لغةً: النَّماءُ والزِّيادةُ، يقال: زكَا الزَّرعُ: إذا نَمَا وزاد، وتُطلقُ على المدحِ، والتَّطهيرِ، والصلاحِ.
وسُمِّي المُخْرَجُ زكاةً؛ لأنَّه يزيدُ في المخرَجِ منه، ويَقِيه الآفاتِ.
وفي الشَّرعِ: حقٌ واجبٌ في مالٍ خاصٍ، لطائفةٍ مخصوصةٍ، في وقتٍ مخصوصٍ.
(تَجِبُ) الزَّكاةُ في سائِمَةِ بهيمةِ الأنعامِ، والخارجِ مِنَ الأرضِ، والأَثمانِ، وعروضِ التجارةِ، ويأتي تفصيلُها، (بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ):
أحدُها: (حُرِّيَّةٌ)، فلا تجبُ على عبدٍ؛ لأنَّه لا مالَ له، ولا على مكاتبٍ؛ لأنَّه عبدٌ ومِلْكُه غيرُ تامٍ، وتجب على مُبَعَّضٍ بِقَدْر حرِّيته.
(وَ) الثاني: (إِسْلَامٌ)، فلا تجبُ على كافرٍ أصليٍّ أو مرتدٍّ، فلا يقضيها إذا أسلم.
(وَ) الثالثُ: (مُلْكُ نِصَابٍ)، ولو لصغيرٍ أو مجنونٍ؛ لعمومِ الأخبارِ وأقوالِ الصحابةِ (١)،
فإن نقَصَ عنه فلا زكاةَ، إلا الرِّكازَ.
_________________
(١) جاء ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم: عمر عند الدارقطني (١٩٧٣)، والبيهقي (٧٣٤٠)، قال: «ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة»، قال البيهقي: (هذا إسناد صحيح، وله شواهد عن عمر ﵁)، ووافقه الألباني. علي عند البيهقي (٧٣٤٢)، عن ابن أبي رافع قال: «كان علي ﵁ يزكي أموالنا ونحن يتامى»، قال ابن حجر: (وهو مشهور عنه). ابن عمر عند الشافعي (ص ٢٠٤)، عن نافع، عن ابن عمر: «أنه كان يزكي مال اليتيم»، وصحح إسناده ابن الملقن. عائشة عند عبد الرزاق (١٠١١٤)، عن القاسم، قال: «كنا أيتامًا في حجر عائشة فكانت تزكي أموالنا»، وسنده صحيح. جابر عند عبد الرزاق (٦٩٨١)، عن أبي الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: في من يلي مال اليتيم؟ قال جابر: «يعطي زكاته» وسنده صحيح. قال الإمام أحمد في رواية الأثرم: (خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ يزكون مال اليتيم). ينظر: شرح الزركشي ٢/ ٤١٤، البدر المنير ٥/ ٤٧٠، التلخيص الحبير ٢/ ٣٥٤، إرواء الغليل ٣/ ٢٥٩.
[ ١ / ٥٠٩ ]
(وَ) الرابعُ: (اسْتِقْرَارُهُ)، أي: تمامُ المِلْكِ في الجُملةِ، فلا زكاةَ في دَيْنِ الكتابةِ؛ لعدمِ استقرارِه؛ لأنَّه يَمْلِكُ تَعْجيزَ نفسِه.
