(يَجِبُ تَكْفِينُهُ (١) فِي مَالِهِ)؛ لقوله ﵇ في المُحْرِم: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» (٢)، (مُقَدَّمًا عَلَى دَيْنٍ) ولو برهنٍ، (وَغَيْرِهِ) مِنْ وصيةٍ وإرْثٍ؛ لأنَّ المُفلسَ يُقدمُ بالكُسوةِ (٣) على الدَّيْنِ، فكذا الميتُ.
فيجبُ لحقِّ اللهِ وحقِّ الميتِ ثوبٌ لا يَصفُ البشرةَ، يسترُ جميعَه، مِن ملبوسِ مثلِه، ما لم يُوصِ بدونِه، والجديدُ أفضلُ.
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ)، أي: للميتِ (مَالٌ) فكفنُه ومُؤْنةُ تجهيزِه (عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ)؛ لأنَّ ذلك يلزمُه حالَ الحياةِ فكذا بعد الموتِ، (إِلَّا الزَّوْجَ لا (٤) يَلْزَمُهُ كَفَنُ امْرَأَتِهِ) ولو غنيًّا؛ لأنَّ الكسوةَ وجبتْ عليه بالزوجيةِ والتمكُّنِ مِنَ الاستمتاعِ، وقد انقطعَ ذلك بالموتِ.
فإنْ عدِم مالُ الميتِ ومَنْ تلزمُهم نفقتُه؛ فمِن بيتِ المالِ إذا كان مسلمًا، فإن لم يكنْ فعَلَى المسلمين العالمين بحالِه، قال الشيخُ
_________________
(١) في (أ) و(ع): كفنه.
(٢) تقدم قريبًا صفحة الفقرة
(٣) قال في تاج العروس (٣٩/ ٤٠٠): (الكسوة: الثوب الذي يلبس، ويكسر، والضم أشهر، كما قاله ابن السيد؛ وعند العامة الكسر أشهر).
(٤) في (ب): فلا.
[ ١ / ٤٧٢ ]
تقي الدينِ: (مَنْ ظنَّ أنَّ غيرَه لا يقومُ به تعيَّنَ عليه) (١).
فإنْ أراد بعضُ الورثةِ أنْ ينفَرِدَ به؛ لم يلزمْ بقيةَ الورثةِ قبولُه، لكنْ ليس للبقيَّةِ نَبْشُه وسلْبُه مِنْ كفنِه بعد دفنِه.
وإذا مات إنسانٌ مع جماعةٍ في سفرٍ كفَّنوه مِن مالِه، فإنْ لم يكنْ كفَّنوه ورجَعوا على تَرِكتِه أو مَنْ تلزمُه نفقتُه إن نَوَوا الرجوعَ.
(وَيُسْتَحَبُّ (٢) تَكْفِينُ رَجُلٍ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ) مِنْ قطنٍ؛ لقولِ عائشةَ: «كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ جُدُدٍ يَمَانِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، أُدْرِجَ فِيهَا إِدْرَاجًا» متفقٌ عليه (٣).
ويُقدَّمُ بِتكفينٍ مَنْ يُقدَّم بغُسْلٍ، ونائبُه كهُوَ، والأَوْلَى تَوَلِّيه بنفسِه.
(تُجَمَّرُ)، أي: تُبَخَّرُ بعد رشِّها بماءِ وردٍ أو غيرِه لِيَعْلَقَ، (ثُمَّ تُبْسَطُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ)، أَوْسَعُها وأحسنُها أعلاها؛ لأنَّ عادةَ الحي جَعْلُ الظاهرِ أفخرَ ثيابِه، (وَيُجْعَلُ الحَنُوطُ (٤) - وهو أخلاطٌ
_________________
(١) الاختيارات الفقهية (ص ٤٤٣).
(٢) في (ب): استحب.
(٣) رواه البخاري (١٢٦٤)، ومسلم (٩٤١)، وليس عندهما لفظة: «جدد»، وإنما هي عند أحمد (٢٤٨٦٩)، وسندها صحيح.
(٤) قال في المطلع (ص ١٤٩): (قال القاضي عياض: والحنُوط -بفتح الحاء-: ما يُطيَّبُ به الميتُ من طيبٍ يخلط، وهو الحِناط، والكسر أكثر).
