السنةُ أنْ (يَقِفَ المَأْمُومُونَ) رجالًا كانوا أو نساءً، إن كانوا اثنين فأكثرَ (خَلْفَ الإِمَامِ)؛ لفعلِه (١) ﵇: «كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَامَ أَصْحَابُهُ خَلْفَهُ» (٢)، ويُستثنى منه: إمامُ العراةِ يقفُ وسْطَهم وجوبًا، والمرأةُ إذا أمَّت النِّساءَ تقفُ وسْطَهنَّ استحبابًا، ويأتي.
(وَيَصِحُّ) وقوفُهم (مَعَهُ)، أي: مع الإمامِ (عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ)؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ صلَّى بين علقمةَ والأسودَ، وقال: «هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَل» رواه أحمد (٣)، وقال ابنُ عبدِ البر: (لا يصحُّ رفعُه، والصحيحُ أنَّه مِن قولِ ابنِ مسعودٍ) (٤).
_________________
(١) في (أ) و(ب) و(ق): لأنه.
(٢) رواه مسلم (٣٠١٠)، من حديث جابر الطويل، وفيه: «ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فتوضأ، ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ، فأخذ رسول الله ﷺ بيدينا جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه».
(٣) رواه أحمد (٣٩٢٧)، ورواه مسلم أيضًا (٥٣٤)، عن علقمة والأسود، أنهما دخلا على عبد الله، فقال: «أصلى من خلفكم؟» قال: نعم، فقام بينهما، وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا، فوضعنا أيدينا على ركبنا فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى، قال: «هكذا فعل رسول الله ﷺ».
(٤) التمهيد (١/ ٢٦٧)، قال ابن عبد البر ﵀ ذلك بعد أن ساقه بإسناده، وتقدم أن الرفع ثابت في مسلم.
[ ١ / ٣٥٥ ]
(لَا قُدَّامَهُ)، أي: لا قدَّامَ الإمامِ، فلا تصحُّ للمأمومِ ولو بإحرامٍ؛ لأنَّه ليس موقفًا بحالٍ.
والاعتبارُ بمؤخرِ القدمِ وإلا لم يضرَّ، وإنْ صلَّى قاعدًا فالاعتبارُ بالأَلْيَةِ، حتى لو مدَّ رجليه وقدَّمَهما على الإمامِ لم يضرَّ، وإنْ كان مُضطجعًا فبالجنبِ.
وتصحُّ داخلَ الكعبةِ إذا جَعَل وجهَه إلى وجهِ إمامِه، أو ظهرَه إلى ظهرِه، لا إنْ جَعَل ظهرَه إلى وجهِ إمامِه؛ لأنَّه متقدِّمٌ عليه.
وإن وقفوا حولَ الكعبةِ مستديرين صحَّت، فإن كان المأمومُ في جهتِه أقربُ مِن الإمامِ في جهتِه؛ جاز إن لم يكونَا في جهةٍ واحدةٍ، فتبطلُ صلاةُ المأمومِ.
ويُغتفرُ التقدُّمُ في شدِّةِ خوفٍ إذا أمكن المتابعةَ.
(وَلا) تصحُّ للمأمومِ إن وقَفَ (عَنْ يَسَارِهِ فَقَطْ)، أي: مع خلوِّ يمينِه إذا صلَّى ركعةً فأكثرَ؛ «لأَنَّهُ ﷺ أَدَارَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا عَنْ يَسَارِهِ إِلَى يَمِينِهِ» (١).
_________________
(١) أما حديث ابن عباس، فرواه البخاري (١١٧)، ومسلم (٧٦٣)، وفيه: «فقام فصلى، فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدارني عن يمينه». وأما حديث جابر، فعند مسلم (٣٠١٠)، وتقدم لفظه قريبًا.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وإذا كبَّر عن يسارِه أداره مِنْ ورائِه إلى يمينِه، فإن كبَّرَ معه آخرُ وقفَا خلفَه، فإن كبَّر الآخرُ عن يسارِه أدارهما بيدِه وراءَه، فإن شقَّ ذلك أو تعذَّرَ؛ تقدَّمَ الإمامُ فصلَّى بينهما أو عن يسارِهما، ولو تأخَّرَ الأيمنُ قبلَ إحرامِ الداخِلِ ليصلِّيَا خلفَه جاز، ولو أدركهما الداخِلُ جالسين كبَّر وجلس عن يمينِ صاحبِه أو يسارِ الإمامِ، ولا تأخُّر إذنْ للمشقةِ، فالزَمْنَى لا يَتقدَّمون ولا يَتأخَّرون.