(وَ) الخامسُ: (مُضِيُّ الحَوْلِ)؛ لقولِ عائشة عن النبي ﷺ: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» رواه ابنُ ماجه (١)،
ورِفْقًا
_________________
(١) رواه ابن ماجه (١٧٩٢)، والدارقطني (١٨٨٩)، والبيهقي (٧٢٧٤)، من طريق حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة مرفوعًا، قال البيهقي: (وحارثة لا يحتج بخبره)، وضعَّفه العقيلي، وابن الجوزي، والنووي، والذهبي. وله شواهد منها: حديث أنس عند الدارقطني (١٨٩١)، وفيه حسان بن سياه، قال ابن حجر: (وهو ضعيف، وقد تفرد به عن ثابت)، وعدَّه ابن عدي والذهبي من مناكيره. حديث علي عند أحمد (١٢٦٥)، وأبي داود (١٥٧٣)، من طريق عاصم بن ضمرة، عن علي، رواه جرير مرفوعًا، ورواه سفيان وشعبة وغيرهما موقوفًا، وجرير له أوهام إذا حدث من حفظه، ورجَّح عبد الحق الأشبيلي. وقال ابن حجر: (حديث علي لا بأس بإسناده والآثار تعضده فيصلح للحجة)، وقال الألباني: (ثم وجدت للحديث طريقًا أخرى بسند صحيح عن علي فصحَّ الحديث). حديث ابن عمر عند الترمذي (٦٣١)، وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو شديد الضعف، وقد رواه الترمذي (٦٣٢) موقوفًا، وصوبه أيضًا البيهقي، وابن الجوزي، والأشبيلي، وابن عبد الهادي، والألباني. قال البيهقي: (والاعتماد في ذلك على الآثار الصحيحة فيه عن أبي بكر الصديق ﵁، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، وغيرهم ﵃)، وقال العقيلي مشيرًا إلى ضعف المرفوع: (ولم يتابعه عليه - يعني حديث عائشة- إلا من هو دونه)، وصحَّح الألباني المرفوع للشواهد. ينظر: الكامل في الضعفاء ٣/ ٢٤٨، علل الدارقطني ١٢/ ٣١٥، الضعفاء ١/ ٢٨٨، العلل المتناهية ٢/ ٣، ميزان الاعتدال ١/ ٤٧٩، تنقيح التحقيق ٣/ ١٧، التلخيص الحبير ٢/ ٣٤٩، الإرواء ٣/ ٢٥٤.
[ ١ / ٥١٠ ]
بالمالكِ؛ ليتكاملِ النَّماءِ فَيُوَاسِيَ منه، ويُعفَى فيه عن نصفِ يومٍ.
(فِي غَيْرِ المُعَشَّرِ)، أي: الحبوبِ والثمارِ؛ لقولِه تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١]، وكذا: المعدِنُ، والرِّكازُ، والعسلُ؛ قياسًا عليهما، فإنِ استفادَ مالًا بإرثٍ أو هبةٍ ونحوهِما؛ فلا زكاةَ فيه حتى يحولَ عليه الحولُ، (إِلَّا نِتَاجَ السَّائِمَةِ، وَرِبْحَ التِّجَارَةِ، وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ) النتاجُ أو الرِّبحُ (نِصَابًا، فَإِنَّ حَوْلَهُمَا حَوْلُ أصْلِهِمَا)، فيجبُ ضمُّهما إلى ما عِندَه (إِنْ كَانَ نِصَابًا)؛ لقولِ عمرَ: «اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ وِلِا تَأْخُذْهَا مِنْهُمْ» رواه مالكٌ (١)، ولقولِ
_________________
(١) رواه مالك (٩٠٩)، وعبد الرزاق (٦٨٠٦)، وابن أبي شيبة (٩٩٨٥)، من طرق عن عمر، وصححه النووي وجوَّد إسناده ابن كثير، وضعَّفه ابن حزم، قال ابن حجر: (ضعفه بعكرمة بن خالد وأخطأ في ذلك؛ لأنه ظنه الضعيف ولم يرو الضعيف هذا، إنما هو عكرمة بن خالد الثقة الثبت). ينظر: المحلى ٤/ ٨٦، المجموع ٣/ ٣٧٢، إرشاد الفقيه ١/ ٢٤٩.