[ ١ / ٤٧٣ ]
مِن طيبٍ يُعَدُّ للميتِ خاصةً- (فِيمَا بَيْنَهَا)، لا فوقَ العُليا؛ لكراهةِ عمرَ (١)، وابنِه (٢)، وأبي هريرة (٣).
(ثُمَّ يُوضَعُ) الميتُ (عَلَيْهَا)، أي: اللفائفِ (مُسْتَلْقِيًا)؛ لأنَّه أَمْكَنُ لإدراجِه فيها، (وَيُجْعَلُ مِنْهُ)، أي: مِنَ الحنوطِ (فِي قُطْنٍ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ (٤)؛
لِيَرُدَّ ما يخرُجُ عند تحريكِه، (وَيُشَدُّ فَوْقَهَا خِرْقَةٌ مَشْقُوقَةُ الطَّرَفِ كَالتُّبَّانِ (٥) - وهو السراويلُ بلا أكمامٍ- (تَجْمَعُ أَلْيَتَيْهِ
_________________
(١) رواه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٦٧)، وابن أبي شيبة (١١٠٣٩)، وابن المنذر في الأوسط (٣٠٠١)، بإسنادين عن عمر أنه قال: «لا تحنطوني بمسك»، وكلا الإسنادين لا يخلوان من ضعف، ولعلّ أحدهما يعضد الآخر.
(٢) رواه ابن أبي شيبة (١١١٥٨)، من طريق العمري، عن نافع، عن ابن عمر: «أنه كره الحنوط على النعش»، والعمري هو عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف. ينظر: تقريب التهذيب ص ٣١٤.
(٣) رواه ابن المنذر في الأوسط (٣٢٠٩)، عن قيس بن رافع: «أن أبا هريرة أوصى أهله حين توفي: أن لا يظهروا عليه الطيب، ولا يجعلوه في قطيفة حمراء» وإسناده لا بأس به، وقيس بن رافع ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحسن بن ثوبان: (وكان من أهل العلم والستر)، وروى عنه جماعة. ينظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٣٩١.
(٤) قال في المطلع (ص ٩٨): (قال الجوهري: الأَلْيَةُ بالفتح: ألْيَة الشاة، ولا تقل إلْيَة ولا لِيَّةً، فإذا ثَنّيْتَ قلتَ أَلْيان فلا تلحقه التاء غالبًا، وقال الراجز: ترتج ألياه ارتجاج الوطب. وقال القاضي عياض في المشارق من حديث الملاعنة: سابغ الأَلْيَتَين -بفتح الهمزة وسكون اللام-: وهما اللحمتان المؤخرتان اللتان تكتنفان مخرج الحيوان، وهما من ابن آدم المقعدتان، وجمعها أَلَيَاتٌ، بفتح اللام).
(٥) قال في الصحاح (٥/ ٢٠٨٦): (التُبَّانُ: بالضم والتشديد: سراويلُ صغيرٌ مقدار شبر يستر العورة المغلظة فقط، يكون للملاحين).
[ ١ / ٤٧٤ ]
وَمَثَانَتَهُ، وَيُجْعَلُ البَاقِي) مِنَ القطنِ المُحَنَّطِ (١) (عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ): عيْنَيْهِ ومَنْخِرَيْه وأُذُنَيْهِ وفَمِه؛ لأنَّ في جعلِها على المنافذِ مَنْعًا مِن دخولِ الهوامِّ، (وَ) على (مَوَاضِعِ سُجُودِهِ): رُكْبَتَيْه، ويَدَيْه، وجَبْهَتِه، وأَنْفِه، وأطْرَافِ قَدَمَيْه؛ تشريفًا لها، وكذا مَغابِنَه؛ كطَيِّ رُكْبَتَيْه، وتحت إِبْطَيْه، وسرَّته؛ «لأنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَتَبَّعُ مَغَابِنَ المَيِّتِ وَمَرَافِقَهُ بِالمِسْكِ» (٢).
(وَإِنْ طُيِّبَ) الميتُ (كُلُّهُ فَحَسَنٌ)؛ لأنَّ أنسًا طُلِيَ بالمسكِ (٣)، وطَلَى ابنُ عمرَ ميتًا بالمسكِ (٤).
