) الجمعُ (بِرَاتِبَةٍ) يُصلِّيها (بَيْنَهُمَا)، أي: بينَ المجموعتين؛ لأنَّه فرَّق بينَهما بصلاةٍ فَبَطَل، كما لو قضى فائتةً، وإن تكلم بكلمةٍ أو كلمتين جاز.
(وَ) الثالثُ: (أَنْ يَكُونَ العُذْرُ) المُبيحُ (مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتَاحِهِمَا وَسَلَامِ الأُولَى)؛ لأنَّ افتتاحَ الأُولَى موضِعُ النيةِ، وفراغَها وافتتاحَ الثانيةِ موضِعُ الجمعِ.
ولا يُشترطُ دوامُ العذرِ إلى فراغِ الثانيةِ في جمعِ المطرِ ونحوِه، بخلافِ غيرِه.
وإن انقطع السَّفرُ في الأُولَى بَطَل الجمعُ والقصرُ مطلقًا، فيُتمُّها وتصحُّ، وفي الثانيةِ يُتمُّها نفلًا.
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(ق): اشترط.
[ ١ / ٣٨٤ ]
(وَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ اشْتُرِطَ) له شرطان:
(نِيَّةُ الجَمْعِ فِي وَقْتِ الأُولَى)؛ لأنَّه متى أخَّرَها عن ذلك بغيرِ نيةٍ صارت قضاءً لا جمعًا، (إِنْ لَمْ يَضِقْ) وقتِها (عَنْ فِعْلِهَا)؛ لأنَّ تأخيرَها إلى ما يَضيقُ عن فعلِها حرامٌ، وهو يُنافي الرُّخصةَ.
(وَ) الثاني: (اسْتِمْرَارُ العُذْرِ) المبيح (إِلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ)، فإن زال العُذْرُ قبلَه لم يَجزْ الجمعُ؛ لزوالِ مقتضيه؛ كالمريضِ يَبرأ، والمسافرُ يَقدمُ، والمطرُ ينقطعُ.
ولا بأس بالتطوُّعِ بينَهما.
ولو صلَّى الأُولَى وحدَه، ثم الثانيةَ إمامًا (١) أو مأمومًا، أو صلَّاهما خلفَ إمامين، أو مَن لم يَجمعْ؛ صحَّ.