[ ١ / ٥١١ ]
عليٍّ: «عُدَّ عَلَيْهِمْ الصِّغَارَ وَالكِبَارَ» (١)،
فلو ماتتْ واحدةٌ من الأُمَّاتِ (٢) فنُتِجَتْ سخلةً (٣)؛ انقطعَ، بخلافِ ما لو نُتجتْ ثم ماتت.
(وَإِلَّا) يَكُن الأصلُ نصابًا (فَـ) حولُ الجميعِ (مِنْ كَمَالِهِ) نصابًا، فلو مَلَكَ خَمْسًا وثلاثين شاةً، فنتجَتْ شيئًا فشيئًا؛ فَحَوْلُها مِنْ حين تبلغُ أربعينَ، وكذا لو مَلَكَ ثمانيةَ عشرَ مِثقالًا، ورَبِحَت شيئًا فشيئًا؛ فَحَوْلُها منذ بَلَغَت عشرين.
ولا يبني الوارثُ على حَوْلِ الموروثِ.
ويُضمُّ المستفادُ إلى نصابٍ بيدِه من جنسِه أو في حُكمِه، ويُزكِّي
_________________
(١) قال ابن حجر: (وأما قول عليٍّ فلم أره). ينظر: التلخيص الحبير ٢/ ٣٥٠. ورواه ابن خزيمة (٢٢٦٢)، عن علي مرفوعًا في حديث طويل، وفيه: ويعد صغيرها وكبيرها، وصححه ابن خزيمة والألباني، وهو جزء من حديث علي الطويل في الزكاة وسبق الكلام عليه في صفحة الفقرة من ضمن الشواهد، والاختلاف فيه بين الرفع والوقف.
(٢) في (ب) و(ع) و(ق): الأمهات.
(٣) قال في المطلع (ص ١٧٨): (قوله: (فَنُتِجَتْ عند الحَوْلِ سَخْلَةً): نتجت -بضم أوله- على البناء للمفعول، وسخلة مفعول ثان، ويجوز (نتَجَت) على البناء للفاعل، وسَخْلَةً مفعوله، يقال في فعله: نتجت الناقة، وأنتجت، مبنيين للفاعل، ونتجتها أنا، وأنتجتها: جعلت لها نتاجًا، ونُتِجت وأُنْتِجَت، مبنيين للمفعول، ست لغات، وفيه حذف مضاف تقديره: نتج بعضها سخلة، أو نتجت بعضها سخلة).
[ ١ / ٥١٢ ]
كلَّ واحدٍ إذا تمَّ حولُه.
(وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ أَوْ حَقٌّ) مِنْ مغصوبٍ، أو مسروقٍ، أو موروثٍ مجهولٍ، ونحوِه، (مِنْ صَدَاقٍ وَغَيْرِهِ)؛ كثمنِ مبيعٍ وقرضٍ، (عَلَى مَلِيءٍ) باذلٍ (أَوْ غَيْرِهِ؛ أَدَّى زَكَاتَهُ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى)، رُوي عن عليٍّ (١)؛ لأنَّه يَقدِرُ على قبْضِهِ والانتفاعِ به، قَصَد ببقائِه عليه الفرارَ مِنَ الزَّكاةِ أو لا، ولو قَبَضَ دونَ نصابٍ زكَّاهُ.
وكذا لو كان بيدِه دونَ نصابٍ، وباقيه دَيْنٌ أو غصبٌ أو ضالٌ.
والحوالةُ به أو الإبراءُ كالقبضِ.
(وَلَا زَكَاةَ فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَابَ)، فالدَّيْنُ وإن لم يَكُن مِن جنسِ المالِ مانعٌ مِنْ وجوبِ الزكاةِ في قدْرِه، (وَلَوْ كَانَ المَالُ) المزكَّى (ظَاهِرًا)؛ كالمواشي والحبوبِ والثمارِ.
(وَكَفَّارَةٌ كَدَيْنٍ)، وكذا نذرٌ مطلقٌ، وزكاةٌ، ودينُ حجٍ وغيرِه؛ لأنَّه يجبُ قضاؤه، أشبه دينَ الآدميِّ، ولقولِه ﵇: «دَيْنُ الله أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» (٢).