وكُرِه داخلُ عينَيْهِ، وأنْ يُطَيَّبَ بوَرْسٍ وزعفرانٍ، وطَلْيُه بما يُمْسِكُه كصَبِرٍ ما لم يُنْقَلْ.
(ثُمَّ يُرَدُّ طَرَفُ اللِّفَافَةِ العُلْيَا) مِنَ الجانبِ الأيسرِ (عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، وَيُرَدُّ طَرَفُهَا الآخَرُ فَوْقَهُ)، أي: فوقَ الطرفِ الأَيمنِ، (ثُمَّ)
_________________
(١) في (ح): للحنّط.
(٢) رواه عبد الرزاق (٦١٤١)، وابن المنذر (٢٩٩٤)، وإسناده صحيح متصل.
(٣) لم نقف عليه، وإنما روى ابن أبي شيبة (١١٠٣١)، وابن المنذر (٢٩٩٦)، وغيرهما، عن حميد، عن أنس: «أنه جعل في حنوطه صرة من مسك، أو سك فيه شعر من شعر النبي ﷺ»، وإسناده صحيح متصل.
(٤) رواه ابن أبي شيبة (١١٠٣٨)، عن نافع: «أن ابن عمر حنط ميتًا بمسك»، ورواه عبد الرزاق (٦١٤٠)، بلفظ: «أنه كان يطيب الميت بالمسك، يذر عليه ذرورًا»، وإسناده صحيح متصل.
[ ١ / ٤٧٥ ]
يفعلُ (الثَّانِيَةَ (١) وَالثَّالِثَةَ كذَلِكَ)، أي: كالأُولَى، (وَيُجْعَلُ أَكْثَرُ الفَاضِلِ) مِن كفنِه (عِنْدَ رَأْسِهِ)؛ لشرفِه، ويُعِيدُ الفاضلَ على وجهِه ورجلَيه بعدَ جمعِه؛ ليصيرَ الكفنُ كالكيسِ فلا يَنْتَشِرُ، (ثُمَّ يَعْقِدُهَا) لئلا تَنْتَشرَ، (وَتُحَلُّ فِي القَبْرِ)؛ لقولِ ابنِ مسعودٍ: «إذَا (٢) أَدْخَلْتُمْ المَيِّتَ القَبْرَ فَحُلُّوا العُقَدَ» رواه الأثرمُ (٣).
وكُره تخريقُ اللفائفِ؛ لأنَّه إفسادٌ لها.
(وَإِنْ كُفِّنَ فِي قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ وَلِفَافَةٍ؛ جَازَ)؛ «لأَنَّهُ ﵇ أَلْبَسَ عَبْدَ اللهِ بنَ أُبَيِّ قَمِيصَه لمَّا مَاتَ»، رواه البخاري (٤)، وعن عمرو بنِ العاصِ: «أَنَّ المَيِّتَ يُؤَزَّرُ وَيُقَمَّصُ وَيُلَفُّ بِالثَّالِثَةَ» (٥)، وهذا عادَةُ الحيِّ.
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(ع) و(ق): بالثانية.
(٢) في (ق): وإذا.
(٣) لعله في سننه ولم يطبع، وقد روى ابن أبي شيبة (١١٦٦٨)، وابن سعد (٤/ ٢٧٩)، عن خلف بن خليفة عن أبيه: «أن رسول الله ﷺ نزع الأخلة بفيه عن نعيم بن مسعود حين مات»، قال الواقدي: (وهذا الحديث وهم، لم يمت نعيم بن مسعود على عهد رسول الله ﷺ، وبقي إلى زمن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه)، ورواه أبو داود في المراسيل (٤١٩)، عن خلف بن خليفة عن أبيه، قال: «بلغه أن رسول الله ﷺ » وذكره. وضعَّفه النووي. ينظر: خلاصة الأحكام ٢/ ٩٥٨.
(٤) رواه البخاري (١٣٥٠)، ومسلم (٢٧٧٣)، من حديث جابر بن عبد الله قال: «أتى رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته، فأمر به فأخرج، فوضعه على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه».
(٥) إنما رواه مالك (٧٦١)، وعبد الرزاق (٦١٨٨)، والبيهقي (٦٦٨٩)، من طريق ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص به قال: «الميت يقمص، ويؤزر، ويلف بالثوب الثالث، فإن لم يكن إلا ثوب واحد، كفن فيه». وإسناده صحيح متصل.