(وَلَا) تصحُّ صلاةُ (الفَذِّ)، أي: الفردِ (خَلْفَهُ)، أي: خلفَ الإمامِ، (أَوْ خَلْفَ الصَّفِّ) إنْ صلَّى ركعةً فأكثرَ، عامدًا أو ناسيًا، عالمًا أو جاهلًا؛ لقولِه ﵇: «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» رواه أحمدُ وابنُ ماجه (١)، و«رَأَى ﵇ رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» رواه أحمدُ، والترمذي وحسَّنه، وابنُ ماجه،
_________________
(١) رواه أحمد (١٦٢٩٧)، وابن ماجه (١٠٠٣)، من طريق عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه، قال الأثرم: (قال أحمد: إنه حديث حسن)، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والألباني، وحسن إسناده النووي، وقواه الذهبي. وأعلّه البزار فيما نقله عنه الزيلعي بعلتين: الأولى: قال: (عبد الله بن بدر ليس بالمعروف، إنما حدث عنه مُلازم بن عمرو ومحمد بن جابر)، قلنا: وخمسة آخرون، ووثقه ابن معين، وأبو زرعة، وابن حبان، والعجلي، وفي التقريب: (كان أحد الأشراف ثقة). الثانية: جهالة عبد الرحمن بن علي بن شيبان، قلنا: روى عنه ثلاثة، ووثقه ابن حبان، والعجلي، وأبو العرب التميمي، وابن حزم، وفي التقريب: (ثقة). ينظر: خلاصة الأحكام ٢/ ٧١٨، البدر المنير ٤/ ٤٧٤، التنقيح لابن عبد الهادي ٢/ ٤٩٨، إرواء الغليل ٢/ ٣٢٩.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وإسنادُه ثقاتٌ (١).
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ) الفَذُّ خلفَ الإمامِ أو الصفِّ (امْرَأَةً) خلفَ رجلٍ؛ فتصحُّ صلاتُها؛ لحديثِ أنسٍ.
وإن وقفَت بجانبِ الإمامِ فكرجلٍ، وبصفِّ رجالٍ لم تبطلْ صلاةُ مَن يليها أو خلفَها، فصفٌّ تامٌ مِن نساءٍ لا يَمنعُ اقتداءَ مَن خَلفهنَّ مِن رجالٍ.
(وَإِمَامَةُ النِّسَاءِ تَقِفُ فِي صَفِّهِنَّ) ندبًا، رُوي عن عائشةَ (٢)، وأمِّ
_________________
(١) رواه أحمد (١٨٠٠٠)، والترمذي (٢٣١)، وابن ماجه (١٠٠٤)، ورواه أبو داود أيضًا (٦٨٢) من حديث وابصة بن معبد، قال الإمام أحمد: (حديث وابصة حديث حسن)، وقال ابن المنذر: (يثبته أحمد وإسحاق)، وأخذ به ابن معين، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وابن حزم، وابن القيم، والألباني. وأعله البزار وابن عبد البر بالاضطراب، وإليه ميل الشافعي، وذلك أن هلال بن يساف تارة يرويه عن عمرو بن راشد عن وابصة، وتارة عن زياد بن أبي الجعد عن وابصة. وأنكر الإمام أحمد على من قال باضطرابه، وأجاب ابن حبان عن ذلك، فقال: (سمع هذا الخبر هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد، وسمعه من زياد بن أبي الجعد، عن وابصة، والطريقان جميعًا محفوظان)، ووافقه ابن القيم، والألباني وغيرهما. ينظر: تهذيب السنن ١/ ١٢٥، فتح الباري لابن رجب ٧/ ١٢٧، تنقيح التحقيق ٢/ ٤٩٧، البدر المنير ٤/ ٤٧٣، نصب الراية ٢/ ٣٨، إرواء الغليل ٢/ ٣٢٣.
(٢) رواه عبد الرزاق (٥٠٨٦)، والحاكم (٧٣١)، والدارقطني (١٥٠٧)، والبيهقي (٥٣٥٦)، عن ريطة الحنفية: «أن عائشة أمتهن، وقامت بينهن في صلاة مكتوبة»، وصحح إسناده النووي.
[ ١ / ٣٥٨ ]
سلمةَ (١)، فإن أمَّت واحدةً وقفت عن يمينِها، ولا يصحُّ خلفَها.
(وَيَلِيهِ)، أي: الإمامَ من المأمومين: (الرِّجَالُ) الأحرارُ، ثم العبيدُ، الأفضلُ فالأفضلُ؛ لقولِه ﵇: «لِيَلِيَنِّي (٢) مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى» رواه مسلمٌ (٣)، (ثُمَّ الصِّبْيَانُ) الأحرارُ، ثم العبيدُ، (ثُمَّ النِّسَاءُ)؛ لقولِه ﵇: «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللهُ» (٤)،
ويُقدَّم منهنَّ البالغاتُ الأحرارُ، ثم الأرقاءُ، ثم مَن لم تَبلغ: الأحرارُ (٥) فالأرقاءُ، الفُضَلُ (٦) فالفُضلى، وإن وَقَف الخناثى
_________________
(١) رواه عبد الرزاق (٥٠٨٢)، والبيهقي (٥٣٥٧)، من طريق حجيرة بنت حصين: «أن أم سلمة أم المؤمنين كانت تؤمهن في رمضان وتقوم معهن في الصف». وصحح إسناده النووي، ورواه ابن حزم من وجه آخر، وقال: (وهذا إسناد كالذهب). ينظر: المحلى ٣/ ١٣٦.