_________________
(١) رواه أحمد كما في مسائل عبد الله (٥٨٤)، وعبد الرزاق (٧١١٦)، وأبو عبيد في الأموال (١٢٢٠)، من طريق عبيدة، عن علي في الدين الظنون قال: «إن كان صادقًا فليزكه إذا قبضه لما مضى»، قال ابن حزم: (وهذا في غاية الصحة)، وقال الألباني: (رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين). ينظر: المحلى ٤/ ٢٢١، الإرواء ٣/ ٢٥٣].
(٢) رواه البخاري (١٨٥٢)، بلفظ: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء»، ومسلم (١١٤٨)، بلفظ: «فدين الله أحق بالقضاء».
[ ١ / ٥١٣ ]
ومتى بَرِئَ ابتدأ حَوْلًا.
(وَإِنْ (١) مَلَكَ نِصَابًا صِغَارًا؛ انْعَقَدَ حَوْلُهُ حِينَ مَلَكَهُ)؛ لعمومِ قولِه ﵇: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً: شَاةٌ» (٢)؛
لأنَّها تقعُ على الكبيرِ والصغيرِ، لكن لو تَغذَّت باللَّبَن فقط لم تجبْ؛ لعدمِ السَّوْمِ.
(وَإِنْ نَقَصَ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الحَوْلِ) انقطع؛ لعدمِ الشَّرطِ، لكنْ يُعفى في الأثمانِ وقِيَمِ العُروضِ عن نقصٍ يسيرٍ؛ كحبةٍ وحبتين؛ لعدمِ
_________________
(١) في (ق): ومن.
(٢) رواه أبو داود (١٥٦٨)، والترمذي (٦٢١)، وابن ماجه (١٨٠٥)، وابن خزيمة (٢٢٦٧)، والحاكم (١٤٤٣)، من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعًا في حديث طويل، قال الترمذي: (حديث ابن عمر حديث حسن، والعمل على هذا الحديث عند عامة الفقهاء، وقد روى يونس بن يزيد وغير واحد عن الزهري، عن سالم هذا الحديث، ولم يرفعوه، وإنما رفعه سفيان بن حسين)، وقال في العلل: (سألت البخاري عنه فقال: أرجو أن يكون محفوظًا، وسفيان بن الحسين صدوق)، وسفيان ضعيف في روايته عن الزهري كما قال النسائي وابن حبان وغيرهما، قال ابن حجر: (ويقال تفرد بوصله سفيان بن حسين، وهو ضعيف في الزهري خاصة والحفاظ من أصحاب الزهري لا يصلونه). وقد تابعه سليمان بن كثير قال ابن عدي: (وافق سفيان بن حسين على هذه الرواية عن سالم عن أبيه حديث الصدقات سليمان بن كثير)، وله شاهد مرسل صحيح عن الزهري يأتي ذكره صفحة الفقرة ، ولذا صححه ابن خزيمة، والحاكم، والذهبي، والألباني. وروى البخاري (١٤٥٤)، بنحوه من حديث أبي بكر، وفيه: «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة». ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ١٤٧، البدر المنير ٥/ ٤١٧، التلخيص الحبير ٢/ ٣٤١، تهذيب التهذيب ٤/ ١٠٨، صحيح أبي داود ٥/ ٢٩١.
[ ١ / ٥١٤ ]
انضباطِه، (أَوْ بَاعَهُ) - ولو مع خيارٍ- بغيرِ جنسِه؛ انقطع الحولُ، (أوْ أبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ - لَا فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ -؛ انْقَطَعَ الحَوْلُ)؛ لما تقدَّم، ويستأنفُ حولًا، إلا في ذهبٍ بفضةٍ، وبالعكسِ؛ لأنَّهما كالجنسِ الواحدِ، ويُخرِجُ (١) مما معَه عند الوجوبِ.