[ ١ / ٤٧٦ ]
ويكونُ القميصُ بِكُمَّيْنِ ودخارِيصَ (١)، لا بِزِرٍّ.
(وَتُكَفَّنُ المَرْأَةُ) والخنثى ندبًا (فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ) بيضٍ مِنْ قُطنٍ: (إِزَارٍ، وَخِمَارٍ، وَقَمِيصٍ، وَلِفَافَتَيْنِ)؛ لما روى أحمدُ وأبو داودَ - وفيه ضَعْف - عن ليلى الثَّقفيةِ قالت: «كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ ﷺ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا الحِقَاءَ، ثُمَّ الدِّرْعَ، ثُمَّ الخِمَارَـ ثُمَّ المِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ الآخَرِ» (٢)،
_________________
(١) قال في لسان العرب (٧/ ٣٥): (الدخريص من القميص والدرع: واحد الدخاريص، وهو ما يوصل به البدن ليوسعه).
(٢) رواه أحمد (٢٧١٣٥)، وأبو داود (٣١٥٧)، من طريق نوح بن حكيم الثقفي، عن رجل من بني عروة بن مسعود يقال له: داود، عن ليلى الثقفية به، وضعّفه ابن القطان والألباني بجهالة نوح بن حكيم، وزاد ابن القطان علّة أخرى: وهي التوقف في الجزم بأن داود هذا هو ابن أبي عاصم الثقفي، فقد يكون غيره، وذكر وجه هذا التوقف. وحسَّن الحديث: المنذري، والنووي، ومال إليه ابن الملقن، وقالوا: إن نوحًا ذكره ابن حبان في الثقات، وداود قد جزم ابن حبان وتبعه المزي وابن حجر على أنه ابن أبي عاصم الثقة. ولكن تبقى جهالة نوح بن حكيم، فإن ابن حبان من منهجه في كتابه الثقات: ذكر المجاهيل الذين لم يعرف فيهم جرحًا، وهذا لا يخرجه عن كونه مجهولًا، ولذا قال الذهبي: (لا يعرف)، وقال الحافظ في التقريب: (مجهول). ينظر: بيان الوهم ٥/ ٥٢، خلاصة الأحكام ٢/ ٩٥٣، ميزان الاعتدال ٤/ ٢٧٦، البدر المنير ٥/ ٢٢٠، التلخيص الحبير ٢/ ٢٥٧، تقريب التهذيب ص ٥٦٦، إرواء الغليل ٣/ ١٧٣.
[ ١ / ٤٧٧ ]
قال أحمدُ: (الحِقاءُ: الإزارُ، والدِّرعُ: القميصُ) (١)، فتُؤَزَّرُ بالمئْزَرِ، ثم تُلْبَسُ القميصَ، ثم تُخَمَّرُ، ثم تُلَفُّ باللِّفَافَتَيْنِ.
ويُكفَّنُ صبِيٌّ في ثوبٍ، ويُباحُ في ثلاثةٍ ما لم يَرِثْه غيرُ مكلفٍ.
وصغيرةٌ في قميصٍ ولِفافَتين.
(وَالوَاجِبُ) للميتِ مطلقًا (ثَوْبٌ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ)؛ لأنَّ العورةَ المغلَّظةَ يُجزئُ في سَترِها ثوبٌ واحدٌ، فكَفَنُ الميتِ أَوْلَى.
وكُرِه بصوفٍ وشعرٍ، ويحرُمُ بجلودٍ، ويجوزُ في حريرٍ لضرورةٍ فقط.
فإنْ لم يجدْ إلَّا بعضَ ثوبٍ سَتَر العورةَ؛ كحالِ الحياةِ، والباقي بحشيشٍ أو وَرَقٍ.
وحَرُمَ دفنُ حُلِيٍّ وثيابٍ غيرِ الكفنِ؛ لأنَّه إضاعةُ مالٍ.
ولِحَيِّ أَخْذُ كفنِ ميتٍ لحاجةِ حَرٍّ أو (٢) بَرْدٍ بثمنِه.
_________________
(١) في مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٢١٤)، قال: (سمعت أحمد بن حنبل سئل عن الحقو ما هو؟ قال: الإزار).
(٢) في (أ) و(ع): و.
[ ١ / ٤٧٨ ]