(٢) قال النووي ﵀: (لِيلِني: هو بكسر اللامين وتخفيف النون من غير ياء قبل النون، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد). ينظر: شرح مسلم ٤/ ١٥٤.
(٣) رواه مسلم (٤٣٢)، من حديث أبي مسعود الأنصاري.
(٤) قال الزيلعي: (حديث غريب مرفوعًا، وهو في مصنف عبد الرزاق موقوف على ابن مسعود)، ومثله قال ابن حجر والألباني، أنه لا يعرف مرفوعًا، قال ابن خزيمة: (الخبر موقوف غير مسند). والموقوف: رواه عبد الرزاق (٥١١٥)، وابن خزيمة (١٧٠٠)، والطبراني في الكبير (٩٤٨٤)، عن ابن مسعود، قال الألباني: (والموقوف صحيح الإسناد). ينظر: نصب الراية ٢/ ٣٦، الدراية ١/ ١٧١، السلسلة الضعيفة ٢/ ٣١٩.
(٥) في (أ) و(ب): من الأحرار.
(٦) في (أ) و(ب) و(ق): الفضلى. والفُضَل: على وزن (فُعَل) بضم الفاء وفتح العين، جمع الفُضلى إذا كان بالألف واللام. ينظر: معجم ديوان الأدب للفارابي ١/ ٨٠. وضبطها في (ح) بفتح الحاء وكسر الضاد (الفَضِل).
[ ١ / ٣٥٩ ]
صفًّا لم تصحَّ صلاتُهم، (كـ) التَّرتيبِ في (جَنَائِزِهِمْ) إذا اجتمعت، فيُقدَّمون إلى الإمامِ وإلى القبلةِ في القبرِ على ما تقدَّم في صفوفِهم.
(وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ) في الصفِّ (إِلَّا كَافِرٌ، أَوْ امْرَأَةٌ)، أو خنثى وهو رجلٌ، (أَوْ مَنْ عَلِمَ حَدَثَهُ) أو نجاستَه (أَحَدُهُمَا)، أي: المصلِّي أو المصافِفِ (١) له، (أَوْ) لم يقفْ معه إلا (صَبِيٌّ فِي فَرْضٍ؛ فَفَذٌّ)، أي: فردٌ؛ فلا تصحُّ صلاتُه ركعةً فأكثرَ.
وعُلِم منه: صحَّةُ مُصافَّةِ الصبي في النَّفلِ، أو مَن جَهِل حدثَه أو نَجَسَه حتى فَرَغ.
(وَمَنْ وَجَدَ فُرْجَةً (٢)، بضمِّ الفاءِ، وهي الخللُ في الصفِّ ولو بعيدةً؛ (دَخَلَهَا)، وكذا إن وجد الصفَّ غيرَ مرصوصٍ وَقَف فيه؛ لقولِه ﵇: «إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ» (٣).
_________________
(١) في (ب): والمصافف.
(٢) قال في المطلع (ص ١٢٨): (الفُرْجَة: الخلل بين شيئين، قاله غيره واحد من أهل اللغة، وهي بضم الفاء وفتحها، ذكرهما صاحب المُحْكَم والأزهري، وأما الفرجة بمعنى: الراحة من الغم، فمثلث الفاء، ذكره شيخنا في مثلثه).
(٣) رواه أحمد (٢٥٢٧٠)، وابن ماجه (٩٩٥)، من طريق عروة عن عائشة مرفوعًا، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والنووي، والذهبي، والألباني.
[ ١ / ٣٦٠ ]
(وَإِلَّا) يجدْ فرجةً وَقَف (عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ)؛ لأنَّه موقفُ الواحدِ، (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ) بنحنحةٍ أو كلامٍ أو إشارةٍ، وكُره بجَذْبِه، ويَتْبَعُهُ مَن نبَّهَه (١) وجوبًا.
(فَإِنْ صَلَّى فَذًّا رَكْعَةً لَمْ تَصِحَّ) صلاتُه؛ لما تقدَّم، وكرَّره لأجلِ ما أعقبه به.
(وَإِنْ رَكَعَ فَذًّا)، أي: فردًا لعذرٍ؛ بأنْ (٢) خَشِيَ فواتَ (٣) الركعةِ، (ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ) قبلَ سجودِ الإمامِ، (أَوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ سُجُودِ الإِمَامِ؛ صَحَّتْ) صلاتُه؛ لأنَّ أبَا بكرةَ رَكَع دونَ الصفِّ، ثم مشَى حتى دَخَل الصفَّ، فقال له النبي ﷺ: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» رواه البخاري (٤).
وإن فَعَله ولم يخشَ فواتَ (٥) الركعةِ؛ لم تصحَّ إن رَفَع الإمامُ رأسَه مِن الركوعِ قبلَ أن يَدخلَ الصفَّ أو يقِفَ معه آخرُ.
_________________
(١) في (أ) و(ق): ينبهه.
(٢) في (ب): أي: بأن.
(٣) في (ب): فوت.
(٤) رواه البخاري (٧٨٣)، من حديث أبي بكرة ﵁.
(٥) في (ب): فوت.
[ ١ / ٣٦١ ]