وإذا اشترى عَرْضًا لتجارةٍ بنقدٍ، أو باعَه به؛ بنى على حولِ الأوَّلِ؛ لأنَّ الزكاةَ تجبُ في قيمِ العروضِ، وهي مِن جنسِ النقدِ، وإن قَصد بذلك الفرارَ من الزكاةِ لم تسقط؛ لأنَّه قَصَدَ به إسقاطَ حقِّ غيرِه فلم يَسقُطْ، كالمُطَلِّقِ في مرضِ الموتِ.
فإن ادَّعى عدمَ الفرارِ وثَمَّ قرينةٌ عُمِلَ بها، وإلا فقولُه.
(وَإِنْ أَبْدَلَهُ بِـ) نصابٍ مِن (جِنْسِهِ)؛ كأربعينَ شاةً بمثلِها أو أكثرَ؛ (بَنَى عَلَى حَوْلِهِ)، والزَّائدُ تَبَعٌ للأصلِ في حولِه كنِتاجِ، فلو أبدل مائةَ شاةٍ بمائتين؛ لزِمَه شاتانِ إذا حال حولُ المائةِ، وإنْ أبْدَلَه بدونِ نصابٍ انْقَطَع.
(وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ المَالِ) الذي لو دَفَع زكاتَه منه أجْزَأت؛ كالذَّهبِ، والفضةِ، والبَقرِ، والغنمِ السائمةِ ونحوِها؛ لقولِه ﵇: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً: شَاةٌ» (٢)،
_________________
(١) من هنا خرم في (ح) إلى قوله: (قيم العروض وهي).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
[ ١ / ٥١٥ ]
و«فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ: العُشْرُ» (١) ونحوُ ذلك، و(فِي) للظرفيةِ، وتعلُّقُها بالمالِ كتعلقِ أرشِ جنايةٍ برقبةِ الجاني، فللمالكِ إخراجُها من غيرِه، والنمَّاءُ بعد وجوبِها له، وإنْ أتلَفَه لزِمَه ما وجب فيه، وله التَّصرُّف فيه بِبيعٍ وغيرِه، فلذلك قال: (وَلَهَا تَعَلُّقٌ بِالذِّمَّةِ)، أي: ذمَّةِ المزكِّي؛ لأنَّه المطالَبُ بها.
(وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا إِمْكَانُ الأدَاءِ)؛ كسائرِ العباداتِ، فإنَّ الصومَ يجبُ على المريضِ والحائضِ، والصلاةُ تجبُ على المغمى عليه والنائمِ، فتجبُ في الدَّيْنِ والمالِ الغائبِ ونحوِه كما تقدم (٢)، لكنْ لا يَلزمُه الإخراجُ قَبْلَ حصولِه بيدِه.
(وَلَا) يُعتبرُ في وجوبِها أيضًا (بَقَاءُ المَالِ)، فلا تَسقُطُ بتلفِهِ، فرَّطَ أو لم يفرِّطْ؛ كدَيْنِ الآدميِّ، إلا إذا تَلِفَ زرعٌ أو ثمرٌ بجائحةٍ قَبْل حصادٍ وجذاذٍ.
(وَالزَّكَاةُ) إذا مات مَنْ وَجَبَت عليه (كَالدَّيْنِ فِي التَّرِكَةِ)؛ لقولِه ﵇: «فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ» (٣)، فإنْ وَجَبَت وعليه دَيْنٌ بِرَهنٍ وضاق المالُ قُدِّم، وإلا تَحاصَّا، ويُقدَّمُ نذرٌ معيَّنٌ وأضحيةٌ معينةٌ.
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٨٣)، من حديث ابن عمر بلفظ: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر».
(٢) انظر صفحة
(٣) تقدم تخريجه قريبًا صفحة الفقرة
[ ١ / ٥١٦ ]